الجمعة، 18 نوفمبر 2011

جامعيات أثيرة



















جامعيات أثيرة 

 تطابقت آراء بعض أساتذتنا الكرام في كلية الآداب من جامعة حلب ، على أن طلاب دورة 1973 ـ 1977 يتميزون عمن سبقهم وعمن تلاهم .. 
وعدّها بعض الأساتذة " آخر الدورات " المميزة والملتزمة نضجًا ووعيًا ، والمتجاوبة المستجيبة ، وذات الأهمية والشأن في التحصيل العلمي ، والحرص على التفوق الحقيقي ..
وتلك الآراء عبر عنها ، وسمعتها من كل من : د. فؤاد المرعي ، والأستاذ محمود فاخوري ، والمرحوم د. محمد حموية ، والمرحوم الأستاذ محمد الأنطاكي ..
وغالبا ما كان يتم التعبير عن ذلك ، بحضور أساتذة آخرين وفي معرض الإشارة إلى تفوق أعداد من طلاب وطالبات هذه الدورة ، وفي التنويه والإشادة بالعلاقة الحميمة التي تجمع عددا كبيرا منهم بأساتذتهم ، فيوافق الأساتذة الحاضرون على هذا " التقريظ " ويثنون عليه ..
ومنهم : د. أحمد هبو ، د. مصطفى جطل ، د. فايز الداية .

وفيما لم أسمع آراء كل من : الدكتور فخر الدين قباوة ، والأستاذ علاء الدين زيتون ، والدكتور وهيب طنوس ، والدكتور توفيق برو ، فقد سمعت شهادات مباشرة تثني أيضا على طلاب هذه الدورة ، من كل من الأستاذة منى برغوث ، والأستاذ كمال خليل هنداوي ..
(الذي حظيتُ منه بدعوة خاصة لزيارته في منزله ، ومشاهدة مكتبة والده الأديب خليل هنداوي ) ..
"" وعلى كل حال ، فإن تلك الآراء ـ عموما ـ ظلت سائدة وتتردد في المناسبات التي نلتقي فيها بأساتذتنا حتى منتصف الثمانينيات الماضية ، ولا أعلم إن طرأت تغيرات عليها فيما بعد ، أو لم تطرأ "" ..

1 ـ الأستاذ محمود فاخوري :

باستثناء الأستاذ فاخوري ـ الذي عرفته منذ كنت طالبه في المرحلة الثانوية ـ فإن جميع من توطدت علاقتي بهم من الأساتذة في كلية الآداب تحديدا ، كانت عبر التواصل معهم في مكتب الدكتور فؤاد المرعي غالبا ، ومكتب المرحوم الدكتور محمد حموية أحيانا ..
.............
في المرحلتين ، كان الأستاذ محمود مثال العطاء والإخلاص والتفاني ..
ومنذ دخوله المحاضرة ، يفتح حقيبته الجلدية الكبيرة ، ويكبس زر التشغيل الآلي لصوته ، فلا يتوقف إلا بعد أن يتوافد الفضوليون على باب القاعة ، فينتبه إلى أن وقت المحاضرة قد انتهى ..
يفيض كأنه " يغرف من بحر " ..
وينساب حديثه على وتيرة واحدة ، وبنغمة واحدة أيضا ، وكأنه مدوزن على مقام البيات ..
هادئ ، وقور ، لطيف ، كيّس ، سَمْح ..
لا تستطيع ألا تحترمه منذ اللحظة الأولى للقائك به ، ويشعِرُكَ أنكَ ندُّه ، ولو كنتَ أكسل تلاميذه ..
وإذا جادلته ، ترفق بكَ كي لا يجرفكَ طوفانُ علمه ، ويأخذكَ من يدكَ إلى الشاطئ ، ولا يدعكَ إلا بعد أن يُدخِلَ الطمأنينة إلى عقلك ونفسك ..
هو لسان العرب وتاريخ الأدب ومعجم البلدان والأغاني والأمالي والبيان والتبيين ..
هو طبقات الشعراء وأخبارهم ، وهو شرح المعلقات ..
هو أبو الأسود الدؤلي والفراهيدي وابن جني وقدامة ..
هو المدارس النحوية البصرية والكوفية والبغدادية ..
هو الجاحظ والأصفهاني وابن خلدون والأصمعي والفارابي ..
هو عروة بن الورد والشنفرى والأعشى وجرير والفرزدق والأخطل ..
هو المتنبي وسيف الدولة وأبو فراس وابن زيدون ..
هو باختصار : مكتبة ناطقة متنقلة ..
وأنا كنت له " بالمرصادي " ..
استغليتها " أبشع " استغلال في السنوات الأولى من عملي ، إذ كثيرا ما كنت أحتاج إلى جوابٍ شافٍ وسريع عن مسألة أجهلها ، فأختصرُ الوقت والبحث بالاتصال به هاتفيا وفي أي وقت ، للسؤال عنها ، وما أكثر ذلك !!
ولم أكن أرعوي ، ولم يكن يضجر ..
ما أروعك أستاذي العزيز محمود فاخوري !!
أهداني ـ مشكورا ـ كتابه " موسيقا الشعر " المطور والمعدل عن " سفينة الشعراء " ، كما أكرمني بزيارته بيتي مع أستاذيّ العزيزين ..

2 ـ الأستاذ محمد الأنطاكي :

هو الهيبة والجلال والوقار " والهمشرية والشببلكية " ..
وفوقها ، أضفى عليه الشيب " الجميل " طلة بهية ، فبدا شابا بهيئة شيخ أشيب ..
بمعنى : " يا هيك الشيب يا بلا " ..
له الفضل الكبير عليّ ، وعلينا في فهم واستيعاب مادة النحو في السنة الأولى ، و" فقه اللغة " في السنة الثالثة ، وبينهما : محاضرات تتصف بالطرافة والفائدة ، كانت تعليقا على " النصوص القديمة " التي نتدارسها تفسيرا وتحليلا وفكفكة لعقدٍ نحوية وبلاغية وصرفية ....
ومحاضرة النحو عنده ، مكثفة موجزة مبسطة ، ومستقاة من كتابه " المحيط " ذي الأجزاء الثلاثة ..  
وكان لسانه ويده يتوافقان في النطق والكتابة السريعة المنسقة جيدا على السبورة ، وأنا من المتمكنين بالكتابة السريعة فأتابعه على الدعسة ، لكن ، يبقى الأمل والرجاء لدى الآخرين باللحاق به والكتابة في دفاترهم ..
وهيهات ، حتى يطوف دفتري بين أيدي الأغلبية ويعود إلي في نهاية المحاضرات ..
ومثل الأستاذ فاخوري ، فإن أبا تميم موسوعة متنقلة .. وشخصية ظريفة جدا ، ومحدث بارع ولبق ، يجيد استحضار النكتة وروايتها في الزمان والمكان الأنسبين ، ويستجيب لها إن سمعها من أحد ..
سريع البديهة ، لمّاح ..
كنت أشعر أن له عيونا أخرى في مؤخرة رأسه ، تجعله متيقظا لكل ما يجري من حوله .. حقا ما أقول ولست أبالغ ..
يختبئ تحت هدوئه بركان خامل ، لكنه إذ يثور لا يُبقي ولا يذر ..
تقاربت معه  في السنة الجامعية الأولى ، حين شاركَنا في رحلة إلى الساحل السوري ..
 وتلك كانت ، أول مشاركة لي في رحلة خارج مدينتي الأثيرة " حلب " إلى الساحل ، تتألف من ثلاث حافلات ، ومشتركة مع قسمي اللغة الإنجليزية والفرنسية ..
اخترت الجلوس إلى جانبه .. وأصغيت بشغف المحِب ، لعشقه للطرب الأصيل والموسيقا ، ومنها إلى بحور الشعر ونغماتها التي يوقـِّعُها تفعيلاتٍ في كفيه ، بانسجام مع تأديته لها نطقا فنيا مميزا ..
ثم أسهب في سرد ذكرياته عن عمله مدرسا في حلب ، وعن الأحياء القديمة التي عاش فيها ، وكيف كانت الحياة بسيطة خالية مما نحن فيه الآن ، من مصاعب وتعقيدات ..
"  وكنا في ربيع عام 1974 " ..
وكما عشقت محاضراته في النحو ، أحببت محاضراته في " فقه اللغة " ، وكنت أحد القلائل الذين حرصوا على حضورها ، لقيامه بتجريب صوتي عملي لما أورده في كتابه الشائق ..
قضى أبو تميم مبكرا في حادث سير في أوائل الثمانينيات ..
تغمدك الله بواسع رحمته أبا تميم ..

