‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات رواية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 21 أكتوبر 2012

دمشق ـ دبي ـ 3 ـ حلب ـ اللقاء بعد الفطام




 كانت الهواتف والرسائل البريدية ، وسيلتي التواصل الوحيدتين مع الأهل والأصدقاء في سوريا .. فالشبكة الهاتفية ليست منجزة ولا كافية لتلقي اتصالاتنا في معظم البيوت والأماكن .. والاتصال صعب ، وإن حصل ، فإن جودة الصوت رديئة ، ولا يمكن لهذا الاتصال أن يتحمل أو يتسع لفيض العواطف والأحاسيس النابضة ، بعد شهور من المعاناة والغربة ..
لذا ، كانت الرسائل البريدية خير عون ومتسع ، وقد أرسلت أعدادا منها للأصدقاء والأهل ، وتلقيت كثيرا أيضا ، بما فيها بطاقات التهنئة بالمناسبات المختلفة ..

وفي مسكننا المشترك ، كان الأخ مفيد الأكثر قربا مني ، بهدوئه وواقعيته ، كوننا نتقاسم الغرفة ، ونتشارك الطريق إلى المدرسة ، فكان الأكثر تفهما لطبيعة علاقاتي وظروفي ، وهو الذي يفسرها للآخرين حين يفهمونها خطأ ..
بينما كان الأخ محمد مينو متأرجحا في قربه وبعده ، لحساسيته الزائدة ، وأنفته المفرطة التي لا تختلف عن الاشمئزاز في كثير من صورها وانفعالاتها ..
وفي المدرسة ، وبالإضافة إلى استمتاعي بنوادر " محمد شريف " ولطفه وأريحيته ، كان " نبيل زيدان " ذا شخصية واضحة ، دمثا ، لبقا ، مكلاما ، كريما ، سريع النكتة والبديهة ..
جنسيته وجيناته لبنانية صرفة ، يتقافز بمهارة على جميع الحبال ، ويتوق لبلوغ التميز ولو كان سرابا ..
لم يتوان في تقديم أي مساعدة أو خدمة لي ، كونه رآني بعينين منشرحتين ودودتين .. فتقرّب مني مفصحا عن تقديره الخاص واحترامه .. وسريعا ، ارتبطنا بصداقة حميمة ، وفتح لي بيته ، وقدمني لزوجته وولديه ..
كان شغوفا باقتناص فرصة وجوده في دبي ، راغبا بإكمال مشاريعه الخاصة في بيروت ، ليعود إليها سريعا .. بينما لم تبد زوجته السيدة ليلى في عجلة من أمرها ، وهي تقوم بالتدريس في إحدى الجامعات الخاصة ..
وامتدت ساحة العلاقات الشخصية ، وتوسعت مع تكرار اللقاءات بالصديق " زياد خليفة " وأبناء عمومته الذين وفدوا على الإمارات لتجارة " السكراب والقطع التبديلية " ، فجمعتنا سهرات ولقاءات ورحلات إلى الشواطئ والحدائق ، قضينا فيها أوقاتا لطيفة ..
وما أن حصلت على " الإقامة " ، حتى بدأت بإجراءات الحصول على رخصة قيادة السيارات .. وكانت المهمة شاقة وعسيرة لاختلاف القوانين ونظام الطرق ، ولضرورة التمرس بالقيادة بواسطة مدرب خاص ، يساعد على تجاوز الفحوص النظرية والعملية الصعبة ، رغم أني حاصل على رخصة سورية منذ أكثر من عشرين عاما ..
وفي الامتحان الثالث ، اجتزت العقبة بالحصول على الرخصة ، واستلامها في 31/12/1992 ، أي بعد شهرين تقريبا من البداية .. وكان ذلك ـ في منظور الأصدقاء ـ  نجاحا فائقا متميزا بالفوز وسرعته ، ويعدونها مساوية ومعادلة بالأهمية " لشهادة الدكتوراه " ، نظرا للصعوبات التي يواجهونها في الحصول عليها .
ومع اقتراب موعد العطلة الانتصافية ، نشطت الاتصالات بمكاتب السفر لحجز التذاكر ، وأدت إلى تقارب " نفعي متبادل " مع الأخ " ماهر عطار " الذي يدير مكتبا للحجز الجوي في مدينة العين ، حيث استدل على عنواني وزارني في البيت بصحبة زوجته وأطفاله ، ففرح بحصولي على الرخصة ، لأتولى قيادة سيارتهم في الطرق التي يجهلها بين الشارقة ودبي في معرض إنجازه لحجوزات مكتبه ، كما سهلت لجميع الزملاء مهمة حجوزاتهم أيضا بواسطته ..
وفي مشوار مشترك لنا إلى سوق " الحمرية " المركزي للخضار والفواكه بدبي ، التقيت ـ للمرة الأولى ـ الزميلتين " دعد وسهير "  وكانتا تقيمان في " سكن المدرسات " ، فتقصينا أخبار بعضنا ، وصودف أني أعرف أخت دعد وخالتها " أم أدهم " ، كما أن صديقي محمد نديم فتال شقيق زوج سهير ..
وفوجئت في اليوم التالي باتصال هاتفي في غرفة " المدير الجديد " لمدرستنا ، من الزميلة دعد تطلب مني أن اصطحب معي في رحلة العودة من سوريا ، الابنَ الرضيع لزميلتها سهير ، حيث تركتْه في حضانة أمها ، لعدم تفويت فرصة العمل هنا ..
وأبديت لها استعدادي للقيام بما أستطيع ، على أن تراجع أمُّه الدوائر المختصة لمعرفة المطلوب ، كبداية عملية للتنفيذ ..
عقب انتهاء المحادثة ، لاحظ المدير " عبد الله الحلو " اضطرابي ، فحوقل بعد أن عرف مني فحوى الطلب ، وأثنى على موافقتي " الإنسانية " ، وعرض مساعدته إذا احتاج الأمر ..
أعطتني تفويضا عند الكاتب بالعدل ، يسمح لي باصطحابه معي ، واستكمال إجراءات دخوله إلى الدولة ، كما استصدرت له أمُّه " إذن دخول " من دائرة الإقامة والجنسية ، على أن يتصل بي ذووها في حلب للتنسيق واستلام الطفل " محمد غسان فتال " في دمشق ، حيث مطار الإقلاع بالعودة ، وستنتظرنا بفارغ الصبر في مطار الشارقة ، وعلى أحر من الجمر ..

كان الشوق والعشق قد تكدّسا وتأجّجا طيلة الشهور الماضية التي نأيت بها عنها ، فتم اللقاء بعد الفطام ..
كان المستقبلون يعتقدون أني هائم شوقا لهم فقط ، والحق ، أني هائم بهم أيضا .. لكن هيامي الأول والأخير ، أني في ثنايا أردانها وحنايا أعطافها .. تعبق شوارعها برائحة الشتاء والبرد والليل ، وتتعطر أغصانها اليابسة بالمطر حنوًّا وخفرا ، فتنساب مع الشهيق بردا وسلاما ..
وحالي : " كمن يتشهّى وجهَ مَنْ عشقا " ..
لكن .. هيهات يعود الزمن إلى الوراء ..
كانت هذه المدة هي الأطول التي أغيب فيها عن حلب ..
إنها حلب ـ حلبي أنا ـ سقف بيتي .. شغاف عشقي .. أنيسة كينونتي .. أريج دمي .. نشيج دمعتي ..
مرت أيام الإجازة في حلب ، كنسمةٍ في صيفِ وجداني القائظ ، رغم أننا في أواخر أربعينية الشتاء من عام 1993 ..
ولولا صحبة السفر منها في العودة إلى دمشق ، لاصّاعدت من صدري شهقات الروح وسكراتها وغرغراتها ..
وفي المطار ، تمت الإجراءات ، واصطحبت الطفل " محمد غسان فتال " معي ، وتناوبت الزميلات على رعايته في الطائرة حتى وصولنا مطار الشارقة في ساعة متأخرة من الليل ..
وحين احتضنته أمه ، انبلج صبح جديد في أعماقي ، رافقته رعود هزتني بقوة ، وغالبت إجهاشا كاد يرميني أرضا ..
ولم يكن بوسعي سوى الهروب بعيدا عنهما تفاديا للمزيد ..
أما الآن ، ( فإن استحضار لحظات موجعة من الماضي ، يفاقم الألم أضعافا ، ويوشيه بمزيج من ألوان قاتمة ) ..
(انتهى الفصل الأول )
السبت ـ 20/10/2012

