‏إظهار الرسائل ذات التسميات تجربة حياة. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات تجربة حياة. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 28 ديسمبر 2012

كل ما في الأمر


كل ما في الأمر

 كل ما في الأمر ، أنه :
تحجّرَ البؤبؤان والمِحجران والمِدمعان والشفتان ..
وتجلط الوريدان والشريانان والأذينان والبطينان والأبهران والمِنخران ، والسبيلان ..
وبُترت الساقان والذراعان ..
وحدهما الأذنان مشرعتان بكامل طاقتهما الصملاخية ..
تتقبلان التعازي والشتائم ، وبقية أصوات الموسيقا التصويرية المصاحبة ..

كل ما في الأمر ، أنه :
لا طحين ولا ماء .. لا خبز ولا غذاء .. لا وقود ولا كهرباء ..
ولا أوكسجين ولا هواء .. ولا أكياس دماء ولا دواء ..
وحدها هنا :
جثامين الشهداء ..

كل ما في الأمر ، أنه :
ليل ونهار ، ونهار وليل ، ( وكل في فلك يسبحون ) ..
فلا الليل ليل ، ولا النهار نهار ..
كل ما في الأمر ، أنه :
كثير من البشر ، قطعان ..

الخميس ـ 29/11/2012


أعتذر عن التأخر في النشر ، لاستمرار كل شيء على ما هو عليه ..

الجمعة، 16 نوفمبر 2012

زيارة .. زيارات


زيارة .. زيارات

ـ زيارة الزمن الضائع :

يتصل بك ليسألك إن كانت ظروفك تسمح باستقباله ..
فإن أهّلتَ به وسهّلت ، جاءك بعد أن يُودِعَ زوجته في بيت ما ، لتؤدي زيارتها ...
حتى إذا ما انتهى وقت الزيارة ، وحان موعد المغادرة ، تتصل به ، فيتلملم على عجل ، ويودعك على الباب الخارجي ، ويتذكر أن يدعوك لزيارته ..


ـ زيارة الأمر الواقع :

يتصل بك على الهاتف الأرضي ، فإذا رددت عليه ، عرف أنك في البيت .. ومع ذلك ، ومن قبيل تحصيل الحاصل ، يسألك : أأنت في البيت ؟
وقبل أن يصله جوابك ، يقول : أنا قادم إليك ..


ـ زيارة بالإكراه :

يتصل بك على الموبايل .. وإذ ترد عليه ، يسألك : أأنت في البيت ؟
فإن أجبته : نعم ..
قال لك : افتح لي ، أنا على الباب ..


ـ زيارة الزمن المتراخي :

يسألك : أأنت في البيت ؟
ـ نعم ..
قد آتي إذا سمحت الظروف !!


ـ زيارة افتراضية :

يسألك : أأنت في البيت ؟
ـ نعم ..
ـ سأوافيك بعد دقائق ..
ثم تتصل لتفك نفسك من الأسر ،
مستفسرا قلقا : تأخرتَ !!
فيقول وهو يمضغ لقمته :
لا شيء .. انشغلت ..


الجمعة ـ 16/11/2012

الأحد، 21 أكتوبر 2012

دمشق ـ دبي ـ 3 ـ حلب ـ اللقاء بعد الفطام




 كانت الهواتف والرسائل البريدية ، وسيلتي التواصل الوحيدتين مع الأهل والأصدقاء في سوريا .. فالشبكة الهاتفية ليست منجزة ولا كافية لتلقي اتصالاتنا في معظم البيوت والأماكن .. والاتصال صعب ، وإن حصل ، فإن جودة الصوت رديئة ، ولا يمكن لهذا الاتصال أن يتحمل أو يتسع لفيض العواطف والأحاسيس النابضة ، بعد شهور من المعاناة والغربة ..
لذا ، كانت الرسائل البريدية خير عون ومتسع ، وقد أرسلت أعدادا منها للأصدقاء والأهل ، وتلقيت كثيرا أيضا ، بما فيها بطاقات التهنئة بالمناسبات المختلفة ..