3 ـ الدكتور عمر الدقاق :

حين دخلت الجامعة في السنة الأولى ، وعرفت أن عميد كلية الآداب هو د. عمر الدقاق ، انتابني شعور عارم من الفرح قبل أن ألتقيه ..
لا لشيء ، إلا لأن مكتبتي تحتوي على كتابه " الاتجاه القومي في الشعر العربي الحديث " والذي سبق أن أرشدني إليه الأستاذ فاخوري أيام مرحلة الدراسة الثانوية ..
وبدأت المسائل تخبو بعدها رويدا رويدا ..
فقد حاضر فينا في عدد من المقررات الجامعية ، واتفقت آراء كثير من الزملاء على أن د. الدقاق في محاضراته ، ليس هو نفسه في كتبه العديدة ..
فبمقدار ما كنا نرى كتبه مهمة وشاملة وحيوية ، كانت محاضراته تسير " كما المياه في الطلوع " ..
وهو شخصية كلاسيكية قلبا وقالبا ، شكلا وجوهرا ، يحب " الإتيكيت " وينفذه ، وكنت أحييه بانحناءة بسيطة حين نتقابل في الممر ، حرصا مني على احترام " إتيكيته " ..
ولم يكن د. دقاق شخصية مقربة من طلابه ، بل هو أقرب إلى الانعزالية ، حتى إنه كان يلتزم الطرق الجانبية الدائرية في خروجه ودخوله كي يتجنب أماكن التجمعات الطلابية ..
ولم يستطع أن يقاوم غضب د. طنوس عليّ ، فوقـّع بحقي مذكرة عقوبة ظالمة ـ سامحه الله ـ فرضها وكيله ..
وكانت له نشاطات ومساهمات أدبية وفكرية مميزة ، وعمل على تكريس عدد من اللقاءات والمؤتمرات التي استضافتها الكلية في عهده ..
وبجهوده الشخصية استضافت الكلية كثيرا من المبدعين والشعراء وعلى رأسهم : الشاعر محمود درويش ..
إضافة إلى رعايته للحفل السنوي للطلاب الخريجين ..
في أواخر عام 1979 ، كنت أعمل في مديرية التربية بحلب ، فالتقيته صدفة يتابع أمرا ما ، ورافقته حتى أنجزه ، ثم اعتذر عن تلبية دعوتي له بزيارة مكتبي لانشغاله ..


4 ـ الدكتور مصطفى جطل :


عندما التقيته في مكتب د. فؤاد ، لم نكن متعارفيْن بعد .. وكان عائدا من الإيفاد حديثا ..
بدا معتدا بنفسه ، واثقا مما لديه ، وإن كان مشغولا في أكثر الأوقات ، في مكتبه ذي الباب الموارب أو المغلق عليه وعلى ضيوفه ..
وقد لفتني ما سمعته منه مرة ، ونحن في نقاش عن القصة والرواية في مكتب د. فؤاد ، حين قال : إن آخر عمل روائي قرأه ( في ذلك الوقت ) ، كان إحدى روايات نجيب محفوظ التي مر عليها أكثر من عشر سنوات ..
المهم .. كنا في السنة الثالثة حين بدأ يحاضر علينا عمليا في " حلقات بحث " لمادة علوم اللغة العربية " النحو " ، التي كان يلقي محاضراتها علينا د. فخر الدين قباوة ..
وهي مادة ضخمة ، وكانت تمثل هي وأستاذها عقبتين هامتين وصعبتي المراس ، تعترضان كل طلاب قسم اللغة العربية آنذاك ..
هو ودود وطيب ، بعكس ما يصفه كثير ممن لم يقتربوا منه ، وإن كان سريع الغضب ، وتتغير كل ملامحه بحسب درجة فورانه ..
وسمعت وصفا يشبّهه بكتابه : " نظام الجملة " ، سعة ، وشمولية ، وحرصا ، وصعوبة أيضا ..
لكنه عملي وذو طموح مفتوح المدى ، وكأنه يحب المغامرة واستكشاف المجهول ، واقتحام الصعاب ..
في البداية ، سارت علاقتي بالدكتور جطل ببطء ، ولم تشهد قفزات حتى بعد أن صار وكيلا للكلية ، ولم أدخل مكتبه زائرا إلا بعد سنوات من ذلك ..
بعد تخرجي تقلبت الأيام بي سريعا ، وغدوت قادرا على تقديم خدمة ما ، لأصدقائي وأساتذتي على مستوى مديرية التربية بحلب ومدارسها ، ولاسيما أيام صدور نتائج امتحانات الإعدادية والثانوية ، حيث كان بالإمكان استخراج النتيجة قبيل ساعات من إعلانها رسميا ، الأمر الذي يراه الآخرون عملا ناجزا وخدمة تأتي قبل أوانها ، وهو في الواقع أمر أصغر من أن يحتسب خدمة على أحد ..
وكنت أنا مَن يعرض هذه الخدمة على أساتذتي تحديدا ..
 وقد أديتها أيضا للدكتور جطل الذي تواصل معي عبر د. فؤاد أولا ..
وعندما كثرت الطلبات الملحة عليه من زوجته في اللاذقية بعد أن شاع خبر نجاح أخيها ، اتصل بي مباشرة ليملي علي أرقام عدد لا بأس به من الطلاب لاستخراج نتائجهم ، وهم من أقرباء زوجته وجيرانها هناك ..
وكانت تلك بداية " تساقينا الهوى " ..
إلى أن غاب عن الجامعة حين صار مدير مكتب صديقه د. طنوس في القيادة القطرية ، ثم سافر إلى أكثر من بلد عربي للتدريس فيه على ما أعتقد ، حتى عاد واستقر به المقام في جامعة حلب ..
وقبل سنوات ، كنت في زيارة لمبنى رئاسة الجامعة ، فقالت لي الصديقة عزيزة حذيفة " مديرة مكتب مجلس الجامعة " : ألا تريد أن تبارك لصديقك بمنصب وكيل الجامعة للشؤون الإدارية ؟
ذهبنا معا ، استقبلنا بود ، وتوقع أني جنيت مبلغا ضخما من غربتي ، فضحكتْ عزيزة ، وعلقت أنا : لقد ردّتْ عليك ، فهي تعرف تماما كم جنيت والحمد لله .. قال : لمَ أنت هناك إذن ؟!
تناولنا قهوتنا ، وودعَنا بحفاوة فاقت استقباله ..


 5 ـ الأستاذ علاء الدين زيتون : سقوط الرخ :

عرفته منذ العام الأول في الجامعة .. درّسنا مقرر الثقافة القومية في أول سنتين ، ثم التاريخ في السنتين الأخريين ..
وكان بيننا سلام عادي أقرب إلى الفتور ، إذ يتعاطى الأستاذ زيتون معنا كمن له ضربة لازمة على العالمين ، ولا يتماس ـ كغيره من أساتذتنا ـ مع أحد ، مما أفقده " الشعبية " في أوساط الطلاب ..
وكأنه يعلم بأنه سيصير مسؤولا في يوم من الأيام ..
وحين صار الأستاذ علاء الدين زيتون بالفعل أعلى مسؤول سياسي في جامعة حلب في أوائل الثمانينيات ، كان يعرف تماما من أين تؤكل الكتف ، ومتى ، وأين ..
ففي ظل قانون التفرغ الجامعي ومكافآت التأليف ، ارتأى أن يحوِّل " أملية جامعية " إلى كتاب جامعي ، فقدّمها لمطابع الجامعة باسمه ، ليستفيد من فرصة " نسبة الكتاب إليه ، وليقبض هو مكافأة التأليف التي ليست من حقه " ..
والأملية ، ليست له أساسا ، ولا هو مؤلفها ، ولا هو مجرد شريك في تأليفها .. وما كان باستطاعته أن يفعل ذلك ، لولا استغلاله الجشع لمنصبه ـ مع الأسف الشديد ـ ..
وهي بعنوان : محاضرات في التاريخ العباسي والأندلسي للدكتور توفيق برو .