الصورة المرفقة : لـ : محمد غسان فتال ـ في الطائرة السورية باتجاه الشارقة ـ كانون الثاني 1993

الجمعة، 12 أكتوبر 2012

دمشق ـ دبي ـ 2 ومضى نهار آخر


ومضى نهار آخر 


 لم تكن المتاعب والمصاعب والقلق أقل في الفترة التي سبقت ـ منذ أن فتح لنا باب الولوج إلى هذا العالم ـ مما نحن فيه الآن ، على عكس ما كنا ننتظر ، خاصة أننا محسودون على إقامتنا في دبي ، حيث يحلم الكثيرون بالعيش فيها ، ويتنافسون على اغتنام فرصها ، واستغلال ظروف انفتاحها ، وسلاسة قوانينها ، وجودة وتنوع خدماتها ، ولطف وانضباط شرطتها ، وأريحية التكيف فيها مع كل ما يتمنى المرء ويشتهي ..
بل ، تنوعت المتاعب أكثر ، وازداد القلق أضعافا ، وزاد عليهما جوٌّ من الوحشة فوق الغربة ، وواجهتنا عقبات ومشاكل لم نكن نحسب لها حسابا ، ولم تكن في وارد يومياتنا ، نظرا لاختلاف الخطوط المجتمعية العامة والخاصة ، والتوجهات والعلاقات المسلكية التربوية ، وحيثياتها ونظامها ومندرجاتها والعلاقات التراتبية من القاعدة إلى القمة ..
كل ذلك في بيئة اقتصادية مدهشة في أساليب التسويق والعرض وتقديم الخدمات ، وبيئة اجتماعية متباينة الدرجات والمواقع والحقوق ، شديدة التنوع والخصوصية ، وذات فرادة وهمية مصطنعة قائمة على تميز خادع هزيل ..
إلا أن النظام العام مصون بقبضة فولاذية خفية ، مسيطرة مهيمنة موجودة في كل مكان ، تحس بها دون أن تراها أو تلمسها .. علاوة على جودة وتنظيم الخدمات العامة والخاصة ..
وكان باديا للعيان ، أن ثمة مشروعا تطويريا ضخما قيد التنفيذ ، بدأت تتضح أبعاده وملامحه ، من خلال مواقع تحديث وتطوير البنى التحتية ، ومن خلال التكاثر السريع للروافع البرجية في سماء المدينة ومحيطها كأنها أذرع سرطانية بهلوانية لا تهدأ على مدار الساعة ، في سباق محموم مع الزمن ، ما لبثت أن حولت الصحارى المحيطة إلى مدن سكنية وتجارية وصناعية ورياضية ومطارات ومنشآت ومناطق حرة وجزر صناعية ، تربط فيما بينها طرق سريعة وجسور وأنفاق بمواصفات أمان عالمية .. مما استوجب استقدام أيد عاملة وخبرات فنية بأعداد كبيرة جدا ، كان لها الفضل الأعظم في بناء كل الإنجازات التي تتحقق تباعا ، فنتجت عنها أزمات في السكن البسيط والمتوسط ، واختناقات وزحام شديد في الدوائر المتخصصة باستخراج تأشيرات الإقامة اللازمة لها ، وفي المواصلات والأماكن العامة ، وصارت الشوارع كلها أسواقا تغص متاجرها بمختلف البضائع والمستلزمات ، وبألوان وأشكال من البشر من أصقاع الأرض ..
وانتشرت ظاهرة  " المعارض ومهرجانات التسوق " في المراكز التجارية الكبرى والأسواق المتخصصة ، التي عمت كل الأرجاء ، وتعاظمت في قلب المدينة أيضا حركة التوسع العمراني أفقيا وعموديا ، ورافقتها على التوازي مشاريع توسيع الطرق والجسور والشبكات والمرافق العامة ..
في ظل تلك المعمعة ، كنا ـ في جو العمل ـ نشعر أننا نعيش وسط حقل ألغام ، غير آمنين ولا مطمئنين على حاضرنا ومستقبل عملنا ، حتى صارت الجملة السائدة لنا عقب انتهاء الدوام اليومي " على خير " :
ومضى نهار آخر .. " مقرونة بزفرة طويلة " ..
ذلك ، بسبب الحدود والضوابط الحاكمة بين المدرس والطالب ، من جهة ، ومع المدراء والموجهين المشرفين على العملية التربوية ، من جهة ثانية ، نتيجة الإجراءات القانونية والتربوية والتنظيمية التي تحكم العلاقة بين الأضلاع الثلاثة للعملية التربوية : المعلم والطالب و( ولي أمره ) والإدارة  ، والتي تختلف اختلافا جذريا عما هو عليه الحال في بلدنا ..
فقد كان الطلاب المواطنون حصرا ، شديدي البلادة والاتكالية والكسل واللامبالاة وعدم الإحساس بالمسؤولية ، ممزوجا بقلة الاحترام وحب الفوضى وعدم الالتزام والتأفف والتهرب من الواجبات والدروس ، لأنهم " ليسوا بحاجة للتعلم ماداموا قادرين على استخدام من يقوم بأعمالهم في كل ما يحتاجون " ..
 يضاف إلى ذلك شيء من العنصرية التي تشرّبوها في بيوتهم من خلال تعاملهم مع جنسيات العاملين فيها ، كالخادمات  والمربيات والسائقين ، حيث ينظرون إليهم بوضاعة وامتهان ، وأن مصيرهم مرهون بحسن تصرفهم مع " أرباب نعمتهم " ، وبانصياعهم لهم وتنفيذ ما يطلب منهم بلا تردد ولا تذمر ولا تلكؤ ولا نقصان ، فصاروا يعتقدون أن كل من جاء لبلدهم ، إنما هو عامل أجير لديهم ، " يسلبهم " أموالهم لقاء عمل " بسيط " من " واجبه " أن يقوم به ، وعليه تقديم " خدمته " لهم صاغرا راضخا ، ومن فم أبكم ، كما يفعل كثير من أبناء الجنسيات الوافدة ..
وبالنتيجة : يتساوى أمامهم كل الوافدين ، فلا يختلف عندهم المدرس " الوافد " عن هؤلاء ..
وكان التماس الأول والمبكر والمباشر لي ، مع ولي أمر أحد الطلاب :
انتحى بي وكيل المدرسة ( اليمني الأصل ) جانبا عند انصرافنا ليسألني باهتمام : هل ضربت أحدا من طلابك اليوم ؟
نفيت له مستغربا سؤاله .. فقال : إن ولي أمر أحد الطلاب يريد مقابلتك .. وأشار بيده إلى غرفته ..
حييت الرجل ، ومددت له يدي مسلما ، فترك عصاه من يمناه المرتجفة المعروقة ، ومدّها دون أن يعتدل من شبه استلقائه على الكرسي أمام الطاولة ، متجها إلى الباب ..
بدا طاعنا في السن ذا لحية طويلة مرتجفة أيضا ، وبالكاد خرجت من بين بقايا أسنانه بضع كلمات لم أستطع التقاط معانيها ، نظرت إلى الوكيل مستفهما ، فأعادها :
يقول : إنك ضربت ابنه على رقبته في طابور الصباح ..
جلست قبالته محاولا أن أتذكر أحداث الطابور ، فلم أعثر على ما يجعلني أضرب طالبا .. قلت للوكيل : أنا لا أذكر ، لعلي أعرف الحدث إذا رأيت الطالب .. أين هو ؟
نهض الوكيل خارج الغرفة ، وعاد معه أصغر طلابي حجما .. سألته : كيف ضربتك ؟ ولماذا ؟ قال : وضعتَ يدك على قفا رأسي وشددت شعري .. ( وكنت فعلت ذلك لشفقتي عليه ممن يسخرون من ضآلة حجمه ) ..
شرحت ذلك للوكيل ، ليقيني أن أباه لن يفهم قصدي .. فأرعد الأب وأزبد بعد أن " ترجم " له الوكيل ذلك بطريقته ، فراح يهددني ويتوعدني ملوحا بعصاه ، وبأنه سيشتكي حالا للوزارة لـ " تفنيشي " .. أي : ( لإنهاء عملي ) .. وهي لفظة إنجليزية " كابوسية مرعبة شائعة ، تقض مضاجع الوافدين عموما " ..
ووسط دهشتي من حركاته وأقواله وهو يهتز فوق كرسيه ، قلت له واقفا : اسمع يا هذا : كنت أعتقد أننا جئنا هنا لنعلم ونربي أبناءكم ، لكني أرى أن آباءهم أولى بالتربية منهم ..
فوضع أحدهم يده على فمي من خلفي .. وهو يرجوني ألا أكمل ، كان ذاك زميلنا " نبيل زيدان " .. ثم أخذني بين ذراعيه باتجاه الباب الذي تجمع حوله عدد من الزملاء منتظرين نهاية المسرحية .. تأبط نبيل ذراعي متجها إلى غرفة المدير المجاورة ( شغرت بعد انتقال المدير وعدم تكليف بديل ) ، وتبعنا مفيد ومحمد شريف الذي توعدني ضاحكا : لم تر شيئا من وقاحتهم بعد .. لا بد أنك ستعتاد عليهم ..
ثم جاء الوكيل راغبا أن نرافقه بسيارته ليوصلني أنا ومفيد إلى البيت ..
في الطريق ، قلل الوكيل من أهمية كلام هذا " المطرزي الشيبة " .. وحين تساءلت عن معنى كلمة " مطرزي " ، قال : تعني أنه من أتباع الشيوخ وملازميهم للخدمة ككلاب الصيد " ..
وتحدث ناصحا لنا من خلال تجربته في العمل طويلا في هذا البلد ، حيث اختلفت حال العلاقة بين المدرس وطلابه في السنوات الأخيرة .. وما كان جائزا للمعلم قبل سنوات صار محرما عليه ، بعد أن تعاظم شأن الدولة وصارت مقصدا للكثيرين .. وأن الدولة تبني المدارس والمنشآت وتزودها بكل ما يلزم ، وتستقدم المدرسين وتقدم كثيرا من المغريات المالية للطلاب وأولياء أمورهم ..
لكن ـ حسب رأيه ـ ليس ليتعلم الطلاب ، وليس المطلوب أن يتعلموا ، إنما كي تسد الدولة الذرائع ، وكي لا تُتهَم بالتقصير تجاه مواطنيها ..
وأضاف : أنا اعرف أن كلامي خطير وجريء جدا ، وستكون منعكساته وخيمة علي إذا أشيع عن لساني .. ولن تسمعوه من أحد غيري ..
لكن أقول لكما هذا الكلام لأني أفهم نفسية المواطن السوري المختلفة عن غيره ، وأعرف ثقل ووطأة استفزازاتٍ على هذه الشاكلة ، ستواجهكم جميعا ، كما واجهت غيركم ..
وفي البيت ، حين رويت ما حدث للزملاء ، ضحك محمد مينو ، وقال : اسمع هذه : أحد المدرسين المناوبين ضبط حالة لواطة في حمامات المدرسة ، فأبلغ المدير الذي استدعى ولي أمر المفعول به .. فجاءت أمه صارخة في وجه المدير : وايش بلاك تستدعيني ؟ أي : ( لماذا تستدعينني ) ؟
فأخبرها المدير بالحادثة ، فعادت تصرخ :
وَيْ وَيْ وَيْ .. كنت أظنه يتتن ( يدخن ) !!! هو خنيث وأبوه خنيث ويده ( جده ) خنيث .. هو يتخنث الحين ( الآن ) وباجر ( غدا ) يخنث غيره !!
ثم نهضت خارجة من مكتب المدير ، وهي تردد مستنكرة ساخرة : كنت أظنه يتتن .. كنت أظنه يتتن ...
طبعا ، لم تكن هذه هي الحوادث والنوادر الوحيدة .. بل كانت ـ لكثرتها وتنوعها وغرابتها ـ  كالأمثال السائرة على كل لسان ، ولا يكاد يمر يوم دون مشكلة أو حادثة واحدة على الأقل ، مع كل واحد منا .. والمحظوظ ، هو من لا تتطور مشكلته لتصل مفاعيلها إلى ولي الأمر أو الإدارة ..
وكان أسوأ القلق الذي ينتابنا ، حين تقع المشكلة يوم الخميس ، فيمر يوم الجمعة طويلا ، ثقيل الوطاة ، انتظارا لما قد يسفر عنه يوم السبت من تفاعلات مشكلة يوم الخميس ..
فيما بعد ، صارت عطلة نهاية الأسبوع يومين ، فتنامى هذا القلق سوءا ، واتسعت دوائره ، حتى صار مصدر نكد للأسرة ، يمتد طيلة يومي العطلة ..
ولم تكن هذه الحوادث محصورة بين المدرس والطالب ، فقد تحدث لنا عدد من الموجهين الاختصاصيين الذين زارونا في البيت ، عن كثير من معاناتهم مع الطلاب أثناء حضورهم الحصص ، كنتيجة حتمية لضعف تأثير الإدارة في قدرتها على الضبط العام ، أو لضعف قدرة المدرس في حصته على فرض الانضباط في حضرة الموجه على الأقل ..
ولعل الوجه الآخر من المشكلة هذه ، يكمن في طريقة تعامل كل مدرس مع البيئة المدرسية ، وفي قوة شخصيته ، وقدرته على اكتساب احترام طلابه داخل الحصص وخارجها ..
وثمة صفات كثيرة ، كانت تلعب دورا هاما في شخصية المدرس ، ونظرة الآخرين لها ، وموقفهم منها .. بدءا من نوع دخانه وسيارته وهندامه وقيافته ، وانتهاء باتزانه وتعففه وقدرته على إقناع الآخرين بإمكانياته العلمية وأهميتها وتميزها ..
وبشكل عام ، كانت جنسية المدرس توحي بانعكاس أولي خاص عن شخصيته ، تدفع الآخرين للتعامل معه بفكرة مسبقة ، سلبا أو إيجابا ، حتى يثبت العكس ..
وبدا واضحا لنا أن كثيرا من زملائنا المصريين ، هم من ساهموا في شطط وميوعة الطلبة واتكاليتهم وتطاولهم وتجرئهم على تجاوز الخطوط السلوكية الحمر ، في علاقاتهم مع بقية أعضاء الهيئة التعليمية ..
وبالتأكيد ، هناك زملاء مصريون كثيرون أيضا ، جديرون بكل الاحترام والتقدير ، وكانوا مثالا يحتذى في كل شيء ..
كما كان هناك زملاء آخرون ، من كل الجنسيات الأخرى ، لا يختلفون أبدا عن أولئك الذين ساهموا في زعزعة وتشويه صورة المدرس ومكانته ، وكان ذلك في نهاية عام 1992 ..