وفي مسكننا المشترك ، كان الأخ مفيد الأكثر قربا مني ، بهدوئه وواقعيته ، كوننا نتقاسم الغرفة ، ونتشارك الطريق إلى المدرسة ، فكان الأكثر تفهما لطبيعة علاقاتي وظروفي ، وهو الذي يفسرها للآخرين حين يفهمونها خطأ ..
بينما كان الأخ محمد مينو متأرجحا في قربه وبعده ، لحساسيته الزائدة ، وأنفته المفرطة التي لا تختلف عن الاشمئزاز في كثير من صورها وانفعالاتها ..
وفي المدرسة ، وبالإضافة إلى استمتاعي بنوادر " محمد شريف " ولطفه وأريحيته ، كان " نبيل زيدان " ذا شخصية واضحة ، دمثا ، لبقا ، مكلاما ، كريما ، سريع النكتة والبديهة ..
جنسيته وجيناته لبنانية صرفة ، يتقافز بمهارة على جميع الحبال ، ويتوق لبلوغ التميز ولو كان سرابا ..
لم يتوان في تقديم أي مساعدة أو خدمة لي ، كونه رآني بعينين منشرحتين ودودتين .. فتقرّب مني مفصحا عن تقديره الخاص واحترامه .. وسريعا ، ارتبطنا بصداقة حميمة ، وفتح لي بيته ، وقدمني لزوجته وولديه ..
كان شغوفا باقتناص فرصة وجوده في دبي ، راغبا بإكمال مشاريعه الخاصة في بيروت ، ليعود إليها سريعا .. بينما لم تبد زوجته السيدة ليلى في عجلة من أمرها ، وهي تقوم بالتدريس في إحدى الجامعات الخاصة ..
وامتدت ساحة العلاقات الشخصية ، وتوسعت مع تكرار اللقاءات بالصديق " زياد خليفة " وأبناء عمومته الذين وفدوا على الإمارات لتجارة " السكراب والقطع التبديلية " ، فجمعتنا سهرات ولقاءات ورحلات إلى الشواطئ والحدائق ، قضينا فيها أوقاتا لطيفة ..
وما أن حصلت على " الإقامة " ، حتى بدأت بإجراءات الحصول على رخصة قيادة السيارات .. وكانت المهمة شاقة وعسيرة لاختلاف القوانين ونظام الطرق ، ولضرورة التمرس بالقيادة بواسطة مدرب خاص ، يساعد على تجاوز الفحوص النظرية والعملية الصعبة ، رغم أني حاصل على رخصة سورية منذ أكثر من عشرين عاما ..
وفي الامتحان الثالث ، اجتزت العقبة بالحصول على الرخصة ، واستلامها في 31/12/1992 ، أي بعد شهرين تقريبا من البداية .. وكان ذلك ـ في منظور الأصدقاء ـ  نجاحا فائقا متميزا بالفوز وسرعته ، ويعدونها مساوية ومعادلة بالأهمية " لشهادة الدكتوراه " ، نظرا للصعوبات التي يواجهونها في الحصول عليها .
ومع اقتراب موعد العطلة الانتصافية ، نشطت الاتصالات بمكاتب السفر لحجز التذاكر ، وأدت إلى تقارب " نفعي متبادل " مع الأخ " ماهر عطار " الذي يدير مكتبا للحجز الجوي في مدينة العين ، حيث استدل على عنواني وزارني في البيت بصحبة زوجته وأطفاله ، ففرح بحصولي على الرخصة ، لأتولى قيادة سيارتهم في الطرق التي يجهلها بين الشارقة ودبي في معرض إنجازه لحجوزات مكتبه ، كما سهلت لجميع الزملاء مهمة حجوزاتهم أيضا بواسطته ..
وفي مشوار مشترك لنا إلى سوق " الحمرية " المركزي للخضار والفواكه بدبي ، التقيت ـ للمرة الأولى ـ الزميلتين " دعد وسهير "  وكانتا تقيمان في " سكن المدرسات " ، فتقصينا أخبار بعضنا ، وصودف أني أعرف أخت دعد وخالتها " أم أدهم " ، كما أن صديقي محمد نديم فتال شقيق زوج سهير ..
وفوجئت في اليوم التالي باتصال هاتفي في غرفة " المدير الجديد " لمدرستنا ، من الزميلة دعد تطلب مني أن اصطحب معي في رحلة العودة من سوريا ، الابنَ الرضيع لزميلتها سهير ، حيث تركتْه في حضانة أمها ، لعدم تفويت فرصة العمل هنا ..
وأبديت لها استعدادي للقيام بما أستطيع ، على أن تراجع أمُّه الدوائر المختصة لمعرفة المطلوب ، كبداية عملية للتنفيذ ..
عقب انتهاء المحادثة ، لاحظ المدير " عبد الله الحلو " اضطرابي ، فحوقل بعد أن عرف مني فحوى الطلب ، وأثنى على موافقتي " الإنسانية " ، وعرض مساعدته إذا احتاج الأمر ..
أعطتني تفويضا عند الكاتب بالعدل ، يسمح لي باصطحابه معي ، واستكمال إجراءات دخوله إلى الدولة ، كما استصدرت له أمُّه " إذن دخول " من دائرة الإقامة والجنسية ، على أن يتصل بي ذووها في حلب للتنسيق واستلام الطفل " محمد غسان فتال " في دمشق ، حيث مطار الإقلاع بالعودة ، وستنتظرنا بفارغ الصبر في مطار الشارقة ، وعلى أحر من الجمر ..

كان الشوق والعشق قد تكدّسا وتأجّجا طيلة الشهور الماضية التي نأيت بها عنها ، فتم اللقاء بعد الفطام ..
كان المستقبلون يعتقدون أني هائم شوقا لهم فقط ، والحق ، أني هائم بهم أيضا .. لكن هيامي الأول والأخير ، أني في ثنايا أردانها وحنايا أعطافها .. تعبق شوارعها برائحة الشتاء والبرد والليل ، وتتعطر أغصانها اليابسة بالمطر حنوًّا وخفرا ، فتنساب مع الشهيق بردا وسلاما ..
وحالي : " كمن يتشهّى وجهَ مَنْ عشقا " ..
لكن .. هيهات يعود الزمن إلى الوراء ..
كانت هذه المدة هي الأطول التي أغيب فيها عن حلب ..
إنها حلب ـ حلبي أنا ـ سقف بيتي .. شغاف عشقي .. أنيسة كينونتي .. أريج دمي .. نشيج دمعتي ..
مرت أيام الإجازة في حلب ، كنسمةٍ في صيفِ وجداني القائظ ، رغم أننا في أواخر أربعينية الشتاء من عام 1993 ..
ولولا صحبة السفر منها في العودة إلى دمشق ، لاصّاعدت من صدري شهقات الروح وسكراتها وغرغراتها ..
وفي المطار ، تمت الإجراءات ، واصطحبت الطفل " محمد غسان فتال " معي ، وتناوبت الزميلات على رعايته في الطائرة حتى وصولنا مطار الشارقة في ساعة متأخرة من الليل ..
وحين احتضنته أمه ، انبلج صبح جديد في أعماقي ، رافقته رعود هزتني بقوة ، وغالبت إجهاشا كاد يرميني أرضا ..
ولم يكن بوسعي سوى الهروب بعيدا عنهما تفاديا للمزيد ..
أما الآن ، ( فإن استحضار لحظات موجعة من الماضي ، يفاقم الألم أضعافا ، ويوشيه بمزيج من ألوان قاتمة ) ..
(انتهى الفصل الأول )
السبت ـ 20/10/2012

الصورة المرفقة : لـ : محمد غسان فتال ـ في الطائرة السورية باتجاه الشارقة ـ كانون الثاني 1993

