إن المتتبع للشأن اللبناني منذ اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري ، إلى اليوم ، يتملكه العجب ، من تقلب الأحوال السياسية العامة ، وتفاعلات ذلك الحدث الجلل ، الذي أريد له إحداث تغيير جيوـ سياسي في المنطقة ، خدمة للمصالح الأمريكية ، التي وُجدتْ لتخدم ـ بالأساس ـ المصالح الصهيونية ..
ومَكمَن العجب : أنه ، وبعد أكثر من أربع سنوات ، من الاتهام الموجه لسوريا ، يتغير فجأة مؤشر بوصلة الاتهام ، من سوريا ، إلى حزب الله .. على مبدأ : " خذْ من جيبك ، وضعْ في عبّك " ..
بمعنى : كانت سورية هي المستهدفة أولا ، وهي المتهم الأول والرئيسي في اغتيال الحريري ، وكل دلائلهم تؤدي إلى هذه النتيجة ، بدءا بشهود الزور ، وبما توافقوا على ادعائه من تهديدات وجهها الرئيس الأسد للحريري في آخر زيارة له لدمشق قبل اغتياله ..
وبعد أن تقر المحكمة الدولية وتعترف بمزاعمهم ، وتصدر حكمها ، يلجأ مجلس الأمن إلى البند السابع ـ الذي أنشئت المحكمة على أساسه ـ لتنفيذ الحكم ..
وتاليًا ، يأتي دور حزب الله ، بعد أن يكون حكم المحكمة قد فعل فعله بسورية ونظامها السياسي ..
أما الآن ـ وبعدما فشلوا في إثبات أي تهمة بسوريا ـ فقد انعكس المخطط ، بحيث يوجهون الاتهام ، لعناصر من حزب الله ، بهدف استكمال المشروع الأمريكي المعروف " بتشويه صورة حزب الله في لبنان والمنطقة " والذي أنفقت أمريكا فيه أكثر من نصف مليار دولار .. فإذا ما تم توجيه الاتهام ، تكون إشارة البدء بالفتنة ، قد أطلقت في الشارع اللبناني .. ويكون اندلاع الفتنة ، هدفا أمريكيا ـ صهيونيا ، يلهب لبنان ، ويضعِف حزب الله ، ويُفقِده مشروعيته السياسية المقاومة ، ويجبره على توجيه سلاحه لمن يستهدفه ويتربص به ، وبالتالي ، تنشغل سوريا بمحاولة إطفاء هذا الحريق الذي لا يعرف أحد أين سيصل ، ومتى سينتهي ..
لقد راهنت "إسرائيل" ـ وما زالت ، وستبقى دوما ـ على فتنة داخلية في لبنان ، يوم انهزم جيش باراك من الجنوب اللبناني فجأة عام 2000 ، وكان حزب الله واعيا لهذه المؤامرة ، فاستطاع أن يتجنب الوقوع فيها ، ونجا لبنان من الفتنة ..
ثم راهنت أمريكا و"إسرائيل" على الفتنة ، بعد اغتيال الحريري .. وخروج الجيش السوري من لبنان ، ومرة ثانية ، تجنب حزب الله الوقوع في الشرك ، وثانية ، نجا لبنان من الفتنة ..
ثم كان عدوان "إسرئيل" مدعوما من عرب أمريكا ، على لبنان عام 2006 لضرب حزب الله ، وأسر قائده ، بعدما جهزوا له مكان الاعتقال .. وراهن المعتدي على انقلاب الشارع اللبناني على المقاومة ، بعدما دمروا له كل ما أمكنه تدميره ، لكن النتيجة كانت عكسية تماما ، وخرج الحزب من العدوان أكثر قوة وصلابة ، وجماهيرية ، وثالثة ، نجا لبنان من الفتنة ..