الجمعة ـ 11/10/2012


الصورة المرفقة هي لمشروع جسر ونفق ( الدفاع ) في شارع الشيخ زايد بدبي ، جانب المبنى الذي كنا نسكن فيه . خريف عام 1992 .


الأربعاء، 26 سبتمبر 2012

دمشق ـ دبي ـ 1


دمشق ـ دبي ـ 1




 إحدى أحدث الطائرات التابعة لشركة طيران الإمارات ، أقلعت بنا من مطار دمشق ، إلى مطار دبي ..
وبأقل من ثلاث ساعات ، وصلنا ..
كانت هذه المرة الأولى التي يخرج فيها من سوريا إلى إحدى دول الخليج ، بعثة تعليمية حكومية ( إعارة ) ، وخاصة ( عقود شخصية ) بعد حرب الخليج ( عاصفة الصحراء ) ، ومؤتمر مدريد للسلام ..
إذ ، بعد احتباس متناغم مع الحصار الغربي على سوريا ، انفرجت أسارير هؤلاء ، ومعها ، انفتحت دول الخليج ، وفتحت أبوابها ـ جزئيا ـ للسوريين ، عرفانا بموقف حكومتهم من غزو الكويت ..
لذا ، كان الحدث تاريخيا للجميع ، ومثّلت الرحلة أملاً ، وبداية حلم طالما تاقت له نفوسنا ، وعملنا من أجله سنوات ، وشاركَنا الأحبة والأهل والأصدقاء غبطتنا ، وحسدَنا عليه كثيرون آخرون ..
ولم يكن الطريق لهذا اليوم 07/09/1992  سهلا ، بل سبقته أحداث ولقاءات ومقابلات وأوراق ثبوتية وسفر وإقامة ووساطات وانتظار وترقب وشائعات ....
لكن مشيئة الله تعالى تحققت في آخر المطاف ، واضعة حدا ونهاية لكل ذلك ، وصعدنا إلى الطائرة وسط مشاعر ملونة مضطربة قلقة ، انتابتنا جميعا ـ مسافرين ومودِّعين ـ قبيل الإقلاع ، خشية أن يُنادَى على أحدٍ منا ، ليُطلبَ منه النزول لسببٍ ما !!
وإذ أغلق باب الطائرة ، وعلا هدير محركاتها ، وبدأت تتدحرج على المدرج ، ضجت الطائرة بصيحات الفرح والصفير والتصفيق ، فيما تعالت شهقات وزفرات من صدور بعض الزميلات ، وهن يلوحن ويكفكفن دموعا لا يعلم أحد كنهها ..
كانت الطائرة من الداخل مثيرة لدهشتنا ، بأناقتها ونظافتها وأنظمة التلفاز والصوت والشاشات التي تعرض خط سير الرحلة مع معلومات ملاحية أخرى ..
وكانت الشاشات التلفازية اللمسية المثبتة أمامنا ، آخر تقليعة في طراز هذه الطائرات ، والكثيرون منا مذهولون بها ، وجاهلون بكيفية التعامل معها ، ومع أجهزة الصوت الخاصة بكل راكب ..
وما إن استقرت الطائرة في الأعالي ، حتى تحررنا من أحزمة الأمان ، وبدأت ألبي استنجاد الآخرين بمساعدتهم في التعامل مع الشاشات ومقابس الصوت ..

لم أكن أعرف أحدا من جميع المسافرين ، سوى معرفة بسيطة بأحدهم ، ولم تسمح الظروف بتعميق العلاقة ، خاصة مع انشغال الجميع بهاجس الوصول إلى " العالم الجديد " من جهة ، وبالظروف التي حتّمت على كل منا ، الانفصال عن أهله وأسرته وعياله إلى " الاغتراب " فيما وراء الصحراء ..
وحين طُلِبَ منا التزام المقاعد وربط أحزمة الأمان ، بدت المدن تحتنا كتلا من الضياء ، ثم ، بدت ألسنة اللهب المتصاعدة من حقول النفط تتراقص كشموع الأعياد ..
ومع هبوط الطائرة في مطار دبي ، هنأنا بعضنا بسلامة الوصول ، وسط بهجة الجميع وهرجهم .. وقيل لنا عبر مكبرات الصوت في الطائرة : إن ثمة حافلات تنتظر " المعارين " منا في الخارج ، لنقلنا إلى مكان إقامتنا بعد إتمام إجراءات الدخول ، واصطحاب الحقائب ، وذلك حسب الإمارة التي نتبع لها ..
وشكلت لحظة الخروج من الطائرة انتقالا قاسيا من أجواء الطائرة الباردة التكييف ، إلى أجواء المطار اللاهبة المشبعة برطوبة خانقة ، تحشرجت لها حناجرنا ، وتثاقلت أنفاسنا بكثافتها وشدة تأثيرها على الصدور الضيقة ..
نقلتنا ثلاث حافلات متوسطة إلى أحد فنادق المدينة ، بعد مشوار لم يدم أكثر من ربع ساعة عن المطار ..
كان كل شيء مرتبا في الفندق بالاسم ، وكنا حوالي الخمسين .. حملنا الأمتعة ، ورافقنا الأدلاء إلى غرفنا بعد أن أبلغونا بالنزول إلى المطعم لتناول العشاء ..
يقع فندق " الإكسيليسور " في وسط المدينة ..
لبثنا فيه خمسة أيام من الضيافة .. خلالها ، كنا نخرج ليلا للتجول في الشوارع المحيطة ، مسكونين بهاجس الاتصال بالأهل ، من الكبائن المنتشرة فيها ، لطمأنتهم عن أحوالنا ..
كما سمحت لنا أوقات الفراغ الطويلة ، والجلسات إلى الموائد المفتوحة بتعرفنا على بعضنا أكثر ، وتمتنت علاقات الزمالة بينا ، واستمعنا من الضيوف الذين زاروا بعض الزملاء إلى كثير من الشائعات حول المدارس التي سنوزع عليها ، والسلفة النقدية والرواتب والتعويضات التي سنتقاضاها .. كما أخذونا بالتتابع إلى أحد المستشفيات القريبة لإتمام الفحوصات الطبية التي تمهد للحصول على الإقامة اللازمة ..
وحصلت أنا من أحد الزملاء معنا ـ بعد أن سمعته يردد اسمه ـ على رقم هاتف الصديق الموجه الاختصاصي في دبي " عدنان كزارة " ، فرحب بوجودي ، وزارني في الفندق ، واصطحبني في جولة في المدينة ، ودعاني إلى عشاء في أحد المطاعم القريبة ..
كما اتصلت بالأخ " أبي سعيد " في الشارقة ، فزارني أيضا ، واصطحبني إلى أجواء مطعم شامي قريب ، وأكد علي بمودته المعهودة ، أن نبقى على تواصل لأي طارئ أحتاجه ..  
وفي اليوم الخامس ، حملونا إلى " منطقة دبي التعليمية " لاستلام " الإجراء المالي " الذي هو بمثابة قرار التعيين في العمل ، ونُقد كل منا بسلفة مالية قدرها خمسة آلاف درهم ، وأبلغونا باسم المدرسة التي يجب الالتحاق بها صباح الغد ..
على أن نغادر الفندق مساء اليوم ، لانتهاء أيام الضيافة ..
كثيرون منا رتبوا أمور إقامتهم خارج الفندق ، بمشاركة زملاء لهم .. وآخرون اتفقوا على استئجار سكن مشترك ، وغادر البعض مع معارف لهم ، وبقيت أنا و" مفيد " وحيدين من الذكور في الفندق ، كما بقيت بعض الزميلات ، حيث عُرض عليهن استمرار الإقامة بأجر مخفض ، فيما رفضت الإدارة قبول إقامتنا ـ أنا ومفيد ـ بنفس الأجر ، حسب ما أفادنا " عراب العرض " السائق السوري لإحدى حافلات الوزارة ، وكان الفارق كبيرا جدا بين الأجرين !!..