وصلت النسخة التجريبية المطبوعة من الكتاب ، للدكتور فؤاد ـ وكان وكيلا للكلية ـ مع طلبٍ شخصي من " لاطشه " ، بتكليف من يقوم بتصحيحها من الأخطاء قبل الطباعة النهائية ..
وأظن أن الأستاذ علاء ترك لأبي خلدون الحرية في تكليف من يراه مناسبا لهذا العمل (( الذي دأب عليه أساتذة آخرون أيضا ، يفرضون أنفسهم على طلابهم المتميزين ليؤدوا لهم هكذا خدمة )) ، فارتأى أبو خلدون أن أقوم أنا بتنقيحها طباعيا ولغويا ، " لأن ذلك سييسر لي أمورا عالقة في الجامعة ، ولاسيما ما يخص مشروعي في الدراسات العليا " ..
قلت له :
ولو أني على يقين باستحالة الأمر في العهد " الطنوسي " ، لكن ، بالنتيجة ، فإن الذي يطلب مني ذلك ، هو أبو خلدون .. فسمعا وطاعة يا صديقي ..
في نسخته التجريبية ، لم يكن الكتابُ منسوبا لصاحبه د. توفيق برو ، بل كان منسوبا صراحة لـ : علاء الدين زيتون ، واسمه مطبوع على الغلاف الخارجي ، وثمة خديعة لا يمكن أن يكتشفها إلا مَن يقرأ المقدمة حتى نهايتها ، أو مَن يعرف أصل الكتاب ، مثلي ..
والإشارة التي في آخر المقدمة تفيد بأن " الكتاب هو محاضرات ألقاها زميله د. توفيق برو " ووجد فيها معينا جيدا للطلاب ، فارتأى طباعتها بدل أن تبقى أملية !!!..
هكذا ، بهذه البساطة " لطش " السيد علاء الدين زيتون الكتابَ من صاحبه وصادر له حقه في النسب والتعب والمكافأة ، وليس له فضل فيه سوى كتابة المقدمة ، وأظنه كاتبها بنفسه ، لما فيها من أسلوب اختلاس ومخاتلة يشبهانه ..
وسمعت قصصا أخرى في غير مجال ، ستر الله على من ستر ..

والأستاذ علاء ، هو نكبة كبرى حلت بفرع الحزب في الجامعة ، سبقتها نكبتان ، وحالة انقسام خطيرة في القيادات ومحازبيهم ..

في ربيع 1985 ـ ربما ـ كنت مارا أمام مبنى رئاسة الجامعة ، حين توقفتْ سيارته السوداء بجانبي ، وأومأ لي سائقه " العكيد أبو اصطيف " مبتهجا ، أن أتوقف ، قبل أن يطل معلمه من نافذتها مسلما عليّ ، وقال : إنه يرغب أن أزوره في مكتبه في أي وقت من أي يوم اعتبارا من الغد ..
ولم أستطع تخمين سبب هذا الطلب والحب المفاجئ ، وأنا لا علاقة لي ـ آنذاك ـ بالجامعة ، لا من قريب ولا من بعيد ، كوني أؤدي خدمة العلم ..
في مكتبه ، وبعد أن قـُدِّمَ لي فنجان القهوة المرة ، قال :
إنه يعرف قدرتي في التأثير والضغط الأدبي على بعض المعارضين له في كلية العلوم ، وهو يطلب مني التدخل لديهم ، لمنحه أصواتهم الانتخابية للفوز بعضوية المؤتمر القطري للحزب ، وهو " لن ينسى ذلك لي ، ولن يقصر معهم في دعمهم ومساعدتهم فيما بعد " ..
وعدته بالمحاولة ، مضيفا : إنني لا أملك تأثيرا مباشرا ولا غير مباشر على أي أحد منهم ..
وكان يشعر أنه في موقف ضعيف ومحرج ، وهو أكبر مسؤول سياسي في الجامعة ، وسيكون أكثر حرجا لو فاز عليه مرشح آخر ، هو طالب جامعي ومحارَب ومحاصَر ، وليس له من المسؤولية أي شيء ..
وكان هذا الاحتمال كبيرا جدا ، وهو ما دفعه للاستنجاد بي وبغيري ربما ..
وفي يوم الانتخابات التي جرت في كلية الآداب ( الحقوق حاليا ) ، كنت من أوائل من دخل القاعة بعد الانتهاء وإعلان النتائج ، وصرخت في وجهه مرارا : " سقط الرّخ ، سقط الرّخ " ، فتجنبني وخرج مع بعض أنصاره ..

6 ـ الدكتور بكري شيخ أمين :

لم يكن له من الحضور الهام بين الطلاب ، رغم أن ابنته " غادة " كانت زميلتنا في نفس الدفعة ..
لا أعرف سببا لذلك ، ولم أبحث ..
لكنه كان وسيما أنيقا حتى في طبعات كتبه ( التعبيرية والتصويرية ) ..
يحب الإتيكيت أيضا .. عيناه ملونتان ، تلوبان كالمغزل ، وشعره مصفف بعناية ، وبدلته دائمة الإحكام ..
لم أره غير هادئ ، في مشيته وفي محاضراته وفي الرد على أسئلتنا عقب المحاضرات ..
وقد عاب عليّ مرة أنني أطقطق أصابعي ـ بحكم الاعتياد ـ قربه ، ولم يؤثر انتقاده على اهتمامي بمحاضراته ، والتفاعل معه فيها ..
غاب عن الكلية مسافرا خارج القطر لسنوات طويلة ، ولم ألتق به مذ ذاك ..

7 ـ الدكتور أحمد ارحيم هبّو :

حاضَرَ فينا في أكثر من مقرر على مدار السنوات ، لكني لم أحضر له أي محاضرة ..
وبقيت علاقتنا محكومة بطبعه الهادئ جدا ، ومحدودة بالوقت الذي نلتقي فيه في المكتبين الصديقين ..
وحتى عندما صار عميدا ، تبنى د. فؤاد مقترحا لي ، بندب صديقي من مديرية التربية إلى الجامعة في أوائل الثمانينيات ، ودخلنا معا عند العميد لتوقيع الطلب وإرساله إلى رئاسة الجامعة لاستكمال الإجراءات ، فوقعه وهو يقول لي :
أنا وافقت على مسؤوليتك ..
ولم أعرف من ملامحه وقتها ، إن كان جادا أو ممازحا ..
زرته مرة وحيدة ، مهنئا بتعيينه أمين فرع الحزب بالجامعة ، ولم أكررها ..
ورأيت صوره مؤخرا بين الحاضرين في مناقشة رسالة جامعية ، ورأيت كم فعلت السنوات فعلها بكل مَن عرفت منهم ، ولعلها فعلت بي أكثر من غيري بكثير جدا ..

ممن لم نتتلمذ عليهم :

1 ـ الدكتور عصام قصبجي :

تغمده الله بواسع رحمته ..
فوجئت مؤخرا على صفحته في " الفيس بوك " بانتقاله إلى رحمة ربه ، وقد آلمني ذلك حقا ، لما كان بيننا من أريحية هي أقرب إلى علاقة " طالبين زميلين " كوننا متقاربين في السن ، وكان قد عاد من الإيفاد بعد أن صرنا في نهاية المرحلة الجامعية ، فلم يحاضر علينا ، وإنما نشأت هذه الحالة بيننا من خلال لقاءاتنا المشتركة إياها ..
وتعززت خلال عملي في رئاسة الجامعة عام 1979 ، وازدادت فيما بعد عام 1989 عندما كان المرحوم رئيسا لقسم اللغة العربية ، وتم تكليفي بإلقاء محاضرات في اللغة العربية لغير المختصين في أكثر من كلية ومعهد ..
وكثيرا ما كنا نلتقي صدفة في الكلية ، فنمضي معا إلى مطبعة الجامعة ، ليتابع طباعة كتبه " وكانت المطبعة في قبو كلية الآداب " ، ويرافقنا الأخ المحترم الفنان والخطاط مطيع اليازجي ..
وكنت أرى بينهما قاسما مشتركا من الهدوء والأريحية والابتسامة اللطيفة الأنيقة ، التي لا تغيب عن مبسميهما ..
رحمك الله ، وجعل الفائدة من علمك صدقة جارية تحسب في ميزان أعمالك الصالحة ..