الجمعة، 12 أكتوبر 2012

دمشق ـ دبي ـ 2 ومضى نهار آخر


ومضى نهار آخر 


 لم تكن المتاعب والمصاعب والقلق أقل في الفترة التي سبقت ـ منذ أن فتح لنا باب الولوج إلى هذا العالم ـ مما نحن فيه الآن ، على عكس ما كنا ننتظر ، خاصة أننا محسودون على إقامتنا في دبي ، حيث يحلم الكثيرون بالعيش فيها ، ويتنافسون على اغتنام فرصها ، واستغلال ظروف انفتاحها ، وسلاسة قوانينها ، وجودة وتنوع خدماتها ، ولطف وانضباط شرطتها ، وأريحية التكيف فيها مع كل ما يتمنى المرء ويشتهي ..
بل ، تنوعت المتاعب أكثر ، وازداد القلق أضعافا ، وزاد عليهما جوٌّ من الوحشة فوق الغربة ، وواجهتنا عقبات ومشاكل لم نكن نحسب لها حسابا ، ولم تكن في وارد يومياتنا ، نظرا لاختلاف الخطوط المجتمعية العامة والخاصة ، والتوجهات والعلاقات المسلكية التربوية ، وحيثياتها ونظامها ومندرجاتها والعلاقات التراتبية من القاعدة إلى القمة ..
كل ذلك في بيئة اقتصادية مدهشة في أساليب التسويق والعرض وتقديم الخدمات ، وبيئة اجتماعية متباينة الدرجات والمواقع والحقوق ، شديدة التنوع والخصوصية ، وذات فرادة وهمية مصطنعة قائمة على تميز خادع هزيل ..
إلا أن النظام العام مصون بقبضة فولاذية خفية ، مسيطرة مهيمنة موجودة في كل مكان ، تحس بها دون أن تراها أو تلمسها .. علاوة على جودة وتنظيم الخدمات العامة والخاصة ..
وكان باديا للعيان ، أن ثمة مشروعا تطويريا ضخما قيد التنفيذ ، بدأت تتضح أبعاده وملامحه ، من خلال مواقع تحديث وتطوير البنى التحتية ، ومن خلال التكاثر السريع للروافع البرجية في سماء المدينة ومحيطها كأنها أذرع سرطانية بهلوانية لا تهدأ على مدار الساعة ، في سباق محموم مع الزمن ، ما لبثت أن حولت الصحارى المحيطة إلى مدن سكنية وتجارية وصناعية ورياضية ومطارات ومنشآت ومناطق حرة وجزر صناعية ، تربط فيما بينها طرق سريعة وجسور وأنفاق بمواصفات أمان عالمية .. مما استوجب استقدام أيد عاملة وخبرات فنية بأعداد كبيرة جدا ، كان لها الفضل الأعظم في بناء كل الإنجازات التي تتحقق تباعا ، فنتجت عنها أزمات في السكن البسيط والمتوسط ، واختناقات وزحام شديد في الدوائر المتخصصة باستخراج تأشيرات الإقامة اللازمة لها ، وفي المواصلات والأماكن العامة ، وصارت الشوارع كلها أسواقا تغص متاجرها بمختلف البضائع والمستلزمات ، وبألوان وأشكال من البشر من أصقاع الأرض ..
وانتشرت ظاهرة  " المعارض ومهرجانات التسوق " في المراكز التجارية الكبرى والأسواق المتخصصة ، التي عمت كل الأرجاء ، وتعاظمت في قلب المدينة أيضا حركة التوسع العمراني أفقيا وعموديا ، ورافقتها على التوازي مشاريع توسيع الطرق والجسور والشبكات والمرافق العامة ..
في ظل تلك المعمعة ، كنا ـ في جو العمل ـ نشعر أننا نعيش وسط حقل ألغام ، غير آمنين ولا مطمئنين على حاضرنا ومستقبل عملنا ، حتى صارت الجملة السائدة لنا عقب انتهاء الدوام اليومي " على خير " :
ومضى نهار آخر .. " مقرونة بزفرة طويلة " ..
ذلك ، بسبب الحدود والضوابط الحاكمة بين المدرس والطالب ، من جهة ، ومع المدراء والموجهين المشرفين على العملية التربوية ، من جهة ثانية ، نتيجة الإجراءات القانونية والتربوية والتنظيمية التي تحكم العلاقة بين الأضلاع الثلاثة للعملية التربوية : المعلم والطالب و( ولي أمره ) والإدارة  ، والتي تختلف اختلافا جذريا عما هو عليه الحال في بلدنا ..
فقد كان الطلاب المواطنون حصرا ، شديدي البلادة والاتكالية والكسل واللامبالاة وعدم الإحساس بالمسؤولية ، ممزوجا بقلة الاحترام وحب الفوضى وعدم الالتزام والتأفف والتهرب من الواجبات والدروس ، لأنهم " ليسوا بحاجة للتعلم ماداموا قادرين على استخدام من يقوم بأعمالهم في كل ما يحتاجون " ..
 يضاف إلى ذلك شيء من العنصرية التي تشرّبوها في بيوتهم من خلال تعاملهم مع جنسيات العاملين فيها ، كالخادمات  والمربيات والسائقين ، حيث ينظرون إليهم بوضاعة وامتهان ، وأن مصيرهم مرهون بحسن تصرفهم مع " أرباب نعمتهم " ، وبانصياعهم لهم وتنفيذ ما يطلب منهم بلا تردد ولا تذمر ولا تلكؤ ولا نقصان ، فصاروا يعتقدون أن كل من جاء لبلدهم ، إنما هو عامل أجير لديهم ، " يسلبهم " أموالهم لقاء عمل " بسيط " من " واجبه " أن يقوم به ، وعليه تقديم " خدمته " لهم صاغرا راضخا ، ومن فم أبكم ، كما يفعل كثير من أبناء الجنسيات الوافدة ..
وبالنتيجة : يتساوى أمامهم كل الوافدين ، فلا يختلف عندهم المدرس " الوافد " عن هؤلاء ..
وكان التماس الأول والمبكر والمباشر لي ، مع ولي أمر أحد الطلاب :
انتحى بي وكيل المدرسة ( اليمني الأصل ) جانبا عند انصرافنا ليسألني باهتمام : هل ضربت أحدا من طلابك اليوم ؟
نفيت له مستغربا سؤاله .. فقال : إن ولي أمر أحد الطلاب يريد مقابلتك .. وأشار بيده إلى غرفته ..
حييت الرجل ، ومددت له يدي مسلما ، فترك عصاه من يمناه المرتجفة المعروقة ، ومدّها دون أن يعتدل من شبه استلقائه على الكرسي أمام الطاولة ، متجها إلى الباب ..
بدا طاعنا في السن ذا لحية طويلة مرتجفة أيضا ، وبالكاد خرجت من بين بقايا أسنانه بضع كلمات لم أستطع التقاط معانيها ، نظرت إلى الوكيل مستفهما ، فأعادها :
يقول : إنك ضربت ابنه على رقبته في طابور الصباح ..
جلست قبالته محاولا أن أتذكر أحداث الطابور ، فلم أعثر على ما يجعلني أضرب طالبا .. قلت للوكيل : أنا لا أذكر ، لعلي أعرف الحدث إذا رأيت الطالب .. أين هو ؟