وفي أجواء الحيرة والاضطراب والانزعاج من هذا التمييز ، وكمساعدة لنا ، عَرَض " العراب " علينا أن ينقلنا إلى " بيت الشباب " بدبي ، لنمضي فيه الليلة ريثما نتدبر أمرنا ..
كان بيت الشباب في طرف المدينة القريب من الشارقة ، في محيط ناد رياضي ، حيث وضعت " كرفانات " كبيرة خشبية مسبقة الصنع ، قادنا الموظف المسؤول إلى إحداها ..
كان الضوء خافتا ، وقد استلقى فيها عدد كثير من النائمين على الأرض أو على فرش اسفنجية بالية ، يمتلئ المكان بالرمل وبروائح مقززة ، وتهدر فيه أصوات الشخير والمكيفات التي فشلت في تعديل الحرارة للحد المقبول ..
بدا انتقالنا من أجواء الفندق إلى هذا الجو مقيتا ومهينا ، فرفضتُ الإقامة ، وأيدني مفيد على مضض ، حيث  " تجاوزت الساعة منتصف الليل ، وما هي إلا ساعات قليلة لا تستحق مزيدا من المكابرة " .. ومع ذلك ، عاد معي إلى الفندق ، فقيل لنا : ليس لدينا غرف شاغرة !!.. وفشلنا في تأمين غرفة في فنادق أخرى ، ولم يبق أمامنا سوى القبول بالاستلقاء ـ في السويعات المتبقية ـ في كرفانات بيت الشباب ..
وبعد أن نقدْنا " المسؤول الهندي " أجر الليلة ، اختار لنا من أفضل الموجود عنده : فراشين ووسادتين وغطاءين ، واندسسنا بين الجَمْع ..
وكانت ليلة " تاريخية " في المدينة الصاخبة ..
أيقظني مفيد في السادسة ، ودلني على الحمّام ..
وبسرعة ، هربنا إلى الشارع .. ركبنا سيارة أجرة وطلبت من السائق " الهندي " التوجه إلى عنوان المدرسة التي سنداوم فيها معا .. كانت الشوارع مكتظة بالسيارات والحافلات المدرسية البرتقالية اللون ..
أمام باب المدرسة ، تأكدنا من اسمها المكتوب على يافطة كبيرة " مدرسة السعيدية الإعدادية للبنين " ، فتنهد مفيد وسألني : ألست جائعا ؟
تناولنا فطائر " لم نذق كطعمها من قبل " وعصيرا معلبا ، وعدنا إلى المدرسة ..
استقبلنا المدير " الهاشمي " في مكتبه ببشاشة ، واستدعى وكيله الذي أعطانا جدولا بالحصص ، وسار معنا إلى الفصول ..
خلال الدوام ، استأذنا المدير ـ أنا ومفيد ـ لاستخدام هاتف مكتبه ، فرحب ، وقال بأريحية : لا بأس .. أهلا وسهلا ..
اتصلت بأبي سعيد طالبا تأمين مسكن لي في الشارقة ، فوعد بكل مساعدة ، واتفقنا أن أوافيه في مكتبه بعد الدوام ..
بينما استعان مفيد بالمدير للحصول على رقم هاتف إحدى المدارس التي ذهب إليها زميله " محي الدين " ، فأجرى اتصالا به ، واتفق أن يشاركه مسكنهم بدبي ، وكتب العنوان ..
ثم استدعى المدير الزميل " محمد شريف " الذي يقطن في الشارقة ، فرحب أن يوصلني معه إلى مكتب أبي سعيد ..
محمد شريف ، سليل عائلة مصرية عريقة ، كان جده " باشا " حاكما لإقليم السودان أيام الانتداب البريطاني ، وقبل انفصاله عن مصر ..
وهو مهندس زراعي يدرّس مادة العلوم .. بيته في شارع الوحدة في الشارقة ، وزوجته مدرّسة أيضا فيها ..
لطيف جدا وطيب جدا ومضياف جدا .. وكمعظم المصريين ، سريع البديهة والنكتة ، تنم التماعة عينيه من خلف نظارته الطبية السميكة عن ذكاء فطري ، ولا تغيب البسمة والضحكة عن محياه ..
وفي الطريق المكتظ إلى الشارقة ، أعطاني رقم هاتف بيته ، ودلني عليه حين مرورنا من أمامه ، واتفقنا أن أتصل به لأعطيه عنوان إقامتي الحالي ، ليأخذني معه إلى المدرسة في دبي ..
استقبلني أبو سعيد بمودة وحُنوٍّ ، وخرجنا معا .. تناولنا الغداء ، وذهبنا إلى بيته ، لنقيّل في وقتٍ تكون فيه معظم فعاليات المدينة " مقيّلة " ، على أن نسعى في البحث عن مسكن بعد العصر ..
استعان أبو سعيد بأحد معارفه ، فذهبت معه في جولة على بعض المكاتب العقارية ، وطالت الجولة ، ولم نعثر على ما يناسب ..
استضافني أبو سعيد في بيته في شارع المطار القديم ، واستمر ذهابي إلى الدوام والعودة منه مع الزميل محمد شريف ، واستمر البحث عن شقة مناسبة ..
بذل مدير المدرسة الهاشمي جهدا بالبحث عن شقة في دبي ، فخرجنا معا إلى مكاتب عقارية قريبة ، ولم نحصل سوى على وعود ، لندرة الشقق التي تناسب أوضاعي من حيث القرب من المدرسة ومبلغ الإيجار وعدد الغرف ....
وقد نصحني الزملاء بالاستئجار في الشارقة ، لعدد من الميزات التي تجعل منها أكثر مناسبة للسكن العائلي في بيئة " عروبية " تفتقدها دبي ، المدينة التي لا شيء فيها يجعلك تشعر أنك في بلد عربي ، أو على أرض عربية ، لغلبة الطابع الأجنبي عليها .. 
وبالفعل ، أثمرت رحلة البحث المتواصل في الشارقة ، ووجدت شقة في مبنى " مركز بهمن " في شارع الاستقلال ، فدفعت ثلاثة آلاف درهم كسلفة ، على أن أعطيه ثلاثة شيكات بالمبلغ المتبقي من الإيجار ، واستلمت الشقة فارغة ، وبدون كهرباء ..
نظفت مكانا أستلقي فيه ، بعدها خرجت أسكت جوعي في مطعم قريب ..
كنت وحيدا بعد انتهائي من الطعام ، حين مر من أمام الزجاج " زياد خليفة " ، فتوقف حين لمحني فجأة ، وأومأت له بالدخول .. تعانقنا ، واستخبر مني عن آخر أحوالي وظروفي .. ودلني على شقته القريبة من مكاننا ، في مبنى القاسمية للشقق المفروشة ، ودعاني لمرافقته إليها لارتباطه بموعد هناك ..
زياد ، كان طالبي في معهد إعداد المعلمين بحلب عام 1981 .. وكان هذا لقاءنا الأول بعد أكثر من عشرة أعوام ..
وحين عرف بعدم وجود الكهرباء في شقتي ، لم يتوان في الإصرار على استضافتي حتى توصيل الكهرباء ..