2 ـ الدكتور محمد ألتونجي :

أيضا ، د. محمد ألتونجي لم يحاضر علينا في دفعتنا أبدا ..
ولم يكن متفرغا للتدريس فقط ، إلا بمقدار ما يستحوذ على " معجبات " له ، بقيافته وهندامه و " دونجوانيته " ، حيث كان يتباهى بأنه يراعي كل شيء في تناسق ألوان لباسه ، حتى السّبحة التي يحملها في يده .. ويلبس حذاءه بلون بدلته ولو كانت زرقاء أو خضراء ..
وشخصيته متعاكسة تماما مع شخصية ابن خالته د. عمر الدقاق ..
وكان " مؤلـّفا " غزير الإنتاج بالنسبة لزملائه ، وهو العمل الأهم له ، اقتصاديا ، ربما ..
وهو الوحيد بين أساتذتنا كان يملك سيارة خاصة ..
صودف أن ركبت معه مرة ، فحكى لي عن شهادتي دكتوراه حصل عليهما ، وعن عمله في ليبيا ، وعن غرفة خاصة في " الفيلا " الجديدة بحلب ، جعلها بيتا مبردا للمؤونة ..
ولم أعد أذكر حقا ، كيف توطدت علاقتنا ، ونمت ..
لكنه دعاني إلى مكتبه ..
وحين زرته ، أهداني من مؤلفاته :
المتنبي مالئ الدنيا وشاغل الناس
الأعشى شاعر المجون والخمرة ..
وفيما بعد أهداني أيضا :
دراسات في الأدب المقارن . 
دراسات في الأدب الجاهلي .

من أساتذتنا أيضا :

ـ الدكتور فؤاد المرعي ، وقد خصصته بمقال منشور بعنوان : الدكتور فؤاد المرعي ـ قطب الرحى وواسطة العقد ..
ـ الدكتور محمد حموية ، وقد خصصته بمقال منشور  بعنوان : الدكتور محمد حموية ـ تحية حب ووفاء ..
ـ الدكتور فخر الدين قباوة ، وقد سبق أن خصصته بمقال منشور بعنوان :
الدكتور فخر الدين قباوة ـ الأستاذ والعلامة والبحاثة ..  
ـ والدكتور وهيب طنوس : وكذلك خصصته بمقال منشور بعنوان :
عوقبت بعشرة أضعاف ما أستحق ..

الجمعة ـ 18/11/2011



الخميس، 17 نوفمبر 2011

الدكتور فؤاد المرعي ـ قطب الرحى وواسطة العقد








الدكتور فؤاد المرعي
قطب الرحى وواسطة العقد

أولا ـ

 لم أشك لحظة قبل الآن ، في أن استحضار كمٍّ من الصور والذكريات ، وتحويلها إلى أحرف تحكي جوانب محددة عن المرحوم أبي وائل ، د. محمد حموية ، ستكون أكثر صعوبة مما هو عليه في استحضارها وتحويلها لتحكي جوانب محددة أخرى عن " قطب الرحى ، وواسطة العقد " أبي خلدون ، د. فؤاد المرعي ....
لكن الوقائع التي انجلت أمامي بعد استحضارها ، جعلتني محرَجا مع نفسي ، حتى صَدَقَ فيني قولهم :
" المياه تكذب الغطاس " ..
وتبيّنتُ حجم العبء الذي أفسدَ عليَّ سكينة ، أحتاجُها لمراجعة القلب في ترتيب الأحبّة على استقامةٍ نسقيةٍ لا تدع مجالا للمفاضلة بينهم .. ولا تسمح بها أبدا ..  
وتريثتُ طويلا قبل الشروع في الكتابة ، وتذرعتُ وترددت ، حتى أتاني اليقين ـ بلا استئذان ـ خاطفا كالحلم اللذيذ ، وما لبث أن تلاشى كغيمة صيف ، فدفعني لإلقاء نفسي في الأتون ، كي أصل إلى ما أريد ، وكي أحظى برضا النفس عن كلماتي .. 
ولا أعرف مصدرا ولا سببا محددا لأحلامي وأوهامي تلك ، غير أن الانقضاء المفاجئ للأجل ، يلوِّن المصيبة بألوانه الدّكن ، فتبدو الصورة المتوَهَّمَة جزءا منها ، وقد يتفرَّع عنها أجزاء أخرى ذات ألوان متفاوتة القتامة ، يتخفّى كلٌّ منا ـ وراء ما يناسبه منها ـ بنظارته التي توحي بالفاجعة ..
ويا لها من فاجعة !! ..

وإذ يكون فضاءُ التلاقي محدودَ الزمان والمكان ، تنفرج الرؤى عن أمداءٍ من الذكريات ، وتتغلغل في الصدر روائحُ المودة التي غابت ، فتبني الأسطورة مجدَها على الهرم الأكبر ، وتغني للراحل نشيد الوداع ..

ولو استعرضتُ الخريطة " الزمكانية " المفصَّلة ، كفضاءٍ جمعَ ثلاثتنا في تلك المرحلة ، لكان بالتحديد مبنى كلية الآداب ( الحقوق حاليا ) بنسبة 99% ، وهي ـ أيضا ـ لم تخرج نهائيا عن بيوتنا نحن الثلاثة ، إلا عند اجتماعنا في مدينة المعرة ، حول قبر أبي العلاء المعري ، في احتفالية ثقافية دعت إليها كلية الآداب في ذكراه ، شارك فيها عدد من الأساتذة والمدعوين المهتمين (1)..
ولعلي إذ أوَصِّفُ أحداث المرحلة تلك ، أجدني مضطرا لتحديد نقطة فاصلة ، كان ما بعدها مختلفا عما قبلها ..
تلك النقطة هي : العقوبة الانضباطية التي فرضها بحقي د. وهيب طنوس (2) ..

والأمانة تقتضي مني القول :
لقد كان د. فؤاد خط الدفاع الأول عني ، في كل ما تعرضتُ له جرّاء تلك الواقعة وما تلاها ، لامتداد آثارها السيئة طيلة سنواتٍ ، ترَبَّعَ فيها د. طنوس على عرش التعليم العالي في البلد ..
ومع أن دفاع أبي خلدون حضاري بامتياز ، ومن النوع " السلمي والناعم وبلا حِدّة ولا مواجهة " ، إلا أنه يكفي لإيصال ما يريد لمن يريد ، ولم تكن الأمور تحتاج أو تحتمل أكثر من ذلك ، وخاصة في السنوات " الطنوسية " التي أغرقتنا طويلا ..
وعليه : فإن المرحوم د. محمد حموية ، كان خط الدفاع الثاني ، لأسبابٍ خاصةٍ به ، لا تماسَّ لها بعلاقتنا ، منها :
ـ كونه ليس على صلة وثيقة بالدكتور وهيب ، ولا بغيره من أصحاب القرار ..
ـ ولزهده بـ " مكافآتهم " الوظيفية مهما غلت ..
ـ ولاهتمامه الهادئ جدا بشؤونه ومحاضراته وعمله كأستاذ وكرئيس لقسم اللغة العربية ، وكأن هذا منتهى الطموح ..
ـ ولشيء من الانعزالية تغلف طبائعه وسلوكه العام ..
( وذاك كله اجتهاد شخصي مني ) ..
ومع ذلك ، تدّخَّلَ لدى د. وهيب من أجلي ، ثم نقل إليّ خيبة أمله من الرد " العنجهي " الذي تلقاه ..
أما د. فؤاد ، فهو وإن كان زاهدا جدا بـ " مكافآتهم " أيضا كزميله وصديقه أبي وائل ، إلا أنه يرتبط بعلاقات مهمة وواسعة ومتينة مع الجميع ـ مسؤولين إداريين وسياسيين في الجامعة ، وأساتذة وطلابا وموظفين ـ وتتسم بالوضوح والإيجابية ، نتيجة انسجام شخصي حرص أبو خلدون على رعايته وتنميته وتقويته والاستفادة من نتائجه لصالح العمل تحديدا ..
كما أن خطوط تواصله ممدودة ومفتوحة معهم ، لتجسير الآراء المرتبكة أو المختلفة أو المتناقضة ، منعا لها من الظهور العلني كـ " هوّةٍ تفصل بينهم " ..
إضافة إلى إيمانه المطلق بفكره ومعتقداته وآرائه ، والتي لا يقبل فيها مناورة ولا مساومة ولا أنصاف حلول ..
وإن كان ـ لكرَم منه وسماحةٍ وشهامةٍ ـ يقبل التلاقيَ أحيانا من بعضهم عند نقطة الحد الأدنى ، وتلك في أضيق الحالات ، ويعدّها أبو خلدون تضحية منه ، لكنه لا يحتسبها واحدة على من استفاد منها ..
وما قابلتُ ندًّا له في سباقه مع نفسه لتقديم مساعدةٍ يحتاجها طالبُها منه ، ما دامت تتمتع بالشرعية الأخلاقية والقانونية ، والإنسانية .. وهذه لها اعتبار خاص ، وميزة خاصة في سلوكه اليومي ومسيرة عمله التدريسي والوظيفي ، وفي علاقاته العامة ..
فإذا طلبتَ منه مساعدة ليست في متناول يده ، يتقصّى ـ بعيدا عن ناظريك ـ عن طريقةٍ شرعية مناسبةٍ للوصول إليها .. وقد تنسى أنتَ طلبكَ بمرور الوقت ، لكن أبا خلدون لا ينسى ..
فإن تعذّرَ تحقيقها ، لا يتوانى في بيان الأسباب التي حالت ، وإبداء الأسف الممزوج بالحرج .. حتى كنت أقول في نفسي : " فليتق الله سائله " ..
ولأن شخصية أبي خلدون شفافة وصادقة ، ولا تعمل ولا تتفاعل إلا فوق الطاولة وفي ضوء النهار ، فهو منسجم أيضا مع محيطه وطلابه وزملائه ، عبر شبكة رائعة من العلاقات الإنسانية الملونة بألوان قوسه القزحي الخاص به ..
وكنت أراقب ذلك عن كثب ، متفائلا ومؤملا بأن يتهيأ لي مستقبلا ما يشبه تلك الحالات الأنيقة الأثيرة ..