نهض الوكيل خارج الغرفة ، وعاد معه أصغر طلابي حجما .. سألته : كيف ضربتك ؟ ولماذا ؟ قال : وضعتَ يدك على قفا رأسي وشددت شعري .. ( وكنت فعلت ذلك لشفقتي عليه ممن يسخرون من ضآلة حجمه ) ..
شرحت ذلك للوكيل ، ليقيني أن أباه لن يفهم قصدي .. فأرعد الأب وأزبد بعد أن " ترجم " له الوكيل ذلك بطريقته ، فراح يهددني ويتوعدني ملوحا بعصاه ، وبأنه سيشتكي حالا للوزارة لـ " تفنيشي " .. أي : ( لإنهاء عملي ) .. وهي لفظة إنجليزية " كابوسية مرعبة شائعة ، تقض مضاجع الوافدين عموما " ..
ووسط دهشتي من حركاته وأقواله وهو يهتز فوق كرسيه ، قلت له واقفا : اسمع يا هذا : كنت أعتقد أننا جئنا هنا لنعلم ونربي أبناءكم ، لكني أرى أن آباءهم أولى بالتربية منهم ..
فوضع أحدهم يده على فمي من خلفي .. وهو يرجوني ألا أكمل ، كان ذاك زميلنا " نبيل زيدان " .. ثم أخذني بين ذراعيه باتجاه الباب الذي تجمع حوله عدد من الزملاء منتظرين نهاية المسرحية .. تأبط نبيل ذراعي متجها إلى غرفة المدير المجاورة ( شغرت بعد انتقال المدير وعدم تكليف بديل ) ، وتبعنا مفيد ومحمد شريف الذي توعدني ضاحكا : لم تر شيئا من وقاحتهم بعد .. لا بد أنك ستعتاد عليهم ..
ثم جاء الوكيل راغبا أن نرافقه بسيارته ليوصلني أنا ومفيد إلى البيت ..
في الطريق ، قلل الوكيل من أهمية كلام هذا " المطرزي الشيبة " .. وحين تساءلت عن معنى كلمة " مطرزي " ، قال : تعني أنه من أتباع الشيوخ وملازميهم للخدمة ككلاب الصيد " ..
وتحدث ناصحا لنا من خلال تجربته في العمل طويلا في هذا البلد ، حيث اختلفت حال العلاقة بين المدرس وطلابه في السنوات الأخيرة .. وما كان جائزا للمعلم قبل سنوات صار محرما عليه ، بعد أن تعاظم شأن الدولة وصارت مقصدا للكثيرين .. وأن الدولة تبني المدارس والمنشآت وتزودها بكل ما يلزم ، وتستقدم المدرسين وتقدم كثيرا من المغريات المالية للطلاب وأولياء أمورهم ..
لكن ـ حسب رأيه ـ ليس ليتعلم الطلاب ، وليس المطلوب أن يتعلموا ، إنما كي تسد الدولة الذرائع ، وكي لا تُتهَم بالتقصير تجاه مواطنيها ..
وأضاف : أنا اعرف أن كلامي خطير وجريء جدا ، وستكون منعكساته وخيمة علي إذا أشيع عن لساني .. ولن تسمعوه من أحد غيري ..
لكن أقول لكما هذا الكلام لأني أفهم نفسية المواطن السوري المختلفة عن غيره ، وأعرف ثقل ووطأة استفزازاتٍ على هذه الشاكلة ، ستواجهكم جميعا ، كما واجهت غيركم ..
وفي البيت ، حين رويت ما حدث للزملاء ، ضحك محمد مينو ، وقال : اسمع هذه : أحد المدرسين المناوبين ضبط حالة لواطة في حمامات المدرسة ، فأبلغ المدير الذي استدعى ولي أمر المفعول به .. فجاءت أمه صارخة في وجه المدير : وايش بلاك تستدعيني ؟ أي : ( لماذا تستدعينني ) ؟
فأخبرها المدير بالحادثة ، فعادت تصرخ :
وَيْ وَيْ وَيْ .. كنت أظنه يتتن ( يدخن ) !!! هو خنيث وأبوه خنيث ويده ( جده ) خنيث .. هو يتخنث الحين ( الآن ) وباجر ( غدا ) يخنث غيره !!
ثم نهضت خارجة من مكتب المدير ، وهي تردد مستنكرة ساخرة : كنت أظنه يتتن .. كنت أظنه يتتن ...
طبعا ، لم تكن هذه هي الحوادث والنوادر الوحيدة .. بل كانت ـ لكثرتها وتنوعها وغرابتها ـ  كالأمثال السائرة على كل لسان ، ولا يكاد يمر يوم دون مشكلة أو حادثة واحدة على الأقل ، مع كل واحد منا .. والمحظوظ ، هو من لا تتطور مشكلته لتصل مفاعيلها إلى ولي الأمر أو الإدارة ..
وكان أسوأ القلق الذي ينتابنا ، حين تقع المشكلة يوم الخميس ، فيمر يوم الجمعة طويلا ، ثقيل الوطاة ، انتظارا لما قد يسفر عنه يوم السبت من تفاعلات مشكلة يوم الخميس ..
فيما بعد ، صارت عطلة نهاية الأسبوع يومين ، فتنامى هذا القلق سوءا ، واتسعت دوائره ، حتى صار مصدر نكد للأسرة ، يمتد طيلة يومي العطلة ..
ولم تكن هذه الحوادث محصورة بين المدرس والطالب ، فقد تحدث لنا عدد من الموجهين الاختصاصيين الذين زارونا في البيت ، عن كثير من معاناتهم مع الطلاب أثناء حضورهم الحصص ، كنتيجة حتمية لضعف تأثير الإدارة في قدرتها على الضبط العام ، أو لضعف قدرة المدرس في حصته على فرض الانضباط في حضرة الموجه على الأقل ..
ولعل الوجه الآخر من المشكلة هذه ، يكمن في طريقة تعامل كل مدرس مع البيئة المدرسية ، وفي قوة شخصيته ، وقدرته على اكتساب احترام طلابه داخل الحصص وخارجها ..
وثمة صفات كثيرة ، كانت تلعب دورا هاما في شخصية المدرس ، ونظرة الآخرين لها ، وموقفهم منها .. بدءا من نوع دخانه وسيارته وهندامه وقيافته ، وانتهاء باتزانه وتعففه وقدرته على إقناع الآخرين بإمكانياته العلمية وأهميتها وتميزها ..
وبشكل عام ، كانت جنسية المدرس توحي بانعكاس أولي خاص عن شخصيته ، تدفع الآخرين للتعامل معه بفكرة مسبقة ، سلبا أو إيجابا ، حتى يثبت العكس ..
وبدا واضحا لنا أن كثيرا من زملائنا المصريين ، هم من ساهموا في شطط وميوعة الطلبة واتكاليتهم وتطاولهم وتجرئهم على تجاوز الخطوط السلوكية الحمر ، في علاقاتهم مع بقية أعضاء الهيئة التعليمية ..
وبالتأكيد ، هناك زملاء مصريون كثيرون أيضا ، جديرون بكل الاحترام والتقدير ، وكانوا مثالا يحتذى في كل شيء ..
كما كان هناك زملاء آخرون ، من كل الجنسيات الأخرى ، لا يختلفون أبدا عن أولئك الذين ساهموا في زعزعة وتشويه صورة المدرس ومكانته ، وكان ذلك في نهاية عام 1992 ..