ثم كانت مفاعيل قرارات حكومة السنيورة ، التي تقدمت بشكوى إلى مجلس الأمن ضد شبكة اتصالات حزب الله في لبنان ، مما نتج عنه أحداث ما عُرف ب " السابع من أيار " ، وقد كادت الفتنة تدمر لبنان ، لولا تعقل العقلاء ، والاستدراك في اللحظة الحاسمة ، وتدخل قطر ، لعقد مؤتمر الدوحة ، الذي اتفق فيه اللبنانيون على انتخاب رئيس للجمهورية ، ثم الانتخابات النيابية ، وحكومة وحدة وطنية .. ورابعة ، نجا لبنان من الفتنة ..
ثم كان العدوان الصهيوني على غزة ، ومحاولة تقليم أظافر الحلقة المقاومة الأضعف في المنطقة العربية ـ حسب رأيهم ـ لكن السحر انقلب على الساحر ، وفشلت "إسرائيل" في تحقيق أي هدف من أهداف عدوانها ، لا ، بل كسبت القضية الفلسطينية تعاطفا دوليا أكبر مع غزة وشعبها المحاصر ، ومقاومتها ، وندد العام كله بالعدوان الصهيوني ، وبقيت غزة صامدة بشعبها ومقاومتها وحكومتها المُقالة ..
كل هذه المؤامرات التي حيكت في لبنان والمنطقة ، كانت تستهدف حزب الله ، لا لشيء ، إلا لأنه يحارب الكيان الصهيوني ، ويعاديه ، ولا يقبل بالحلول الاستسلامية ، ولا بالاستسلام للإرادة الأمريكية ..
وبعد كل ذلك ، لجأت أمريكا من جديد ، إلى سلاح المحكمة الدولية ، تسلطه على رقبة حزب الله ..
فهي لم تنل شيئا من سوريا رغم كل الضغوط التي مورست على سوريا ، حصارا وعزلة وتهديدا ..
فأدركت ـ متأخرة ـ أنه لا يمكنها أن تأخذ من هذا العش أي عصفور .. فلماذا لا تبحث عن عش في مكان آخر ، تأخذ منه ما تشاء ، ولاسيما أن لها في ذلك مَنْ يعينها ويساعدها ، بعد أن مهّدت الطريق بمئات الملايين من الدولارات ؟؟
وهكذا كانت مجريات القرار الظني الذي أبلغه ـ سلفا ـ الحريري شخصيا ، للسيد حسن نصر الله ، ومفاده : أن القرار الظني سيصدر باتهام عناصر " غير منضبطة " من حزب الله ..
وهذا الحريري ، الذي مازالت ساقاه معلقتين على ضفتين متباعدتين ، واقع بين سندان التضليل ، ومطرقة " ما مننسى والسما زرقا " ، فقد اعترف بوجود شهود الزور ، ويرفض أن يستجيب لطلبات محاكمتهم ، لأنه يعرف أن فتح هذا الملف ، سيجر رقاب كثيرين ممن حوله إلى المحاكم ، رغم أنهم ما كانوا إلا " وحَْيًا يُوحَى " ..
وفي خضم هذه التجاذبات ، جاءت مذكرات الدعوة السورية ، لتطال 33 شخصا ممن ادعى عليهم اللواء جميل السيد أمام المحاكم السورية ، ومعظم هؤلاء ، هم من الفريق المحيط بالحريري ، الذين طبخوا له كل هذه الطبخات القذرة ، حتى شاطت واحترقت وفاحت رائحتها الكريهة ، فسمّمت الأجواء اللبنانية كلها ..
ما هي تداعيات القرار الظني ، على الداخل اللبناني ؟؟
إن متابعة بسيطة للقنوات الفضائية اللبنانية ، وحواراتها السياسية المباشرة ، ونشرات أخبارها ، على مختلف توجهاتها ، وانتماءاتها ، السياسية والطائفية والمذهبية ، توحي بأن الوضع في لبنان بات على شفير هاوية الفتنة ، دق الرئيس الأسد ناقوس خطرها قائلا : سوريا قلقة مما يحدث الآن في لبنان ، ثم أكده وزير الخارجية السوري ، وأكدته أمريكا بتوجيه نصيحة لمواطنيها بعدم السفر إلى لبنان ..