ثانيا ـ

 والمكتب الوحيد الذي ما رأيت بابه مغلقا أثناء الدوام ـ إلا لِمامًا ـ هو باب مكتب د. فؤاد .. سواء باب غرفته الصغرى الكائنة بين غرف الأساتذة ، أو باب غرفته الكبرى ، كوكيل للكلية ..
وأبو خلدون وحده ، يستقبل ضيوفه وقوفا ـ أيا كانوا ـ منذ لحظة رؤيته لهم في باب مكتبه ، وقد جعل طاولته في مكان يسهل عليه الخروج من ورائها لمصافحتهم أو عناقهم .. وقبل الكلام ، يبدأ التفاوض حول الضيافة التي يرغبها الضيف ..
وفي المكتبين ، كنت أعرف كمَّ " الضيافات " التي تـُقدَّمُ يوميا للضيوف والزوار ، وأعلم ـ سرًّا ـ بالمبلغ الشهري الذي يسدِّده ثمنا لها ، ( وكان يعادل في مجموعه ما يسدده جميعُ أساتذة الكلية الآخرون ، بما فيهم عميد الكلية ) ..
والمكتبان ، هما المكان الوحيد الذي يلتقي فيه الأساتذة ببعضهم ، أيام الدوام أو في العطلات الفصلية والصيفية ، ويتكلمون فيه براحتهم ، ويتبادلون النكت والطرائف وآخر الأخبار العامة ، أو المتعلقة بالكلية والطلاب ...
وهما ملتقى جميع الفعاليات الثقافية والطلابية والسياسية ، على اختلاف انتماءاتها وتوجهاتها فيما بينها من جهة ، ومع سيد المكان من جهة أخرى ..
وهما المكتبان الوحيدان اللذان كنت فيهما ، أستعين بكراسي المكاتب المجاورة ، كلما تنازلتُ عن مقعدي لأحد الأساتذة الضيوف حين يغصُّ المكان بهم ، وما أكثر ذلك !!

هل تحتاج " الحالات " تلك إلى شرح أو توضيح أو استنتاجات أو مداليل ؟؟!!
وبعد ..
إني ما سمعت ، وما عرفت عن علاقة احترام متبادل بين رئيس ومرؤوسين ، كالتي كانت بين د. فؤاد والعاملين في الكلية ..
وكانت تربطني بمعظمهم علاقات ودية أيضا ، وكنت أسمع تقريظا ومديحا واحتراما كبيرا يكنونه له ، حتى غدا مضرب المثل للمقارنة بين وكيلي الكلية ـ آنذاك ـ على الأقل ، بدءا من رأي رئيس الدائرة الأستاذ حمزة شراق ، مرورا برئيسة الامتحانات السيدة منى عاقل ، ونادر عاقل في شؤون الطلاب ، وعدنان سفقلو ونظمية حباب في الديوان ، وسكرتيرة العميد إلهام مولوي ... وفيما بعد : نادية حسكور ونجاح الصكبان ووليد .... وحتى عامل مقسم الهاتف أبو البر ، إبراهيم عجور ..
ولم تكن آراؤهم تلك تحكى أمامي " مداهنة أو مراءاة أو تمسيح جوخ " ..
ولمَ ؟! وفيمَ ؟! ..
بل ، ولأنها صادقة أمينة جادة إلى أبعد الحدود ، انعكست إيجابا ـ أيضا ـ على علاقتي بهم ، ولسنين طويلة تلت سنة التخرج  ..
( وإن كان ثمة أسباب شخصية قائمة ، وأخرى طرأت واستجدت ـ خلال عملي في الجامعة ـ فعززتها وزادتها بروزا ومتانة ) ..

ثالثا ـ

 أن تذوب الحدود والخطوط والمتاريس كلها دفعة واحدة ، وأنت في حضرتهم ، فتحس أن شيئا ضخما قد أزيل من أمامك ، ومن فوق كاهليك .. وأن ثمة مدى مفتوحًا أمامك ، لا يحدّه سوى خطِ الأفق الوهمي ..
 أن يتصرفَ الآخرون أمامك بأريحيتهم .. فلا يتحرجون من كلمةٍ أو وَصْفٍ أو تعليق ، ولا يُشعِرونك أنكَ طارئ عليهم أو أنهم " ينتظرون مغادرتك بفارغ الصبر " كي يتسنى لهم ممارسة التنفس بحريتهم ..
 أن يلبّوا دعوتكَ بطيبِ خاطر ، وبإلحاح منهم " ألا تتكلفَ " ما لا يُطاق ..
 أن تُستَقبَلَ في بيوتهم ومكاتبهم بكل الودّ والترحيب والتأهيل ، أمينا مؤتَمَنا ..
 أن تهاتفهم في أي وقت ، ويهاتفوك ..
 أن تطمئن عنهم ويطمئنوا عنك ..
 أن يَسألوا عن تأخرك أو غيابك أو احتجابك ..
 أن يحدثوك عن متاعبهم وهمومهم ..
 أن تكون بئر أسرارهم ، يستودعونك عليها مطمئنين ..
 أن تكون بينهم مخصوصا بالسلام والكلام والتحية واللقاء ..
 أن يُقال أو يُوحَى للآخرين بـ " أنه منا وفينا " ، فلا يتحَرّجَنّ أحدٌ بوجودك ..
 أن تُخاطـَبَ بكنيتكَ ، أو باسمكَ مسبوقا باللقب اللائق ..
 أن تُستقبَل أنت وأصدقاؤك وصديقاتك في مكاتبهم بنفس درجة الاحترام التي لا تستطيع فرضها عليهم أو انتزاعها منهم ، لو لم تكن علاقتك بهم " حالة إنسانية راقية واعية كهذه " ..
" مع الإقرار بوجود تفاوت طفيف في مدى ومستوى كل علاقة على حِده مع أولئك الكبار " ..
أن .. وأن .. وأن ........
هل كل ذلك لا يعني سوى مجردِ " علاقةٍ ما " بين طالبٍ ما وأساتذته ؟!
لا أعرف إن كان ثمة علاقاتُ ودّ وصفاءٍ ارتقتْ إلى هذه الدرجة بين أشخاص جمعتْهم الحالة التي جمعتْنا ..
وربما لم يكن الكثيرون على اطلاع وثيق بتفاصيل هذه العلاقة ـ التي ما زلتُ أشعر بحرارتها وحيويتها ، رغم عاديات الزمن التي فعلت أفعالا قاسية بكثير منا ـ إلا أنها ـ حقـًا ـ كانت مثالاً ونموذجًا في الصدق والنقاء والودّ والأريحية والاحترام المتبادل والالتزام بالحد الدقيق الفاصل : فلا إفراط ولا تفريط ..