الجمعة ـ 11/10/2012


الصورة المرفقة هي لمشروع جسر ونفق ( الدفاع ) في شارع الشيخ زايد بدبي ، جانب المبنى الذي كنا نسكن فيه . خريف عام 1992 .


الأربعاء، 26 سبتمبر 2012

دمشق ـ دبي ـ 1


دمشق ـ دبي ـ 1




 إحدى أحدث الطائرات التابعة لشركة طيران الإمارات ، أقلعت بنا من مطار دمشق ، إلى مطار دبي ..
وبأقل من ثلاث ساعات ، وصلنا ..
كانت هذه المرة الأولى التي يخرج فيها من سوريا إلى إحدى دول الخليج ، بعثة تعليمية حكومية ( إعارة ) ، وخاصة ( عقود شخصية ) بعد حرب الخليج ( عاصفة الصحراء ) ، ومؤتمر مدريد للسلام ..
إذ ، بعد احتباس متناغم مع الحصار الغربي على سوريا ، انفرجت أسارير هؤلاء ، ومعها ، انفتحت دول الخليج ، وفتحت أبوابها ـ جزئيا ـ للسوريين ، عرفانا بموقف حكومتهم من غزو الكويت ..
لذا ، كان الحدث تاريخيا للجميع ، ومثّلت الرحلة أملاً ، وبداية حلم طالما تاقت له نفوسنا ، وعملنا من أجله سنوات ، وشاركَنا الأحبة والأهل والأصدقاء غبطتنا ، وحسدَنا عليه كثيرون آخرون ..
ولم يكن الطريق لهذا اليوم 07/09/1992  سهلا ، بل سبقته أحداث ولقاءات ومقابلات وأوراق ثبوتية وسفر وإقامة ووساطات وانتظار وترقب وشائعات ....
لكن مشيئة الله تعالى تحققت في آخر المطاف ، واضعة حدا ونهاية لكل ذلك ، وصعدنا إلى الطائرة وسط مشاعر ملونة مضطربة قلقة ، انتابتنا جميعا ـ مسافرين ومودِّعين ـ قبيل الإقلاع ، خشية أن يُنادَى على أحدٍ منا ، ليُطلبَ منه النزول لسببٍ ما !!
وإذ أغلق باب الطائرة ، وعلا هدير محركاتها ، وبدأت تتدحرج على المدرج ، ضجت الطائرة بصيحات الفرح والصفير والتصفيق ، فيما تعالت شهقات وزفرات من صدور بعض الزميلات ، وهن يلوحن ويكفكفن دموعا لا يعلم أحد كنهها ..
كانت الطائرة من الداخل مثيرة لدهشتنا ، بأناقتها ونظافتها وأنظمة التلفاز والصوت والشاشات التي تعرض خط سير الرحلة مع معلومات ملاحية أخرى ..
وكانت الشاشات التلفازية اللمسية المثبتة أمامنا ، آخر تقليعة في طراز هذه الطائرات ، والكثيرون منا مذهولون بها ، وجاهلون بكيفية التعامل معها ، ومع أجهزة الصوت الخاصة بكل راكب ..
وما إن استقرت الطائرة في الأعالي ، حتى تحررنا من أحزمة الأمان ، وبدأت ألبي استنجاد الآخرين بمساعدتهم في التعامل مع الشاشات ومقابس الصوت ..