فهل سيستطيع حزب الله تجنب الفتنة هذه المرة ؟؟
إن نجاح الحلف المقاوم في صد الهجمة الأمريكية الصهيونية عليه ، والخروج منها بأقل الخسائر ، ثم الانقضاض على المشروع الأمريكي ، وتحجيمه في المنطقة ، كفيل بالتصدي مرة أخرى ، لو كان العدوان خارجيا ، لكن لا يمكنه الآن التصدي لها ، لأن الأعداء في الداخل ، أوجدوهم بالدولار وبالمحكمة الدولية ، وها هم يحركونهم باتجاه فتنة بشعة ، لا تستطيع سوريا أن تفعل شيئا لتجنب الوقوع فيها ، وهي التي خرجت من لبنان بفعل المؤامرة الأصلية التي استهدفتها منذ اغتيال الحريري ، بعد أن وقفت ضد قرار غزو العراق ، وبعد أن رفضت إملاءات وشروط " كولن باول " وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ..
إن مجريات الأحداث ، تؤكد سعي أمريكا والصهاينة ، لاستخدام المحكمة الدولية الخاصة ، صاعقا لتفجير لبنان ، والثأر من مقاومته الوطنية التي لم يستطيعوا النيل منها رغم كل مؤامراتهم ..
إن الوسيلة الوحيدة لتجنب الوقوع بالفتنة ـ الشرك ، تكمن في أمرين :
الأول : محاكمة شهود الزور ..
والثاني : إعلان الحريري ، عدم اعترافه بما سيصدر في القرار الظني .. لا لشيء ، إلا لأنه مسيّس مئة في المئة ، بدليل تحوله من اتهام سوريا ، إلى اتهام عناصر من حزب الله ..
وبذلك ، يكون قد حفظ دم أبيه من الضياع ، بضياع الحقيقة ، وجنبه تبعة فتنة أمريكية صهيونية ، وقى اللهُ لبنانَ وأهله من شرَّها ..
السبت ـ 09/10/2010
السبت، 9 أكتوبر 2010
الأربعاء، 6 أكتوبر 2010
يوم دخلنا الجامعة .. كانت حرب تشرين
يوم دخلنا الجامعة .. كانت حرب تشرين ..
ذلك الصباح المشمس ، لم يكن صباحا عاديا .. فقد أكل السهد عيوني طيلة الليل ، حتى رأيت خيوط الصباح الأولى ..
وقبل ذلك ، كنت جهزت نفسي على أكمل ما يرام ..
اشتريت ألبسة جديدة .. وحذاء جديدا .. وذهبت إلى الحلاق بعد الإفطار ، ( لأننا كنا في اليوم التاسع من رمضان ) فقص لي شعري بما يتناسب مع أهمية الحدث التاريخي ..
غدا ، سأذهب إلى الجامعة كطالب مستجد في السنة الأولى ، وفي جيبي مستند هام ، يؤكد ذلك ، فيما لو سألني أحد ، أو استفسر عن سبب وجودي في الكلية .. لقد كان إيصال دفع رسوم التسجيل ، الوثيقة التي تثبت أنني طالب في كلية الآداب .. وقد تأكدت من وجوده في محفظة جيبي بُعيد عودتي من عند الحلاق ..
ولأننا في شهر رمضان ، نسهر طويلا ، ونقضي شطرا من نهاره بالنوم ، فقد سهرت مع بعض كتبي حتى موعد السحور .. فأيقظت الأسرة ، وتسحرنا ، وأويت إلى السرير .. لكن كيف يأتي النومُ عيونا تنتظر صباحًا تشرينيا جديدا ، يتزامن مع اليوم الأول للدوام في الجامعة ..