 رابعا ـ

 وفي غير موضع مما كتبت ونشرت عن أستاذي د. فؤاد المرعي ، وعرضت فيها بعضا من مواقفه الإيجابية طيلة السنوات التي جمعتنا ، وتحدثت بحب وامتنان ، عن موقفه الكبير والعظيم حقا ـ فيما خصّ إكمال دراستي العليا ـ والداعم لمستقبل يرتئيه لي ، ويحثني عليه ..
ولم يكن ذلك مجرد كلام عابر ، بل تطوّع فسار في الطريق إليه أمامي بمشكاته ، مبددا العتمة ، ومزيلا العقبات ، وممهدا الطريق ، ومقدما أحسن وأفضل النصح والتوجيه ، إلى درجةٍ أنه " اعتبر نفسه مشرفا حقيقيا على أطروحتي للدكتوراه ، والتي عزمت على إعدادها بعد أن انتسبت إلى معهد اللغات الشرقية في صوفيا ببلغاريا عام 1992" ..  
حقا ، وبلا أدنى مبالغة ، " سوّالي البحر طحينة " ..
وهو أهل لذلك بكل تأكيد .. ولا يفعلها إلا الكبار الكبار ، كأبي خلدون ..
لم يكن ينتظر شيئا خاصا مني البتة .. ولم نكن يوما ـ والله ـ  في معرض ذلك أبدا ..
لم يكن يجاملني ، ولم يكن يمنيني ، ولم يكن يبيعني أحلاما ..
ومن أنا حتى يجاملني أو يمنيني أو يبيعني أحلاما ؟! .. ولماذا ؟! ..
فأنا الذي كنت عبئا عليه ، يتلقى اللوم من " بعضهم " لعلاقته وتمسكه بي ..
فلم يهتز ، ولم يتغير ، ولم يتنازل ، وكنت أستطيع أن أكتشف ردة فعله عليهم ، من خلال طريقة نقلِهِ لي ، ما سمعه من هؤلاء " البعض " ..
وذلك ، ما كان يزيدني إلا قوة على التمادي بمحبته ، والتمسك بأمراس مودته ..
ومن فيض عطائه اللا محدود ، كنت أستشعر إيمانه بقدرتي على تحقيقي لهدفٍ علمي يرتضيه لي ، لكن .. كانت الصعوبات أقوى من كلينا ..
لقد بادلني حبي ، بحب أعمق وأعقل وأهدأ ..
ولا أعرف أسبابه التي دفعته للتمسك بصداقتنا ، لأننا لم نتحدث في ذلك يوما ..
لكني أعرف يقينا ، أن الحب والتقدير اللذين غلفا علاقتنا ، عمل طبيعي افتراضي يومي متواصل ، لا يحتاج إلى تفسير ولا إلى تعبير ولا إلى أي شرح ..
ووحدها الصداقة الحقة عنده ومعه ، هي الأغلى ، والأعلى ، والأبقى ..
فيما الصدق والنبل والمروءة عنده ومعه ، هي الأسمى ..
وكلها بعضٌ مما يحتويه ذاك الجسد المنذور للحياة فرحا وعطاء ، وقد تجلـّيَا لي حين التقينا صدفة ـ آخر مرة ـ قبل بضع سنوات ، في قطار عائد من اللاذقية إلى حلب ..
بدا متعبا ، فانسحبت بعد العناق والاطمئنان عليه ، واختبأت وراء زجاج العربة كي أتأمله دون أن أقض عليه السكينة التي يحتاجها نوما قبل الوصول ..
وفي محطة بغداد بحلب ، أضاع مستقبلونا عليّ فرصة الاستئثار بأبي خلدون ، وتاهت بي الأيام بعدها ، فلم نلتق ..
وأبو خلدون ، هو من الأحبة القلائل الذين يغدو معهم زمن الفراق وقتا مستقطعا ، فإذ نلتقي ، نعود إلى النقطة التي افترقنا عندها ، ودّا ومحبة وألفة و " عدم تكليف " ، فكأن السنوات التي مرت ، جانبتنا دون أن تترك سوى آثار العمر النازف ، وغضون الأيام وجراحاتها ..
وفي يوم ثلاثاء من عام 1980 ، وصلت مكتبه في الكلية ، وكان الجو مضطربا مكفهرا أسود قاتما ، فرأى أن نغادر المكان فورا بعد أن غادره الجميع ..
وفي ساحة الجامعة ، لا أحد ، ولا مارة ، ولا سيارات ، ولا أي وسيلة نقل تقلنا إلى أي مكان آخر ..
مشينا باتجاه المحافظة ، واقتربنا من دوارها حتى جاءتنا سيارة ، فأبى إلا أن أغادر المكان فيها ، وسينتظر هو غيرها ..
لكني تمسكت برأيي رافضا إلحاحه : إما أن نستقلها معا ، أو : لن أتركك وحيدا ..
لا أظنك تنسى ذلك اليوم يا أبا خلدون ..
إني أغبطك على قدرتك الفائقة ، باستعادتك التفاصيل الدقيقة ، وتوشيتها بذات الألوان التي كانت تلوّنها ، واستنباطك من ثناياها ما يعجز كثيرون عن إدراكه ..

إن العطاء عندك ـ يا صديقي العزيز ـ ، طبع ، ونبع لا ينضب ..
فهنيئا لك ذاك العطاء الخالد ..
وهنيئا لي بفوزي بقربك سنوات أعتز بها ، وسامَ كبرياءٍ وشرفٍ على المدى ..
أنا المحظوظ بك أستاذي العزيز ..
أي أخ يفعل من أجلي كل ذلك ؟! ..
دمت بألف ألف خير ..

الثلاثاء ـ 15/11/2011

......................

(1)      ـ سأفرد لها حديثا خاصا إن شاء الله ..
(2)      ـ  شرحتها في مقال سابق ، بعنوان : عوقبت بعشرة أضعاف ما أستحق ..

 للدكتور فؤاد ، كتب عديدة تأليفا وتعريبا :
في مكتبتي منها :
المدخل إلى الآداب الأوربية 1978
أملية جامعية : محاضرات في الأدب الأوربي 1977
ما هو الديالكتيك ـ كورسانوف . ترجمة .
الوعي الاجتماعي وقوانين تطوره . ترجمة
علم الجمال البورجوازي المعاصر . ترجمة .
الانعكاس والفعل . ترجمة . 1977
في تاريخ الأدب الحديث 1998
النقد الأدبي الحديث 1982
نظرية الأدب 1989

والتتمة منقولة عن صفحته الخاصة في موقع ( فيس بوك ) :

الجمال والجلال ـ دراسة في المقولات الجمالية 1991
الوعي الجمالي عند العرب قبل الإسلام 1991
بحوث في الأدب والفن 2008
في اللغة والتفكير 2002
نظرية الشعر في النقد الأوربي القديم 2007
دراسات في الحضارة العربية الإسلامية 2006
التوازن الاستراتيجي المفقود في القرن الحادي والعشرين . ترجمة ـ 2006
مسيرة الآلام ـ الصباح العابس ـ رواية لتولستوي . ترجمة .
مختارات من الشعر الصيني القديم . ترجمة عن الروسية ـ 2010
القرية ـ رواية إيفان بوتين . ترجمة ـ 2011



الأحد، 13 نوفمبر 2011

الدكتور محمد حموية ـ تحية حب ووفاء


الدكتور محمد حموية ـ تحية حب ووفاء

1 ـ
ربما كنتُ الأكثرَ حظا بين أقراني وزملائي ، بأن حظيت بالرباط الأوثق الذي جمعني بأعز أستاذين صديقين في المرحلة الجامعية .. هما : " أبو خلدون د. فؤاد المرعي ، وأبو وائل د. محمد حموية " ..
و " بين الحبيبَين ، ما قلبي بمنقسِم "
ولئن ما زلت أتهيب الخوض في غمار تلك الوشائج ، إلا أنني ـ مدفوعا بالحب والتقدير والوفاء ـ أرى أنه آن موعدي معهما ، لأستجلي صورة أيام وسنوات مضت ، كان لها عميق التأثير الإيجابي عليّ شخصيا ، وعلى مسيرة حياتي العملية فيما بعدها ..