لم أكن أعرف أحدا من جميع المسافرين ، سوى معرفة بسيطة بأحدهم ، ولم تسمح الظروف بتعميق العلاقة ، خاصة مع انشغال الجميع بهاجس الوصول إلى " العالم الجديد " من جهة ، وبالظروف التي حتّمت على كل منا ، الانفصال عن أهله وأسرته وعياله إلى " الاغتراب " فيما وراء الصحراء ..
وحين طُلِبَ منا التزام المقاعد وربط أحزمة الأمان ، بدت المدن تحتنا كتلا من الضياء ، ثم ، بدت ألسنة اللهب المتصاعدة من حقول النفط تتراقص كشموع الأعياد ..
ومع هبوط الطائرة في مطار دبي ، هنأنا بعضنا بسلامة الوصول ، وسط بهجة الجميع وهرجهم .. وقيل لنا عبر مكبرات الصوت في الطائرة : إن ثمة حافلات تنتظر " المعارين " منا في الخارج ، لنقلنا إلى مكان إقامتنا بعد إتمام إجراءات الدخول ، واصطحاب الحقائب ، وذلك حسب الإمارة التي نتبع لها ..
وشكلت لحظة الخروج من الطائرة انتقالا قاسيا من أجواء الطائرة الباردة التكييف ، إلى أجواء المطار اللاهبة المشبعة برطوبة خانقة ، تحشرجت لها حناجرنا ، وتثاقلت أنفاسنا بكثافتها وشدة تأثيرها على الصدور الضيقة ..
نقلتنا ثلاث حافلات متوسطة إلى أحد فنادق المدينة ، بعد مشوار لم يدم أكثر من ربع ساعة عن المطار ..
كان كل شيء مرتبا في الفندق بالاسم ، وكنا حوالي الخمسين .. حملنا الأمتعة ، ورافقنا الأدلاء إلى غرفنا بعد أن أبلغونا بالنزول إلى المطعم لتناول العشاء ..
يقع فندق " الإكسيليسور " في وسط المدينة ..
لبثنا فيه خمسة أيام من الضيافة .. خلالها ، كنا نخرج ليلا للتجول في الشوارع المحيطة ، مسكونين بهاجس الاتصال بالأهل ، من الكبائن المنتشرة فيها ، لطمأنتهم عن أحوالنا ..
كما سمحت لنا أوقات الفراغ الطويلة ، والجلسات إلى الموائد المفتوحة بتعرفنا على بعضنا أكثر ، وتمتنت علاقات الزمالة بينا ، واستمعنا من الضيوف الذين زاروا بعض الزملاء إلى كثير من الشائعات حول المدارس التي سنوزع عليها ، والسلفة النقدية والرواتب والتعويضات التي سنتقاضاها .. كما أخذونا بالتتابع إلى أحد المستشفيات القريبة لإتمام الفحوصات الطبية التي تمهد للحصول على الإقامة اللازمة ..
وحصلت أنا من أحد الزملاء معنا ـ بعد أن سمعته يردد اسمه ـ على رقم هاتف الصديق الموجه الاختصاصي في دبي " عدنان كزارة " ، فرحب بوجودي ، وزارني في الفندق ، واصطحبني في جولة في المدينة ، ودعاني إلى عشاء في أحد المطاعم القريبة ..
كما اتصلت بالأخ " أبي سعيد " في الشارقة ، فزارني أيضا ، واصطحبني إلى أجواء مطعم شامي قريب ، وأكد علي بمودته المعهودة ، أن نبقى على تواصل لأي طارئ أحتاجه ..  
وفي اليوم الخامس ، حملونا إلى " منطقة دبي التعليمية " لاستلام " الإجراء المالي " الذي هو بمثابة قرار التعيين في العمل ، ونُقد كل منا بسلفة مالية قدرها خمسة آلاف درهم ، وأبلغونا باسم المدرسة التي يجب الالتحاق بها صباح الغد ..
على أن نغادر الفندق مساء اليوم ، لانتهاء أيام الضيافة ..
كثيرون منا رتبوا أمور إقامتهم خارج الفندق ، بمشاركة زملاء لهم .. وآخرون اتفقوا على استئجار سكن مشترك ، وغادر البعض مع معارف لهم ، وبقيت أنا و" مفيد " وحيدين من الذكور في الفندق ، كما بقيت بعض الزميلات ، حيث عُرض عليهن استمرار الإقامة بأجر مخفض ، فيما رفضت الإدارة قبول إقامتنا ـ أنا ومفيد ـ بنفس الأجر ، حسب ما أفادنا " عراب العرض " السائق السوري لإحدى حافلات الوزارة ، وكان الفارق كبيرا جدا بين الأجرين !!..
وفي أجواء الحيرة والاضطراب والانزعاج من هذا التمييز ، وكمساعدة لنا ، عَرَض " العراب " علينا أن ينقلنا إلى " بيت الشباب " بدبي ، لنمضي فيه الليلة ريثما نتدبر أمرنا ..
كان بيت الشباب في طرف المدينة القريب من الشارقة ، في محيط ناد رياضي ، حيث وضعت " كرفانات " كبيرة خشبية مسبقة الصنع ، قادنا الموظف المسؤول إلى إحداها ..
كان الضوء خافتا ، وقد استلقى فيها عدد كثير من النائمين على الأرض أو على فرش اسفنجية بالية ، يمتلئ المكان بالرمل وبروائح مقززة ، وتهدر فيه أصوات الشخير والمكيفات التي فشلت في تعديل الحرارة للحد المقبول ..
بدا انتقالنا من أجواء الفندق إلى هذا الجو مقيتا ومهينا ، فرفضتُ الإقامة ، وأيدني مفيد على مضض ، حيث  " تجاوزت الساعة منتصف الليل ، وما هي إلا ساعات قليلة لا تستحق مزيدا من المكابرة " .. ومع ذلك ، عاد معي إلى الفندق ، فقيل لنا : ليس لدينا غرف شاغرة !!.. وفشلنا في تأمين غرفة في فنادق أخرى ، ولم يبق أمامنا سوى القبول بالاستلقاء ـ في السويعات المتبقية ـ في كرفانات بيت الشباب ..
وبعد أن نقدْنا " المسؤول الهندي " أجر الليلة ، اختار لنا من أفضل الموجود عنده : فراشين ووسادتين وغطاءين ، واندسسنا بين الجَمْع ..
وكانت ليلة " تاريخية " في المدينة الصاخبة ..
أيقظني مفيد في السادسة ، ودلني على الحمّام ..
وبسرعة ، هربنا إلى الشارع .. ركبنا سيارة أجرة وطلبت من السائق " الهندي " التوجه إلى عنوان المدرسة التي سنداوم فيها معا .. كانت الشوارع مكتظة بالسيارات والحافلات المدرسية البرتقالية اللون ..
أمام باب المدرسة ، تأكدنا من اسمها المكتوب على يافطة كبيرة " مدرسة السعيدية الإعدادية للبنين " ، فتنهد مفيد وسألني : ألست جائعا ؟
تناولنا فطائر " لم نذق كطعمها من قبل " وعصيرا معلبا ، وعدنا إلى المدرسة ..
استقبلنا المدير " الهاشمي " في مكتبه ببشاشة ، واستدعى وكيله الذي أعطانا جدولا بالحصص ، وسار معنا إلى الفصول ..
خلال الدوام ، استأذنا المدير ـ أنا ومفيد ـ لاستخدام هاتف مكتبه ، فرحب ، وقال بأريحية : لا بأس .. أهلا وسهلا ..
اتصلت بأبي سعيد طالبا تأمين مسكن لي في الشارقة ، فوعد بكل مساعدة ، واتفقنا أن أوافيه في مكتبه بعد الدوام ..
بينما استعان مفيد بالمدير للحصول على رقم هاتف إحدى المدارس التي ذهب إليها زميله " محي الدين " ، فأجرى اتصالا به ، واتفق أن يشاركه مسكنهم بدبي ، وكتب العنوان ..
ثم استدعى المدير الزميل " محمد شريف " الذي يقطن في الشارقة ، فرحب أن يوصلني معه إلى مكتب أبي سعيد ..
محمد شريف ، سليل عائلة مصرية عريقة ، كان جده " باشا " حاكما لإقليم السودان أيام الانتداب البريطاني ، وقبل انفصاله عن مصر ..
وهو مهندس زراعي يدرّس مادة العلوم .. بيته في شارع الوحدة في الشارقة ، وزوجته مدرّسة أيضا فيها ..
لطيف جدا وطيب جدا ومضياف جدا .. وكمعظم المصريين ، سريع البديهة والنكتة ، تنم التماعة عينيه من خلف نظارته الطبية السميكة عن ذكاء فطري ، ولا تغيب البسمة والضحكة عن محياه ..
وفي الطريق المكتظ إلى الشارقة ، أعطاني رقم هاتف بيته ، ودلني عليه حين مرورنا من أمامه ، واتفقنا أن أتصل به لأعطيه عنوان إقامتي الحالي ، ليأخذني معه إلى المدرسة في دبي ..
استقبلني أبو سعيد بمودة وحُنوٍّ ، وخرجنا معا .. تناولنا الغداء ، وذهبنا إلى بيته ، لنقيّل في وقتٍ تكون فيه معظم فعاليات المدينة " مقيّلة " ، على أن نسعى في البحث عن مسكن بعد العصر ..
استعان أبو سعيد بأحد معارفه ، فذهبت معه في جولة على بعض المكاتب العقارية ، وطالت الجولة ، ولم نعثر على ما يناسب ..
استضافني أبو سعيد في بيته في شارع المطار القديم ، واستمر ذهابي إلى الدوام والعودة منه مع الزميل محمد شريف ، واستمر البحث عن شقة مناسبة ..
بذل مدير المدرسة الهاشمي جهدا بالبحث عن شقة في دبي ، فخرجنا معا إلى مكاتب عقارية قريبة ، ولم نحصل سوى على وعود ، لندرة الشقق التي تناسب أوضاعي من حيث القرب من المدرسة ومبلغ الإيجار وعدد الغرف ....
وقد نصحني الزملاء بالاستئجار في الشارقة ، لعدد من الميزات التي تجعل منها أكثر مناسبة للسكن العائلي في بيئة " عروبية " تفتقدها دبي ، المدينة التي لا شيء فيها يجعلك تشعر أنك في بلد عربي ، أو على أرض عربية ، لغلبة الطابع الأجنبي عليها .. 
وبالفعل ، أثمرت رحلة البحث المتواصل في الشارقة ، ووجدت شقة في مبنى " مركز بهمن " في شارع الاستقلال ، فدفعت ثلاثة آلاف درهم كسلفة ، على أن أعطيه ثلاثة شيكات بالمبلغ المتبقي من الإيجار ، واستلمت الشقة فارغة ، وبدون كهرباء ..
نظفت مكانا أستلقي فيه ، بعدها خرجت أسكت جوعي في مطعم قريب ..
كنت وحيدا بعد انتهائي من الطعام ، حين مر من أمام الزجاج " زياد خليفة " ، فتوقف حين لمحني فجأة ، وأومأت له بالدخول .. تعانقنا ، واستخبر مني عن آخر أحوالي وظروفي .. ودلني على شقته القريبة من مكاننا ، في مبنى القاسمية للشقق المفروشة ، ودعاني لمرافقته إليها لارتباطه بموعد هناك ..
زياد ، كان طالبي في معهد إعداد المعلمين بحلب عام 1981 .. وكان هذا لقاءنا الأول بعد أكثر من عشرة أعوام ..
وحين عرف بعدم وجود الكهرباء في شقتي ، لم يتوان في الإصرار على استضافتي حتى توصيل الكهرباء ..