لا ، بل الدوام في كلية الآداب بالتحديد ، التي هي واحة الجامعة ، وروضتها الغنّاء التي تهفو إليها نفوس وعقول جميع طلاب الكليات الأخرى ..
لم يغمض لي جفن .. تقلبت كثيرا في السرير ، لكن الحلم كان كبيرا جدا ، والطموح ليس أقل مساحة منه ..
وحين يئست من إمكانية النوم ، نهضت إلى غرفة المكتبة .. جلست إلى طاولتي .. حاولت أن أقرأ شيئا ، لعل النوم يعاجلني .. لكن ..لا شيء ينفع مع النفس التواقة لغد جديد كليا .. لمرحلة ستضع البنيان الأولي فوق الأساس الذي أمضيت وقتا طويلا في تثبيت أركانه ودعائمه .. فقد كنت شغوفا بالأدب عامة ، وبالشعر والرواية والقصة ، بشكل خاص .. وها هي الفرصة سنحت لي ، وبت قاب قوسين أو أدنى .. ساعات قليلة تفصلني عن تمثال زهير بن أبي سلمى ، الذي سبق لي أن وقفت في حياضه ، والتقط لي أحد زملائي صورة بجانبه ، ولم نكن سوى طلاب بلباس الفتوة ، الذي كان بمثابة اللباس الإلزامي لطلاب المرحلة الثانوية ..
فكيف وأنا الآن طالب نظامي في كلية الآداب ؟؟!!
كل من في البيت نائم ، إلاي .. فتحت المذياع ، استمعت إلى إذاعة دمشق ، وهي تبث موسيقا ناعمة ، أحبها ، قبل أن يبدأ البث بالنشيد العربي السوري ، تلاه القرآن الكريم ، ثم الحديث الديني الصباحي .. قدمه الشيخ عبد الستار السيد ، وزير الأوقاف .. استمعت إليه باهتمام ، وقد انتابني شعور ما ، لم أستطع البوح به حتى لنفسي ..
هل ما فهمته ، وأحسسْته من حديث الوزير صحيح ؟؟ هل كان يعني ما يقول ؟؟!!
استبعدت ذلك .. فهو وزير للأوقاف ، وليس وزيرا للدفاع .. ما شأنه بالحرب ، والاستعداد ، وأعدوا لهم ما استطعتم ، وبذل الغالي والرخيص في سبيل استرجاع الحق والأرض ، ومسح عار النكسة ، و.. و .. و ؟؟!!
استمعت الحديث كله ، فسمعت طبول الحرب تـُقرَع ..
لكن ، الآن ؟؟!! عندما وصلت اللقمة للفم ؟؟!!
أمضيت بقية الوقت ، أستعد للخروج .. حلقت شعر ذقني ، ومن عادتي ألا أحلقها عند الحلاق أبدا .. ثم أخذت حماما ساخنا ، ولبست ثيابي الجديدة ، ومشيت باتجاه أوتستراد سيف الدولة ، مارا ببيت صديقي " فهر" لنترافق إلى الجامعة .. لكنه سبقني ، وترك لي خبرا عند أمه ، أنه وأخويْه " غيث وبشر " سيوافونني إلى كلية الآداب ، لنذهب معا إلى بيتهم الجديد ..
أكملت طريقي بالحافلة إلى الجامعة .. لم أكن غريبا عنها ، لكني لست أحد أبنائها .. فهي في الطريق المباشر المؤدي إلى بيتنا .. وقد سبقني إليها كثير من زملائي وأصدقائي ، لأنني تأخرت عنهم في نيل الثانوية العامة .. أما الآن ، فأنا ابن شرعي لها .. وكدت أرى تمثال الشاعر زهير ، يستقبلني بمعلقته التي يحملها بذراع ممدودة إلى المستقبل الذي أهواه ، وأتمنى أن أجتاز مفاصله بنجاح ..