ولعل حديثي ـ أولا ـ عن الراحل د . محمد حموية ، ـ رحمه الله ـ سيكون الأصعب والأقسى في استكشاف واستخراج مكنوناتِ الودّ ونشرها وتعميمها ، لأنها " حالة " لا تـُوَصَّفُ ، ولا يُعَبَّرُ عنها ، ولا حتى بحروف العربية التي استوعبت كلَّ شيء ..
لستُ أبالغ ، وليس من قبيل السائد المعروف بـ " تكريم ما بعد الموت " ..
وليس رثاءً فات أوانه منذ زمن ..
وليس من باب " اذكروا محاسن موتاكم " فحسب ..
إنما هي وقفة احترام لحياته ولرحيله ، وتقديرٌ لعطائه ، ووفاءٌ آجلٌ ومستحق ، وعربونُ محبةٍ خالصةٍ ، وفاتحة الكتاب تتلى مزجاةً له أبدًا ، في غيابه الفاجع ، وفي ذكراه الزكية ..
فلقد كان ما كان .. لكن الغياب أولا ، والرحيل ثانيا ، أرخيا سدولاً قاتمة ، حجبَتْ كثيرًا من الرؤى والمباهج .. ولم يعد ينفع الراحلين سوى الرحمةِ والمغفرةِ ، نطلبهما لهم من العلي القدير ، ليبقى سلام أرواحهم آمنا مطمئنا في علياء الملكوت ..
فـ أبو وائل الإنسان ، ضميمة من ريحان ونور ، وكينونة متفردة ، ذات خصوصية وبهاء ..
لا يشبهه أحدٌ في حلمه ووقاره واتزانه ..
ولا يشبه أحدًا في أناته ورويته وهدوئه ..
اعتاد عليه الصبر الجميل ، فتآلفا كعصفورين في قفص ..
واكتسب من الفارسية ـ التي عَجَمَت لسانه وقلبَه ولم تستحكم بهما ـ طقوسَ الفرح الحزين ، والحزن الغامر ، وذاق طعم السكينة ، ونهل منها حتى الارتواء ..
وبقيت " فوضاه " أقنوما طاغيا عصيّا على التغير .. فما بالك بالزوال ؟! ..
هو مزيج من حضارات شرقية عاش بداياتها على ضفاف الفرات قبل " التشرّق " ، واستكملها بعده ، فسكنت فيه بكل ألوانها وأوجاعها ، وتلازمَا وتساكنا " سُكنى اللون في العلم " الشامي الأصيل ..
ومنذ أن يَمَّم وجهَه للغوص في الآداب شرقا ، ظل الغرب غاربا في مرآته ، ثم رماه وراء خط أفق غروبِ المتوسط ، وظل نَفورا منه ، حتى إذا ما تماسّا لضرورة ، جدّد وضوءَه قبل التوجّه إلى محراب العبادة ..

2 ـ

 لم أعد أذكر كيف التقينا ، وتصادقنا ، وتحاببنا ، وتعاشرنا ، في لحظةٍ واحدةٍ ، من يوم واحدٍ ، نسيَ التاريخُ ما قبله ، وقفز الحاضرُ نحو غدٍ آتٍ كأنه البراق ..
ولا أذكر كيف تجمَّعَتْ على أبواب الأفئدة كلُّ تلك المحبة والنقاء .. فكأننا كذلك مذ خلقنا ، أو ربما بُعيد البداية ببرهة امتدت اثنين وعشرين عاما ، فانشطر العمر لها شطرين ..
قبل البداية كانت أعداد السنين ضحلة ، وبعدها صارت الأيام ماردا ..
كيف تكوّنتْ ، ولماذا ؟ وأين ؟ ومتى ؟ ..
لا أعرف .. ولا أذكر ..
كل ما أعرفه : أنها وُلِدَت بكاااااامل كمال هيئتها ورونقها وزخرفها .. وازّيّنتْ بكل ما يملأ ربيع الكون ..
كانت ولادتها طبيعية ، وليست قيصرية ..
كانت خِلقة ربانية ، وليست صَنعة ..
كانت جبلـّتُها لحمًا حيا ، وعظمًا صلبًا ، ودمًا قانيا حارًا ..
اكتسبتْ من البراءة طهرًا ، وكساها الصدقُ ألفة ومحبة ، فتنزهَتْ عن كل المدنِّساتِ والموبقات والشكليات المزيَّفة ..
لذاك كله ، كان أبو وائل يؤثر أن يخاطبني بـ " كنيتي " مودة ولطفا وتواضعا .. وأخاطبه بـ " كنيته " تحببا وتهيبا واحتراما ..
كيف لا ، وقد حدث ذات يوم ، أني قصدت مكتبه بعد أدائي امتحان مادة له ، فوجدت عنده طالبا " vip " هو أعلى مسؤول سياسي في حلب ـ وكنت التقيته عرضا في أماكن أخرى أكثر من مرة ـ ، فأردت الانسحاب لظني بوجود حديث خاص ، لكن أبا وائل أصر عليّ ألا أغادر ، ونهض يستقبلني بحفاوةٍ أربكتني ، مما دفع بضيفه أن يحذو حذوه ، وقدمني له على أني : صديق عزيز .. مضيفا : تفضل اجلس يا أبا نضال " نتقهون " معا .. 

3 ـ

 وإذ تعتريكَ الهيبة من بلوغك أقاصي أسيجة الحِمى ، فكيف السبيل لدخولكَ العرين ؟!
إني ما زلت أتهيَّب عرينكَ أيها الراحل العزيز ، الحاضر الحاضر ..
أ أغبطك على حياتك ، وكانت كدّا وكدحًا وعطاء ؟!
أم على رحيلك ، وكان قاسيا وصعبا وفاجعا ؟!
أ تغبطنا على حياتنا المديدة " الأليمة " بعدك ؟!
أم نغبطك على رحيلك عنا قبل بلوغ شمسك رابعة نهاراتنا المظلمة ؟!
أ نفرَحُ بتطاول أيامنا بعدكَ حتى التلاشي في مستنقعات الأسن والأوبئة ؟!
أم نشمَتُ بعجز الموت عن اللحاق والإمساك بنا من تلابيبنا التي تكاد تمزقها ريحٌ هوجاء ، ما عرفناها ولا ألِفناها ولا تآلفنا معها ؟!
ولأني أعرف أصالتك ـ أبا وائل ـ ونبلكَ ، فقد رأيتُ ، ولمستً ما لم يرَه كثيرون ..
وأشهد أني رأيتكَ غيرَ آبهٍ لما تمسَّكنا ونتمسك نحن به حتى حدود الفناء ..
ورأيتك لم تتشبث بما آثرنا الاهتمامَ به والركوضَ وراءه ، أحلاما مشروعة كانت ، أو خيالا أو سرابا ..
فيا أيها الظاعن عن فضاءاتنا وأنوائنا ودموعنا الحزينة !!
ويا أيها المستكين المتصالح مع الكون وخالقه وخلائقه ، أعلن :
أنني أحببتك واحترمتك وقدّسْت طهرَكَ ونقاءَكَ ، وما زلت ..
أعلن أنني رأيتُ ، نعم رأيتُ ، عقلكَ ، ولامستُ روحكَ ، وشردتُ طويلا مع عبَق دخان سيجارتك الذي يمخر عباب شعث غرّتك في أمداءٍ من الصهيل المموسق ..
وأعرف أن ما فيك ، يظهر على فيك .. فلا يتغيّب ولا يتمظهر ولا يتراءى غمزا ولا لمزا ..
الآن .. أحسُّ بيدك ما تزال تقبض على ذراعي ونحن نعبُر ممرات الكلية ، بين قاعة المحاضرات ومكتبك ، وكنت أتمنى أن تطول بنا الطريق وتطول ..
أعترف ، كم كنت أعشق وأعتز وأفخر بذلك المشوار الذي كثيرًا ما غبطني عليه المحبون ، وحسدني به الحاسدون !!..
وهناك ، في غرفة مكتبك الرائعة الفوضوية حتى الثمالة ، تتغلغل في خياشيمي رائحة القهوة وهالُها ، فأرتشفها حانيا عاشقا ، أو أتنعنش ببخار الزهورات الدافئ ، أو تحلو لي رشفة الشاي في الكأس المذهّبة من يد أحدهم " حمزة أو عرب أو حسن " ..
ولم يكن كل ذلك ليخففَ صقيعَ المكتب ، لولا أنفاسُكَ التي تزفرها بين كفيك ، فيفيض المكان بها دفئًا وأنسًا ..