وفي الوقائع المرافقة لاستئجار الشقة ، أفرحني " الإنجاز " الهام ، فاتصلت بالعائلة أبشرهم بقرب احتضانهم بها ، وأرسلت لهم بقائمة بالأوراق والوثائق اللازمة للحصول على تأشيرات دخول لهم ، والثبوتيات اللازمة لتسجيل الأبناء في المدارس ، وأن المسألة يجب أن تتم سريعا قبيل مرور وقت طويل على بداية العام الدراسي هنا ..
لكن .. وُئدَت كل تلك الأوهام قبل أن تزهر ، لاستحالة الحصول على التيار الكهربائي فبل إجراءات كثيرة ، وأهمها :
أنه لكي يتم وصل التيار ، لا بد من أن يكون عقد الإيجار ناجزا ومصدقا من البلدية ..
وأنه لا بد لهذا من أن تكون " الإقامة " ملصقة على جواز السفر ..
ولن يتم لصق الإقامة على جواز السفر الموجود في عهدة الوزارة ، قبل شهر على الأقل ..
ولن تصدر الوزارة تذاكر سفر لمن يرغب باستقدام عائلته إلا بعد صدورها ، ولن تصرف لنا الرواتب قبل شهر آخر ..
وفوق هذا ، لا بد من تأمين مبلغ كبير يفوق ثلاث مرات السلفة النقدية التي استلمتها ، وذلك لشراء مكيفات وأثاث وأدوات منزلية ونفقات أخرى كثيرة ، تفي بحاجة أسرة من خمسة أفراد ..