كانت الساعة لم تصل التاسعة صباحا .. وليس في أروقة الكلية سوى بعض العاملين الذين ينظفون ممراتها ، وأدراجها .. ففي رمضان ، يكون الدوام رسميا عند التاسعة ..
لم أجد أحدا ممن أتسلى معهم ، ريثما يتناهى إلينا موقف ما من إدارة الكلية .. وليس ثمة بوادر توحي بوجود دوام .. فلا برنامج ، ولا قاعات محددة للمحاضرات .. ولا شباب ولا صبايا .. ولا هم يحزنون ..
أين الناس ؟؟ ما بهم ؟؟ ألم تعلن وزارة التعليم العالي أن السادس من تشرين الأول/أكتوبر موعد بدء دوام الطلبة المستجدين في الجامعة ؟؟!!
بدأ موظفو الكلية بالحضور ، بوجوههم المنهكة ، وبخطواتهم البطيئة المتهالكة الكسلى .. دائما يكون دوام يوم السبت مزعجا للموظفين ، لأنه يأتي بعد عطلة الجمعة ، حيث يسترخون في بيوتهم ، ويسهرون .. حتى إذا خرجوا إلى دوامهم صباح السبت ، كانوا كمن يُساق إلى الأعمال الشاقة .. فكيف إذا أضيف إلى ذلك طقوس شهر رمضان ؟؟!! وهي متميزة جدا في مدينة حلب ، التي لا تنام ، لا في رمضان ، ولا في غيره ..
وحين دخلت ممر الإدارة لأسأل عن الدوام ، قوبلت بجواب هازئ من أحد الموظفين قائلا : شايف الجامعة في نومك !!
خرجت ، لكني لا أستطيع أن أغادر الكلية .. يجب أن أنتظر فهرا وأخويه .. فمضيت أتسكع ، وأتفحص الكتابات المنتشرة على جدران الممرات .. فشاهدت جارنا السابق أبا محمد ، يخرج من إحدى الغرف .. تلقاني الرجل بترحاب شديد ، حتى كادت أصابع كفي تنهرس في كفه القوية .. وفرحت به ، خاصة عندما أخبرني ـ بعد أن دخلنا غرفته ـ بأنه عامل في الكلية .. اعتذر عن إكرامي بفنجان قهوة بسبب رمضان الكريم ، فنحن جيران وأهل .. ومكانتي عنده لا تقل أبدا عن مكانة أخيه أحمد ، صديقي ..
ولما استأنسنا ببعضنا ، سألني ـ وهو ناصري الهوى ـ : ما الأخبار عندك ؟؟
حدثته بما سمعته اليوم صباحا من وزير الأوقاف .. وقلت له : أعتقد أن الحرب على الأبواب ، خاصة إذا ما ربطنا ذلك مع تصريحات سادات مصر ـ آنذاك ـ بالحسم ..
قال بيأس : لا يمكن لأحد أن يهزم إسرائيل ، إلا عبد الناصر .. وعبد الناصر مات .. فسوريا وحدها لن تحارب إسرائيل ، ومصر ليست بوارد الحرب .. إنها جعجعة ساداتية ..
اعتذرت منه لارتباطي بموعد ، وخرجت من بين أدواته وكراكيب غرفته ..
بدأت الحياة تدب في جوانب الكلية .. خليط عجيب غريب من الطلاب والطالبات .. إنها عينات من بيئات حلب المتنوعة ، ومن ريفها القريب والبعيد ، ومن المحافظات المجاورة ..
وكنت أظن نفسي أكثر الناس ابتهاجا بهذا اليوم ، فوجدت فرحا غامرا ، متوردا في الوجوه التي قابلتها ، وتفرست فيها أحيانا ، لأقول : سبحان الخلاق العظيم ..