أيضا ، رأيت ارتعاشة رموش عينيك أمام سؤال طالبة لم تأخذ راحتها بالسؤال ، حرجًا مني ـ ربما ـ ، أو بالتأكيد ، من طغيانك الهادئ ..
وتابعتُ قلمَكَ الأحمرَ يمر فوق سطور إجابات طلابك ، ثم يتوقف مستجيبا للرحمة التي يفيض بها صدرُكَ ، ليغيّرَ الدرجة من حال إلى حال ..

وإن نسيتُ ، فلن أنسى ، بل ما زلت أسمع ثغاء " أغنام قصتك " التي قرأتَها لي في عددٍ قديم من مجلة " الآداب " ، نبشتَ عنه طويلا ـ بعد إلحاحي ـ حتى عثرتَ عليه مع ثلاث أخواتٍ يتيمات لها ، كنَّ بين أكياس كتب مكتبتك .. وقد نشرت في أيام الصبا ، وهي كل ما تبقى من أقاصيصك الكثيرة .. 
ما زلت أمشي مع ذاك الراعي بين حقول " جرابلس " وعلى شاطئ فراتها ، مصغيا لصوت القطار النازف فراتا وعشقا ..
ما زلت أرى أكياسَ كتبك مكدَّسة في غرفة بيتك في " أقيول " ، فكأن الكتبَ المضمّخة بالعتمة والرطوبة ، تنهض إليك شوقا لدغدغةٍ منكَ ، كدغدغتكَ " وائلك " الوحيد ..
ما زلت أسمع منكَ ذكرياتِك أيامَ الدراسة في " إيران " ، وانسجامك واستشعارك تأثرا بالطبع والطبيعة التي احتضنتكَ وملأتْ عليك كيانك وعقلك ..
رنين ضحكتك ـ بكل رصانته واتزانه وهارمونيته الناعمة ـ يتردد في نجواي كرائحة الخبز الأسمر الساخن في يوم سَغبٍ طويل ..
وأصابعك المعروقة " تلملم " ألوانَ الطيف الفضية عن شعرك الأسبل ، فتتوهج عيناك من خلف زجاج النظارة لتعلن براءتك ونقاءك وصفاء الروح والنفس ..  
تشكو ، فلا تتظلم ..
تهجو ، فلا تقدح ..
تمدح ، فلا تغلو ..
تعطي ، فلا حد ..
ولا تأخذ ما تأباه عِفـّتك ، وهو الأكثر الأكثر ..
تحب ، فلا تكره ..
تعشق الخير والجَمال والحق والحقيقة ..
معبودُكَ ـ يا أستاذي وصديقي ، يا أبا وائل ـ ملأ عليكَ كيانكَ وَجَلا وخشية ومحبة وإيمانا وخشوعا ..
فطيّب الله ثراك ، وغفر لك وجعل مثواك جنان النعيم ..
لك الرحمة والسلام أبا وائل ..
يا ألله .. يا ألله .. يا ألله ..

الأحد ـ 13/11/2011





الأربعاء، 2 نوفمبر 2011

بالمناسبة : من لا يملك أعطى لمن لا يستحق

بالمناسبة : من لا يملك أعطى لمن لا يستحق

 إنه " منطق القوة ، وحرية القوة " ذلك الذي تعاملتْ فيه الإمبراطورية البريطانية العظمى ، والمملكة التي لا تغيب عنها الشمس ، مع الشعب العربي في القرن الماضي ، وما تزاااااااااال ، رغم أفول شمسها وانحسار امتدادها ..
وقد ساعدناهم على أنفسنا " حبًّا وطواعية " ، ومكّناهم من عوراتنا متلذذين " سرًّا وعلانية " ، وأتلعنا لهم الرقاب وجعلناها لهم مداسًا قبل أن يستحكموا في حزها على " الطريقة الإسلامية الشرعية ( ، لأننا ، وببساطة : " محترَمون ، ومحترفون في تصديق وتسويغ وتنفيذ ما يُملى علينا ، وصادقون في الوفاء بوعودنا ولو كلفتنا أرضنا ودماءنا وثرواتنا ، وأمينون في تطبيق التزاماتنا تجاه من يستعبدنا ) .. ولا فخر !!..
 فتلك " العظمى " دولة محتلة لا تملك أرض فلسطين العربية ولا غيرها من المستعمرات ، ومع ذلك أصدرت " وعدها " الذي تعهدت فيه بمنح الحركة الصهيونية " وطنا قوميا لليهود " في فلسطين المحتلة بريطانيًا ..
هذا هو فحوى " وعد بلفور " الذي كنا نصفه في أدبياتنا السياسية بـ " الوعد المشؤوم " .. وكان قد صدر في 02/11/1917 ..
ولأن بريطانية العظمى " عظمى وحضارية ولالالا تعرف الكذب ولالالا تمارسه " فقد وفت بـ " وعدها " هذا ، وحققت " الوعد ـ الحلم " للصهاينة ، بعد قرابة ثلاثين عاما من التآمر على الشعب العربي الفلسطيني خصوصا ، والشعب العربي عموما ..
وكنا في سورية ـ حتى وقت ليس ببعيد ـ نخرج في مظاهراتٍ كبيرةٍ استنكارا لهذا الوعد ، وتقام المهرجانات الخطابية في معظم المنشآت والمدارس والجامعات لإدانته ، والتنديد به وبنتائجه الكارثية ، التي ما تزال تتفاعل كقضية حية ومؤلمة وملتهبة في جسد الأمة العربية ، وهو في الوقت نفسه ، الإسفين الثاني الذي " دُقَّ بأسفلنا " وأسُّ الجرائم الاستعمارية " المشترك مع الإسفين الأول " سايكس ـ بيكو " ضد شعبنا العربي منذ ذلك الوقت ، ولا يسرنا أن نقول " إلى ما يشاء الله " ، ولو أن الوقائع الحالية ـ مع الأسف ـ لا تبشر بانتهاء تلك الحالات التآمرية القذرة ، بل هي في تزايد ..
إنه ـ وإن صار شكل هذا الوعد ومضمونه ونتائجه " قزما " بالنسبة لما يجري في وطننا العربي الآن ـ فلقد لحق به آلااااااف " الوعود " المشابهة ، وبعضها قد استمطرناها فوق رؤوسنا وأرضنا ونحن بكامل وعينا وقوانا العقلية ..
ذاك من جهة ..
ومن الأخرى : فإنه لا يمكن أن ننسى المآسيَ والآلامَ والجرائمَ التي خلفها ، ويعاني منها ـ إلى اليوم ـ الشعب العربي الفلسطيني وأشقاؤه في الدول العربية المجاورة لفلسطين بشكل خاص ، رغم كل ما يعتصر قلوبنا الآن جرّاء الجراح النازفة في أشلاء الجسد العربي من المحيط إلى الخليج : في سورية وليبيا ومصر والعراق والبحرين واليمن والصومال والسودان .... على تنوع واختلاف الأسباب والأهداف والأساليب ..  
ولا نتمنى أن يكون " الحبل على الجرار " ، فما سال من الدم العربي ليس قليلا ، ولا يجب أن يضيع هدرا بعد أن وصل الحقد " إلى الأرحام " كما قال مظفر النواب ..
فقد تضاعف حجم الدم العربي المهدور خلال السنوات التي مرت من القرن الحالي ، وفي ذلك ما فيه من خطورة التداعيات المستقبلية وقسوتها التي قد تفاجئنا في ليل ..
نسأل الله تعالى : السلم والسلام والأمن والأمان للعالم أجمع ..

الأربعاء ـ الثاني من تشرين الثاني ـ2011