وفي الوقائع المرافقة لاستئجار الشقة ، أفرحني " الإنجاز " الهام ، فاتصلت بالعائلة أبشرهم بقرب احتضانهم بها ، وأرسلت لهم بقائمة بالأوراق والوثائق اللازمة للحصول على تأشيرات دخول لهم ، والثبوتيات اللازمة لتسجيل الأبناء في المدارس ، وأن المسألة يجب أن تتم سريعا قبيل مرور وقت طويل على بداية العام الدراسي هنا ..
لكن .. وُئدَت كل تلك الأوهام قبل أن تزهر ، لاستحالة الحصول على التيار الكهربائي فبل إجراءات كثيرة ، وأهمها :
أنه لكي يتم وصل التيار ، لا بد من أن يكون عقد الإيجار ناجزا ومصدقا من البلدية ..
وأنه لا بد لهذا من أن تكون " الإقامة " ملصقة على جواز السفر ..
ولن يتم لصق الإقامة على جواز السفر الموجود في عهدة الوزارة ، قبل شهر على الأقل ..
ولن تصدر الوزارة تذاكر سفر لمن يرغب باستقدام عائلته إلا بعد صدورها ، ولن تصرف لنا الرواتب قبل شهر آخر ..
وفوق هذا ، لا بد من تأمين مبلغ كبير يفوق ثلاث مرات السلفة النقدية التي استلمتها ، وذلك لشراء مكيفات وأثاث وأدوات منزلية ونفقات أخرى كثيرة ، تفي بحاجة أسرة من خمسة أفراد ..