لم يأت أصدقائي .. خرجت أبحث عن هاتف ، لأعرف مكانهم ، فوجدتهم في بيتهم الجديد ، وقد مروا على الكلية قبل قليل ، وأدركوا صعوبة أن يشاهدوني ، فسبقوني ..
في طريقي إليهم ، كنت أسترجع استهزاء الموظف بسؤالي ، وأتمنى في سري ألا تقوم الحرب عاجلا ، ريثما ننتظم في الدوام ، ونعرف قاعات المحاضرات والأساتذة وأسماء المواد ، وغير ذلك .. حتى إذا ما قامت الحرب ، وانتهت ، نعود إلى الكلية كطلاب قدامى ، وليس كمستجدين ، كما هو شأننا اليوم .. إذ لا يجب أن يكون ما بعد الحرب ، شبيها بما قبلها ..
وصلت إليهم ، البيت فارغ ، إلا من الهاتف .. فقط كانت غرفة الإخوة الثلاثة هي الوحيدة التي نقلوا أغراضها ، وكان كل منهم يرتب خزانة ملابسه ، وكتبه ، وأشياءه الخاصة .. فهم أبناء ضابط شرطة متقاعد ، وكان له من العز والجاه ما كان في سنوات خدمته التي وصل فيها إلى رتبة مقدم .. ثم عمل محاميا بعد التقاعد ..
كان الوقت يمر عاديا ، حين ضج البيت برنين الهاتف ، وصداه ، رد غيث .. صاح : أبوس ألله .. قامت الحرب .. ركضنا إليه .. أعطاني السماعة ، وبدأ يقفز بعيدا ، ويبوس ألله .. كانت أمه التي تتكلم ، أخبرتني بتفاصيل ما سمعت ، وخرجنا مسرعين ، أردد على مسامعهم ما قالته أمهم ..
ماذا أفعل في بيتنا ، ولم يكن عندنا تلفاز آنذاك .. ذهبت معهم إلى بيتهم .. شاهدنا الصور الأولى للحرب .. وسمعنا البلاغات .. وألح الأب أن يستبقيني معهم على مائدة الإفطار لنكمل أحاديثنا عما نشاهد ونسمع .. ولم يكن عندنا هاتف أيضا ، فاتصلت بجيراننا ، ليطمئنوا أهلي ..
كنا نتحدث ونأكل ونشرب وعيوننا مشدودة إلى التلفاز .. وحين نسمع صوت المذيع معلنا بلاغا عسكريا ، نتسمر ، حتى إذا ما انتهى ، تعالت صيحاتنا فرحا ، ونتقافز غير مصدقين .. طائرات العدو تتهاوى في الجبهتين .. والجيش المصري يدك خط بارليف ، ويستعد لعبور القناة ..
يا ألله !! أهذا صحيح ؟!!
من يدري ؟؟
وحين اقترب موعد السحور ، لم أعد قادرا على المشي إلى البيت الذي لا يبعد عن بيتهم أكثر من سبع دقائق مشيا ، فأوصلني أبو فهر بسيارته ، وقال لي وهو يودعني : غدا ، السهرة عندنا إن شاء الله .. يجب أن ترى مشاهد الحرب والطيران المتساقط كالذباب الموسمي .. تصبحون على خير ..
الأربعاء/06/تسرين الأول/أكتوبر/2010
ذلك الصباح المشمس ، لم يكن صباحا عاديا .. فقد أكل السهد عيوني طيلة الليل ، حتى رأيت خيوط الصباح الأولى ..
وقبل ذلك ، كنت جهزت نفسي على أكمل ما يرام ..
اشتريت ألبسة جديدة .. وحذاء جديدا .. وذهبت إلى الحلاق بعد الإفطار ، ( لأننا كنا في اليوم التاسع من رمضان ) فقص لي شعري بما يتناسب مع أهمية الحدث التاريخي ..