وفي هكذا بلد ، وهكذا طقس ، تستحيل الحياة في شقة بدون تكييف وثلاجة .. وهو ما لا يمكن تحقيقه بدون التيار الكهربائي .. فصار الإحباط سيد الموقف بعد كل هذه المعيقات المستحيلة ، وصار لا بد من التخلي عن استئجار البيت ، واسترداد السلفة التي دفعتها ، لألجأ إلى السكن المشترك مع مفيد والآخرين في شقتهم الكائنة في دبي ..
وبعد لأيٍ ، وتدخلٍ من أبي سعيد لدى مالك البناية ، أعاد لي مندوبُه المبلغ ، وسعيت هاربا من كل تلك الدوائر المغلقة ..
ثم ، وبالاتفاق مع مفيد على تقاسم الغرفة الثانية من شقتهم ، اشتريت ( سريرين وملحقاتهما ، وتلفازا ومكيفا وطاولة وعددا من الكراسي وبعض الحاجيات الضرورية ) من معرض مجاور للأثاث المنزلي ، فوجئت بصاحبه " عادل رجب باشا " ( الذي عرفته موظفا في مركز هاتف الأنصاري ، ثم شاهدته بعد فترة ضابط شرطة في حلب ) ، فأخبرني أنه ترك عمله ليرافق زوجته المدرّسة في الشارقة ..
دبي :
الطابق الرابع عشر من بناية تويوتا في دوار الدفاع ، شقة مفروشة بموكيت رمادي داكن ، وتتألف من صالة فسيحة ، وغرفتين وتوابعها ، فأعيد توزيع المكان : الصالة للزميلين عادل حسن ومحمود ..... والغرفة الصغيرة المقابلة للحمام ، لـ بكري سلام عليك ومحي الدين مينو ، ووضعنا أمتعتنا أنا ومفيد في الغرفة الثانية الكبيرة المطلة على دوار الدفاع ، عبر شرفة واسعة ، فصارت للنوم والطعام والسهرة واستقبال الضيوف ...
لم يكن في الشقة قبل وصولي سوى بعض لوازم تحضير الطعام ، وأدوات كهربائية مستعملة ( ثلاجة وغسالة وفرن ) .. وفرش قطنية للنوم رقيقة جدا ، وبطانيات من النوع الرديء جدا ..
ينامون على الأرض ، ويكوون ملابسهم بالنوم فوقها وهي تحت الفراش ، وبلا تكييف ، ويفرشون أوراق الصحف لتناول الطعام ، وينظفون الموكيت بأيديهم من الوبر والشعر المتناثر من الفرش والبطانيات ..
كان محمود وعادل من عامودا في محافظة الحسكة ، وبكري من ريف إدلب ، ومفيد ومحي الدين من حمص ..
محمود وعادل ، شديدا التأثر بالبرودة ، فلا يرغبان بالتكييف البارد مطلقا .. أما محي الدين ، فكان كثيرا ما يفترش الأرض في غرفتنا طلبا للبرودة ، بينما لم يفعل بكري ذلك إلا لماما ..
وكان من الطبيعي أن تكون ثمة فوارق واختلافات بيننا ، حول كثير من العادات المعاشية والتقاليد والانتماءات ، وأساليب الترتيب والنظافة والقيافة ، وأنواع الطعام ومكوناته .....
وإضافة إلى الأثاث الذي امتلأت به غرفتنا ، طلبت ـ فور حصولي على الإقامة ـ توصيل خط هاتفي ، فوفر علينا جميعا ما كنا نعاني منه أثناء الاتصال بسوريا ..
وبدت حياتنا أكثر هدوءا وتنظيما واستقرارا مع اكتشاف المعالم المحيطة في المدينة عموما والمناطق المجاورة بشكل خاص ، وصار سهلا ، الوصول إلى المدرسة والعودة منها ، لنتبادل ـ على مائدة الغداء أو في السهرة ـ القصص الغريبة العجيبة عن سير يومنا الدراسي ، والعلاقة مع طلابنا ، والمواقف السخيفة والمشاهد الفاجعة التي لم نرها سابقا ، ولم نعتد عليها ، ولا تشبه ما كنا نعاني منه مع طلابنا في بلدنا ..

26/09/2012
  
الصورة المرفقة هي لفندق ( الإكسيليسيور ) بدبي عام 1992 ، وقد أعيد ترميمه فيما بعد ، وأطلق عليه اسم آخر .

الاثنين، 10 سبتمبر 2012

المقام الأخير



المقام الأخير :

 هبت " رياح كانون المبكرة " على " بنات العيلة " وهن ذوات " أرواح عارية " ولدن ونشأن وترعرعن في " قاع المدينة " ، فأطاحت " ساعات الجمر " بـ " وجه العدالة " ..
وفي أقل من " رفة عين " ظهرت " الشبيهة " في " حارة الطنابر " ، فاجتاح " أبو جانتي " محطة " سيت كاز " ، وتعالى نعيق الغربان في " الخربة " العامرة ..
وكان ثمة همزات وهمسات وغمزات و " حكايات بنات " عن " صبايا " يتبخترن ويتغندرن ويتفيهقن مع " سبق الإصرار " ..
عندها قال أهل " زمن البرغوت " :
نحن " الغالبون " منذ " الولادة من الخاصرة " إلى " أيام الدراسة " على " بقعة ضوء " من " المصابيح الزرق " ..  
فأعلن " الزير سالم " أنه أرسل عددا من " رسائل الحب والحرب " لكل من " دليلة والزيبق " ، كما أرسل " رسائل شفهية " إلى " أسعد الوراق " ، وأنه ـ وبناء على ما تقدم وما مضى ـ : فقد " تعب المشوار " ورمى " المفتاح " في البير .. 

والسلام ختام .. 


25/08/2012

الأحد، 9 سبتمبر 2012

المقام قبل الأخير :


المقام قبل الأخير :

أرواح عارية :
أرواحٌ عاريات ؟؟!!
يوحي ذاك العنوان بكثير من الرؤى ، ويثير أسئلة شتى ..
وبعيدا عن المسلسل الذي سرقتُ عنوانه ، دون أن أرى منه شيئا يذكر ، لجملة أفعال مبنية للمجهول ، ويعرفها الجميع ..
أتساءل : كيف تتعرى الروح ؟ ولماذا ؟ ومتى ؟ وأين ؟
تلك ـ ربما ـ هي المسألة .. وهي الأسئلة ..
هل يفضي عري الجسد إلى عري الروح ؟
هل لأحدهما علاقة ما بالآخر ؟؟
هل عري الجسد يفترض عري الروح ؟
أم عري الروح يفترض عري الجسد ؟
هل عري الروح أشمل من عري الجسد ؟
وهل وجود أحدهما دليل على وجود الآخر ؟
بعد تعري الروح : هل يبقى شيء مستورا ؟
كلنا يعرف عري الجسد ، فما هي ماهية عري الروح ؟
وأيهما " أرفع شأنا " من الآخر ؟
إذا كان عري الروح يُسقِط ورقة التوت الأخيرة ويغدو كل شيء مباحا .. فهل يُوَصَّف ذلك بـ : منتهى الفجور ، مثلا ؟
وأيهما أكثر تأثيرا وتدميرا : عري الجسد أم عري الروح ؟
رغم أن عري الجسد " في بعض الفنون التجسيمية " له وظائف ودلالات تعبيرية وجمالية أخرى ..
أيكون عري الروح عريا حتى الثمالة ، وليس بعده بعد ؟
هل يمكن أن توصيف عري الروح بأنه :
الغواية أو الفسق أو الفجور أو الموبقات الإنسانية والدينية ؟
أتليق صفة واحدة من تلك بـ عري الروح ؟ أم إن كل تلك ، قليل عليه ولا تعطيه حقه ؟
لست متأكدا فيما إذا كان عري الجسد حراما في كل الشرائع !!..
وعليه : أيكون هو " الحرام " بعينه ؟؟
عندها ، ما هو التوصيف اللائق بـ الأرواح العاريات ؟؟
يا لهول ذاك وذلك !!
يا لهول الفاجعات المصيبات !!
ويا لفداحة الخطوب !! ..

22/08/2012