وفي هكذا بلد ، وهكذا طقس ، تستحيل الحياة في شقة بدون تكييف وثلاجة .. وهو ما لا يمكن تحقيقه بدون التيار الكهربائي .. فصار الإحباط سيد الموقف بعد كل هذه المعيقات المستحيلة ، وصار لا بد من التخلي عن استئجار البيت ، واسترداد السلفة التي دفعتها ، لألجأ إلى السكن المشترك مع مفيد والآخرين في شقتهم الكائنة في دبي ..
وبعد لأيٍ ، وتدخلٍ من أبي سعيد لدى مالك البناية ، أعاد لي مندوبُه المبلغ ، وسعيت هاربا من كل تلك الدوائر المغلقة ..
ثم ، وبالاتفاق مع مفيد على تقاسم الغرفة الثانية من شقتهم ، اشتريت ( سريرين وملحقاتهما ، وتلفازا ومكيفا وطاولة وعددا من الكراسي وبعض الحاجيات الضرورية ) من معرض مجاور للأثاث المنزلي ، فوجئت بصاحبه " عادل رجب باشا " ( الذي عرفته موظفا في مركز هاتف الأنصاري ، ثم شاهدته بعد فترة ضابط شرطة في حلب ) ، فأخبرني أنه ترك عمله ليرافق زوجته المدرّسة في الشارقة ..
دبي :
الطابق الرابع عشر من بناية تويوتا في دوار الدفاع ، شقة مفروشة بموكيت رمادي داكن ، وتتألف من صالة فسيحة ، وغرفتين وتوابعها ، فأعيد توزيع المكان : الصالة للزميلين عادل حسن ومحمود ..... والغرفة الصغيرة المقابلة للحمام ، لـ بكري سلام عليك ومحي الدين مينو ، ووضعنا أمتعتنا أنا ومفيد في الغرفة الثانية الكبيرة المطلة على دوار الدفاع ، عبر شرفة واسعة ، فصارت للنوم والطعام والسهرة واستقبال الضيوف ...
لم يكن في الشقة قبل وصولي سوى بعض لوازم تحضير الطعام ، وأدوات كهربائية مستعملة ( ثلاجة وغسالة وفرن ) .. وفرش قطنية للنوم رقيقة جدا ، وبطانيات من النوع الرديء جدا ..
ينامون على الأرض ، ويكوون ملابسهم بالنوم فوقها وهي تحت الفراش ، وبلا تكييف ، ويفرشون أوراق الصحف لتناول الطعام ، وينظفون الموكيت بأيديهم من الوبر والشعر المتناثر من الفرش والبطانيات ..
كان محمود وعادل من عامودا في محافظة الحسكة ، وبكري من ريف إدلب ، ومفيد ومحي الدين من حمص ..
محمود وعادل ، شديدا التأثر بالبرودة ، فلا يرغبان بالتكييف البارد مطلقا .. أما محي الدين ، فكان كثيرا ما يفترش الأرض في غرفتنا طلبا للبرودة ، بينما لم يفعل بكري ذلك إلا لماما ..
وكان من الطبيعي أن تكون ثمة فوارق واختلافات بيننا ، حول كثير من العادات المعاشية والتقاليد والانتماءات ، وأساليب الترتيب والنظافة والقيافة ، وأنواع الطعام ومكوناته .....
وإضافة إلى الأثاث الذي امتلأت به غرفتنا ، طلبت ـ فور حصولي على الإقامة ـ توصيل خط هاتفي ، فوفر علينا جميعا ما كنا نعاني منه أثناء الاتصال بسوريا ..
وبدت حياتنا أكثر هدوءا وتنظيما واستقرارا مع اكتشاف المعالم المحيطة في المدينة عموما والمناطق المجاورة بشكل خاص ، وصار سهلا ، الوصول إلى المدرسة والعودة منها ، لنتبادل ـ على مائدة الغداء أو في السهرة ـ القصص الغريبة العجيبة عن سير يومنا الدراسي ، والعلاقة مع طلابنا ، والمواقف السخيفة والمشاهد الفاجعة التي لم نرها سابقا ، ولم نعتد عليها ، ولا تشبه ما كنا نعاني منه مع طلابنا في بلدنا ..

26/09/2012
  
الصورة المرفقة هي لفندق ( الإكسيليسيور ) بدبي عام 1992 ، وقد أعيد ترميمه فيما بعد ، وأطلق عليه اسم آخر .

الأحد، 5 يونيو 2011

فضاء ملبّد في بيت الخـُلد

فضاء ملبّد في بيت الخـُلد

" الخـُلد " بضم الخاء وليس بكسرها كما هو شائع خطأ ..

والخـُلد : يُجمَع على : خـُلدان ، وهو حيوان جاسٌّ ، وحيد الجنس والنوع ، عديد الضروب ، من فصيلة " الخُـلديات " ، رأسه غليظ ، وعيناه مخفيتان تحت الجلد ، يُقال له أيضا : " الفأرة العمياء " ، ويضرَبُ به المَثل في شدة السمع ..

(( معجم المنجد في اللغة العربية المعاصرة ـ ط 2 ـ دار المشرق ـ بيروت )) ..

وقد نسخت تلك المعلومة إزالة للبس الذي كان يلازمني ويلازم الكثيرين ـ ربما ـ عن الكلمة ، وأعتذر للإطالة ..

وبيت الخـُلد : رواية الأستاذ وليد إخلاصي ، صدرت له في دمشق عن اتحاد الكتاب العرب ، عام 1982 ، ومذيلة بتاريخ 1978 ـ 1980 .

هي رواية أخرى ، نحاول ـ من خلالها ـ الطيران في فضائها ، وإن كان الجو العام فيها " ملبدا بالغيوم الدّكن " ، مما جعل الملامح غير واضحة هنا ، على عكس رواياته : باب الجمر ، والحنظل الأليف ، وزهرة الصندل ، والتي سبق لنا أن عبرنا فضاءاتها " الحلبية " المميزة ، فبدا من الصعب أن تنضم " بيت الخلد " إلى فضاء شقيقاتها السابقات ، لعدة أسباب ، سنأتي على إدراج بعضها لاحقا ..

ومنذ البداية ، وضع الكاتب البلاد كلها تحت رحمة " الظلام " .. حين هاجر سكان القرى إلى المدن ، هربا من " ظلام التخلف " ، وعاشوا في الأحياء القديمة من المدينة في " ظلام التقدم " ..

ولأن حلب ، المدينة العتيقة القديمة ، " متعِبة " ، فإن قاطنيها يحلمون بـ " جديد له نكهة التاريخ " ، يربط الماضي بالحاضر ، وتستعيد الحياة رونق الألق الذي مرت به المدينة عبر أمجاد تليدة دَرَسَت ، وبقي منها " طاسة تقدِّم لك ماءَ الظلم والمحبة ، فترويك في الحالين " ..

" فالبطل ، صحفي ، مقهور ، مضطهَد ، فقير ، متزوج من امرأة لا تنجب ، ثم أحبَّ امرأة أخرى ، " مدرِّسة فلسفة " ، لكنه غاب فجأة ، ومات قبل أن يبوح لها بحبه ، ولرقـَّته ، لم " يخلـِّفْ ظلا على إسفلت المدينة المتوهج " ..

" أكثم الحلبي : بطل الرواية ، له معاناته الوظيفية والاجتماعية ، وقد وُجدَتْ " سراب " في الرواية كي تستجلي لنا شخصية أكثم ، وتوضح وتفسر تصرفاته وأقواله على طريقة : " الراوية " لدى الشعراء ..

" وهو ريفي هادئ ، عادي البنية ، متماسك الخطوات ، ليس فيه خشونة أهل الريف .. أسمر ، ذو نظارات طبية ، عمِل فلاحا ، ثم راعيا ، فإسكافيا ، فصحافيا !!!

" وخرج من القرية شبه أمي ، يحفظ بعض القرآن الكريم ، ثم تعلم في خان أثري من خانات حلب .. ماتت أمه أثناء ولادته ، ومات جده عندما كان صغيرا ..

ويعيد الكاتب الاعتبار لبطله ، فيواسيه : " كان فلاحا سحَرَته المدينة ، ثم ما لبث إن صار إحدى ضحاياها " ، وهذا الفلاح " لم يُخلق ليعيش زمن المدن الحديثة ، لأن النقاء الذي بداخله ، لم تلوثه قذارات المدينة " ، ولذلك ، فقد انتهى البطل من " المدينة " ، بنفس الدهشة التي دخل إليها ..

ولو أن هذه الشخصية غنية ومتعددة الوجوه بتطوراتها ، إلا أننا لن نقف عندها ، وسنكتفي برصد ملامحها الدرامية ، لاستكشاف البيئة العامة زمنيا ومكانيا ، خاصة بعد موته المأساوي في حريق بيته ..

وإذا انتقلنا إلى المهم هنا ، فهذه أول رواية لوليد إخلاصي يتطرق فيها إلى " ذِكر " القرية ، ويستحضر منها " بطلا لروايته " ينتمي إلى فقرائها ، لكنه أسماه " أكثم الحلبي " ..

أما الشخصيات الأخرى ، فهي :

قمر : زوجة أكثم ..

سراب : " الحلم والواقع " ، نرجسية العلاقة مع أكثم .

نمر الكلسي : رجل مخابرات ، فسجّان ، فسمسار ..

أحمد المرعي : وجيه في القرية

المحقق .

☼☼☼

حلب في الرواية ، لم أعرفها، ولا يمكن أن يعرفها أحد آخر ، كأنها ليست حلب الكاتب ، ولا حلبي ، ولا حلب التاريخ ، ولا الجغرافية ، ولا الماضي ، ولا الحاضر ..

حلب التي نعرفها ، تحتضن أبناءها ـ ونحن أبناؤها ـ بمحبة وود وألفة .. أما هذه ، فإنها تختبئ وتحتجب وتتستر منا وكأننا غرباء عنها ، محرّمون عليها ..

إنها كالماء الصالح للشرب : بلا نكهة ولا لون ولا طعم ولا رائحة ..

فلو استبدلنا باسمها أي اسم آخر ، لما تغير شيء في الفضاء ، كون الملامح الموصوفة تنطبق على أكثر من مكان ، ولا يختص شيء منها بـ " حلب " ..