غدا ، سأذهب إلى الجامعة كطالب مستجد في السنة الأولى ، وفي جيبي مستند هام ، يؤكد ذلك ، فيما لو سألني أحد ، أو استفسر عن سبب وجودي في الكلية .. لقد كان إيصال دفع رسوم التسجيل ، الوثيقة التي تثبت أنني طالب في كلية الآداب .. وقد تأكدت من وجوده في محفظة جيبي بُعيد عودتي من عند الحلاق ..
ولأننا في شهر رمضان ، نسهر طويلا ، ونقضي شطرا من نهاره بالنوم ، فقد سهرت مع بعض كتبي حتى موعد السحور .. فأيقظت الأسرة ، وتسحرنا ، وأويت إلى السرير .. لكن كيف يأتي النومُ عيونا تنتظر صباحًا تشرينيا جديدا ، يتزامن مع اليوم الأول للدوام في الجامعة ..
لا ، بل الدوام في كلية الآداب بالتحديد ، التي هي واحة الجامعة ، وروضتها الغنّاء التي تهفو إليها نفوس وعقول جميع طلاب الكليات الأخرى ..
لم يغمض لي جفن .. تقلبت كثيرا في السرير ، لكن الحلم كان كبيرا جدا ، والطموح ليس أقل مساحة منه ..
وحين يئست من إمكانية النوم ، نهضت إلى غرفة المكتبة .. جلست إلى طاولتي .. حاولت أن أقرأ شيئا ، لعل النوم يعاجلني .. لكن ..لا شيء ينفع مع النفس التواقة لغد جديد كليا .. لمرحلة ستضع البنيان الأولي فوق الأساس الذي أمضيت وقتا طويلا في تثبيت أركانه ودعائمه .. فقد كنت شغوفا بالأدب عامة ، وبالشعر والرواية والقصة ، بشكل خاص .. وها هي الفرصة سنحت لي ، وبت قاب قوسين أو أدنى .. ساعات قليلة تفصلني عن تمثال زهير بن أبي سلمى ، الذي سبق لي أن وقفت في حياضه ، والتقط لي أحد زملائي صورة بجانبه ، ولم نكن سوى طلاب بلباس الفتوة ، الذي كان بمثابة اللباس الإلزامي لطلاب المرحلة الثانوية ..
فكيف وأنا الآن طالب نظامي في كلية الآداب ؟؟!!
كل من في البيت نائم ، إلاي .. فتحت المذياع ، استمعت إلى إذاعة دمشق ، وهي تبث موسيقا ناعمة ، أحبها ، قبل أن يبدأ البث بالنشيد العربي السوري ، تلاه القرآن الكريم ، ثم الحديث الديني الصباحي .. قدمه الشيخ عبد الستار السيد ، وزير الأوقاف .. استمعت إليه باهتمام ، وقد انتابني شعور ما ، لم أستطع البوح به حتى لنفسي ..
هل ما فهمته ، وأحسسْته من حديث الوزير صحيح ؟؟ هل كان يعني ما يقول ؟؟!!
استبعدت ذلك .. فهو وزير للأوقاف ، وليس وزيرا للدفاع .. ما شأنه بالحرب ، والاستعداد ، وأعدوا لهم ما استطعتم ، وبذل الغالي والرخيص في سبيل استرجاع الحق والأرض ، ومسح عار النكسة ، و.. و .. و ؟؟!!
استمعت الحديث كله ، فسمعت طبول الحرب تـُقرَع ..
لكن ، الآن ؟؟!! عندما وصلت اللقمة للفم ؟؟!!
أمضيت بقية الوقت ، أستعد للخروج .. حلقت شعر ذقني ، ومن عادتي ألا أحلقها عند الحلاق أبدا .. ثم أخذت حماما ساخنا ، ولبست ثيابي الجديدة ، ومشيت باتجاه أوتستراد سيف الدولة ، مارا ببيت صديقي " فهر" لنترافق إلى الجامعة .. لكنه سبقني ، وترك لي خبرا عند أمه ، أنه وأخويْه " غيث وبشر " سيوافونني إلى كلية الآداب ، لنذهب معا إلى بيتهم الجديد ..