ولم تبرز حلب ، تلك " المعشوقة الجميلة " التي يتغنى بها عاشقوها ، ويتبارون في كسب ودّها ولثم أظافر قدميها حبا بها واعترافا بجميلها ، ولم أشعر أن حلب هي مسرح الأحداث في الرواية ..

كما لم يستطع الكاتب أن يجعلنا نتأثر ، سلبا أو إيجابا " بالفضاء " الريفي الجديد " ، رغم سعيه لدمجه في الحياة اليومية عبر البطل والشخصيات الأخرى ..

فلا استمتعنا بحلب ، ولا تعاطفنا مع الريف ..

وقد بدا الصراع فيها هشا ، مسكونا بلغة هي أقرب إلى " المنشور السياسي المتأدب منه إلى " العمل الروائي " ، رغم أن هذه الرواية تقع ـ زمنيا ـ بعد عدد كبير من الأعمال الروائية والقصصية والدراسات التي أصدرها الكاتب .. بمعنى : لم تكن هذه الرواية باكورة إنتاجه ، كي نتسامح معه في مجرياتها ومقاصدها وحبكتها وأحداثها وطروحاتها الفكرية ..

وفوق ذلك ، فالرواية " ساذجة " بسذاجةِ ووهن الأسباب التي أدت إلى ارتكاب جريمتها ـ الحدث " الواضحة " الخالية من التعقيد المثير ، المثقلة بالدوافع الباردة الباهتة الهزيلة ، فكانت أضعف من أن تدفع أيا كان لارتكاب جريمة ما ..

وجاء " سرّ " ارتكابها واضحا جدا ، ولا يحيرك طريقُ الوصول إليه أبدا ..

☼☼☼

ربما يكون بعض تلك الملاحظات قاسيا في الحكم على عمل روائي كهذا ، بعد اثني عشر عاما على صدوره .. (( صدرت الرواية عام 1982 ، وكتب المقال عام 1994 )) ..

لكن ، يسقط هذا الرأي إذا عرفنا أن هذه الرواية تحمل الرقم (22) في تسلسل الأعمال المنشورة للكاتب حتى حينه ، كما أن الفاصل الزمني بين صدورها ودراستها ، لا يمثل عبئا على الرواية ، وثمة كثير جدا من الأعمال التي تدرَس بعد مئات السنين دون أن ينتقص ذلك من قيمتها ومكنوناتها .. وربما العكس هو الغالب أحيانا ..

فالخـُلد الأعمى ، ترك انطباعا واضحا على تسلسل الأحداث و " صراعاتها " ، وكأنها تجري بين مجموعة من " الخـُلدان " ..

وإن كانت رجاء طايع ترى أن رواية بيت الخلد : " بنية ديناميكية تستمد شرعيتها الوجودية من نجاح الكاتب في السيطرة على البعد السردي والإيقاعي " .

(( جريدة تشرين ، دمشق العدد 2537 تاريخ 02/05/1983 )) .

لكني أخالفها الرأي ، وحتى إن كانت هذه ميزة ، فهي في أحسن حالاتها : سلاح ذو حدين ..

1994

الأحد ـ 05/06/2011

" مرة أخرى ، تتزامن مساوئ الصُّدف في ذكرى يوم كهذا " ..

الثلاثاء، 31 مايو 2011

فضاءات حلبية في الحنظل الأليف

فضاءات حلبية في الحنظل الأليف

" حاولت أن أعود بخيالي إلى الغابة ، أن أستعيد الجنة ، فلم أستطع .. يا للحفرة التي وقعت فيها !!

" الغابة ورائي ، والمدينة أمامي ، فأين المفر " ؟!

ما الذي يجمع بين هذه الأشياء سوى مكان واحد ..

اسمه : حلب ..

فـ " في الشارع تنفسْتُ النور ، والنور يعني : الغابة .. والغابة : حرية " ..

و " الغابة ، هي الجنة ، هي غابتي الجميلة ، هي حديقتي ، هي الحفرة " ..

"" مقاطع من الرواية ص 54 و 114 ""

☼☼☼

في الترتيب الزمني ، تأتي هذه الرواية رابعة في إصدارات الكاتب وليد إخلاصي .. وقد صدرت عن دار الكرمل / دمشق 1980 ..

وهي الرواية الأولى التي تتخذ من مدينة حلب " فضاء " واضحا وصريحا لها ..

ومن اللحظة الأولى ، يحس القارئ أنه أمام رواية تتجاوز سابقاتها ، وتعطي انطباعا بقوة ومتانة البناء الدرامي فيها من خلال شخصيات تنبض بالحياة ، وتعيش معنا ، وتتنقل ، وتحب وتكره .. وتأكل وتشرب ..

إنها ببساطة رواية تقتطع جزءا من الحياة والناس ، وتضعهم تحت المجهر تارة ، وتحت المبضع تارة أخرى ، كي تبدو الأحداث بحجمها ، وبتفاصيلها ..

وكما في معظم روايات وأعمال الكاتب ، تنتمي شخصيات أبطاله إلى الطبقة المتوسطة من المجتمع ، وإن غلب عليها سيطرة المتعلمين بكافة فئاتهم ..

فنجد شخصيات : كالرسام والمدير والشاعر والمعلم والمثقف والنحات ..

وهنا نلاحظ للمرة الأولى ، تسمية الأبطال بأسماء مسبوقة بـ " ألـ " التعريف ، على غير ما جاءت مجردة منها في الروايات السابقة ، في محاولة لتأصيل الشخوص ، وانتمائها إلى المكان المعروف والمحدد ..

وفي هذا إيحاء إلى أن هذه الشخصيات صارت جزءا مهمّا من مجتمعها ، وبات لها الدور الحقيقي في قيادة المرحلة ، وتقع عليها مسؤولية التنوير والتثوير فيه ..

أما " ليلى " بطلة الرواية ، فكأنها الحقيقة الحية التي لا تموت .. فهي بطلة " شتاء البحر اليابس " الرواية الأولى التي صدرت عام 1965 ..

و " ليلى " هي البطلة في هذه الرواية ، وتمتد بطولتها إلى رواياتٍ صدرت فيما بعد ، لتصل إلى روايتي : زهرة الصندل 1981 ، وملحمة القتل الصغرى 1993 ..

فعلى امتداد قرابة ثلاثين عاما من الرواية والقص ، تداخلت الأحداث وتشابكت معها صورة " ليلى " ورمزية اسمها ودلالات التمسك به ، وإيحاءاته ، لتأخذ ليلى حيزا واسعا من الروايات وصراعاتها ، ولتبقى البطلة في كل الأزمان والفضاءات الحلبية المتقنة الصنع والرسم والتلوين ..

وقد اتخذ الراوي من تلك الفضاءات مجالا حيويا يتحرك فيه الأبطال ضمن سيرورة الزمنين : الحياتي ، والروائي ، بدءا من أقبية السجن الحديث وأسواره ، إلى الدار الحلبية القديمة التي " تداعى بابها فجأة " ، ومع ذلك ، سعى " المعلم " المغرَم بالتاريخ ، لحفظها من الانهيار عبر تسجيلها لصالح الآثار في المدينة ، بغية ترميمها والحفاظ عليها ، لما تمثله من مكان تجتمع فيه ثلاثة أجيال ، فيما يطل الجيل الرابع برأسه بعد وقت قصير ..

وإذ يتنقل الكاتب بين أحياء مدينة حلب ، فهو يميز مستوياتها الشعبية والمتوسطة والأرستقراطية ..

فمن مأواه في بيت " في منطقة شبه مهجورة " ، يذهب للتعليم في مدرسة تقع في حي " الكلاسة " ، وهو وإن كان حيا شعبيا ، لكنه يتقدم على كثير من الأحياء ، كونه يشكل نقلة نوعية بينه وبين " منطقة شبه مهجورة " ، كما يعد همزة الوصل التي تصل بينه وبين حي المحافظة الأرستقراطي ، الذي يقع فيه قصر الحاكم / المحافظ ، والكثير من الأبنية الجديدة الراقية ، والشوارع النظيفة الأنيقة المشجّرة والمضاءة ليلا ..

ولكي تعكس الرواية صراعات الحياة ، لا بد من وجود شرائح فيها وعينات ، تمثل الواقع وتحاكيه ، ليكون الكاتب " شاهدا حقيقيا على عصره " كما يحب أن يعرّف نفسه ..

من هنا ، تكتسب شخصيات الرواية أبعادا إنسانية هي من صميم المجتمع وأبنائه بكافة أطيافهم وانتماءاتهم ..

كما تتحرك الأمكنة في الرواية لترصد التحولات الاجتماعية التي تتنامى مع تطور الحياة الاقتصادية ودور الدولة في توجيهها وقيادتها ..

لذلك ، فإن الكاتب يستنكر " هدم الجغرافية من أجل التاريخ " ص 21 .

ويصور " آدم " مكان سكنه قائلا : " غرفتي المطلة على حوش عربي ، تسكن غرفَهُ عائلتان متنافستان على البئر ، وعلى ثمار أشجار البرتقال الضامر " ..

ومع ذلك الفضاء المشحون المتأجج ، لا ينسى التفكير في " القلعة المبنية على شبكة من الممرات السرية " ص 40 ، وهي التي " تغوص في حفرة " هي الخندق المحيط بالقلعة ، فيطالب " بملئه بالماء وإلقاء ألواح البوظ لتسبح فيه " ص 6 ..

ولأن المكان ، حلب ـ حلم ، فإن الكاتب يرى أن " تجار البناء والسماسرة يحبطون كل حلم " ص 42 ..

وهم الذين " سيهدمون التاريخ ويخربونه ، وهم القوى الفاعلة الذين لن يتوانوا عن تقديم كل شيء في سبيل منافعهم ومصالحهم " ص 43 ..

ولأن الوطن الكبير ليس لـ " آدم " ، فهو يكفيه " وطنه الصغير " ص 45 ، الذي يتسع لأحلامه وآماله ، رغم قلقه الدائم وتشوشه واضطرابه وضياعه ..

أما " عاشق المدينة " و " الذي أحبَّ المدينة حتى الوَله " فهو " خير الدين الأسدي " الذي " يقبع في المغارة الكبرى ، وقد تكرسح في السرداب ، وقعد " ، متسائلا :

" ما الذي يجب ألا يموت ؟؟ " ويجيب :

" المدن الجميلة ، والزمن الموجود .. العلم والخير .. الرغبة في اكتشاف المجهول ، لا تموت " ..

ومع أن " حمض الزمن يذيب كل شيء ، لكن لا شيء يضيع ، فالتراب مخزن أمين " ..

إنها المدينة كلها تصبح مغارة كبرى حين تطل عليها من جبل الجوشن الرابض غربها ، وكأنه نظير ومعادل للقلعة التي في شرقها ، وبينهما ، وعند أقدامهما ، تبدو المدينة مغارة حقيقية ملأى بالأشجار والبيوت الواطئة والبساتين والأراضي الجرد اليابسة ، يتصاعد منها الغبار مع هبات الصيف الجافة ، ويتعثر في جلبابها نهر قويق وهو يمر طينيا حينا ، وآسنا أسود أحيانا أخرى ..

☼☼☼

يتحرك الأبطال " النمطيون " في المدينة وبيوتها ، ويتنقلون بين الحواري والأزقة كأنهم المخلوقات الأزلية فيها ..

وقد ألمح الكاتب إلى التشابه بين بطلها : آدم ، والأسدي . ص 46

لكن ، للبطل صفات أكثر : فهو عابث ، وحالم ، وخالق كالرّسام ، وفيه شيء من تشويش وقلق حياتي .. وهو محسود على قدرته في خلق خيالات ساحرة ينتفع منها في تسويغ " هذه الحياة الفقيرة " ، معترفا بأن التاريخ المظلم يثير فيه نوازع البحث عن الحقيقة في ضوء الحاضر المنير ..

ومن خلال القبو الذي يعيش فيه الأسدي / أو البطل آدم يصف القصور التي تنتشر في المنطقة الغربية من المدينة ، لكنه يرى القصر " كالقفص للعصفور " ، لأنه : " لا جنة بلا بشر " ..

وإذ يلتقي البطل بـ " عزّة " ، فيخاطبها :

" وجودُكِ أنساني عذابَ الفراق لغابتي " ..

" عزة : هي غابتي الآن " ..

لقد تأنسن المكان في عزة ، فاكتملت الدائرة الإنسانية والطبيعية في هذا الاتحاد بينهما ، لكن البطل سرعان ما ضاق بالغابة وعزة معا ، متأثرا بالقلق الدائم ، قائلا :

" بل أريد أن أعود إلى حديقتي " ..

إذن ، ومع تعدد الأمكنة التي تستوعب أبطال الرواية وشخصياتها الاعتبارية كـ " القلعة والأسدي " ، يستعد الكاتب لـ " يُفلـِّيَ رأس الزمن من حشرات الملل والمسؤولية " في رحلة الغوص في الفضاءات التي عشقها ، وحمَلنا على عشقها والسير وراءه حتى الثمالة ..

إنها " حلب " وليد إخلاصي ، وحنظله الأليف ..

إنها : جنة وحفرة ومغارة وقبو وسرداب وسور وكوخ وغابة وقلعة وخندق وسوق وحديقة وقصر ..

وهي أيضا : ليلى وآدم وعزة والأسدي والمعلم وأبو خالد ..

وفي النهاية يتساءل آدم :

" هل تعلمون لِمَ هرَبْتُ من المدينة ؟ لأنها سُوِّرَت .. وليس لي رغبة في العودة إلى المدن ..

طال هجري لها ، فنسيتها ونسيتني .. أبحث عن عزاء لخشونة المدن المتوقعة ، لأن إقامتي في حفرة المدينة ، ستمتد طويلا " ..

☼☼☼

ملحق عن " تكوين رواية : الحنظل الأليف " :

من مقابلة خاصة مع كاتبها في حلب عام 1993 يتحدث فيها عن المرحوم " خير الدين الأسدي " ..

قال وليد إخلاصي :

" فكرت في الرواية بعد أن انتهيت من كتابتها ..

" وأنا شاب صغير ، كنت أعرف ( خير الدين الأسدي ) ، أعرفه عن بعد .. فهو مدرّس ، لكنه لم يدرّسْني ، وهو بالنسبة لي ، شخصية مثيرة للتفكير ..

"وأول عمل أثار انتباهنا ، هو كتابه ( أغاني القبة ) ، تلك الغنائية الصوتية الجميلة ..

{ ولم يكن كتابه : ( موسوعة حلب المقارنة ) أقل أهمية من أغاني القبة . " هذه ملاحظة مني " }

" وقد قام الأسدي بمحاولات لسبر غور بعض مغاور منطقة " التلة السوداء " في حلب .. لأنه يعتقد : أن الإنسان الأول كان موجودا في حلب .. في المغاور ، وفي المنطقة الكلسية الصالحة للحفر بأدوات أولية ..

" وفعلا ، حاول الأسدي أكثر من مرة ، ووصل إلى مسافات عميقة ، وأصيب بشبه اختناق ، وأخرجوه

بقيت الحادثة في ذهني سنين طويلة .. "

" إذا أردنا أن نقوم بحفريات في المدينة ، فسنكتشف حقائق .. لكن الحفريات في عمق الإنسان ، هي مهمة الكاتب ..

" والشرارة الأولى التي جعلتني أبدأ في الرواية ، اندلعت حين شاهدت " فاتح المدرس " صدفة في دمشق ، ودعاني إلى بيته ..

كان بيته تحت الأرض .. وهو بيته ومرسمه ، وكنا خمسة أو ستة أشخاص ، الجلسة كانت حميمة ، وهناك هذر ثقافي ، وشكوى سياسية .. اختلطت الأمور ببعضها ، ولكن كانت ليلة جميلة ..

" أثرت تلك السهرة بي ، بعد عودتي إلى حلب ..

" ابتدأتُ بلا شعوري أكتب عن هذه الجلسة ، ونبتت ـ فجأة ـ الفكرة ..

" وشخصية الأسدي ، بالرغم من عدم حضورها القوي في الرواية ، كانت هي الباعث الأساسي للتفكير في البنية التحتية للحياة والمجتمع ..

" وعندما أصبحتُ صديقا للأسدي في أسلوبه العلمي ، في تحرّي الحقيقة ، وراء الظاهر ، لعب دورا أيضا في تفكيري أنا ..

" هذه الحادثة تمّت قبل أن أكتبَ الحنظل الأليف بمدة طويلة ..

" قد أكون أنا أحمّل الأسدي أكثر من حقيقته ..

1994

الثلاثاء ـ 31/05/2011