أكملت طريقي بالحافلة إلى الجامعة .. لم أكن غريبا عنها ، لكني لست أحد أبنائها .. فهي في الطريق المباشر المؤدي إلى بيتنا .. وقد سبقني إليها كثير من زملائي وأصدقائي ، لأنني تأخرت عنهم في نيل الثانوية العامة .. أما الآن ، فأنا ابن شرعي لها .. وكدت أرى تمثال الشاعر زهير ، يستقبلني بمعلقته التي يحملها بذراع ممدودة إلى المستقبل الذي أهواه ، وأتمنى أن أجتاز مفاصله بنجاح ..
كانت الساعة لم تصل التاسعة صباحا .. وليس في أروقة الكلية سوى بعض العاملين الذين ينظفون ممراتها ، وأدراجها .. ففي رمضان ، يكون الدوام رسميا عند التاسعة ..
لم أجد أحدا ممن أتسلى معهم ، ريثما يتناهى إلينا موقف ما من إدارة الكلية .. وليس ثمة بوادر توحي بوجود دوام .. فلا برنامج ، ولا قاعات محددة للمحاضرات .. ولا شباب ولا صبايا .. ولا هم يحزنون ..
أين الناس ؟؟ ما بهم ؟؟ ألم تعلن وزارة التعليم العالي أن السادس من تشرين الأول/أكتوبر موعد بدء دوام الطلبة المستجدين في الجامعة ؟؟!!
بدأ موظفو الكلية بالحضور ، بوجوههم المنهكة ، وبخطواتهم البطيئة المتهالكة الكسلى .. دائما يكون دوام يوم السبت مزعجا للموظفين ، لأنه يأتي بعد عطلة الجمعة ، حيث يسترخون في بيوتهم ، ويسهرون .. حتى إذا خرجوا إلى دوامهم صباح السبت ، كانوا كمن يُساق إلى الأعمال الشاقة .. فكيف إذا أضيف إلى ذلك طقوس شهر رمضان ؟؟!! وهي متميزة جدا في مدينة حلب ، التي لا تنام ، لا في رمضان ، ولا في غيره ..
وحين دخلت ممر الإدارة لأسأل عن الدوام ، قوبلت بجواب هازئ من أحد الموظفين قائلا : شايف الجامعة في نومك !!
خرجت ، لكني لا أستطيع أن أغادر الكلية .. يجب أن أنتظر فهرا وأخويه .. فمضيت أتسكع ، وأتفحص الكتابات المنتشرة على جدران الممرات .. فشاهدت جارنا السابق أبا محمد ، يخرج من إحدى الغرف .. تلقاني الرجل بترحاب شديد ، حتى كادت أصابع كفي تنهرس في كفه القوية .. وفرحت به ، خاصة عندما أخبرني ـ بعد أن دخلنا غرفته ـ بأنه عامل في الكلية .. اعتذر عن إكرامي بفنجان قهوة بسبب رمضان الكريم ، فنحن جيران وأهل .. ومكانتي عنده لا تقل أبدا عن مكانة أخيه أحمد ، صديقي ..
ولما استأنسنا ببعضنا ، سألني ـ وهو ناصري الهوى ـ : ما الأخبار عندك ؟؟
حدثته بما سمعته اليوم صباحا من وزير الأوقاف .. وقلت له : أعتقد أن الحرب على الأبواب ، خاصة إذا ما ربطنا ذلك مع تصريحات سادات مصر ـ آنذاك ـ بالحسم ..
قال بيأس : لا يمكن لأحد أن يهزم إسرائيل ، إلا عبد الناصر .. وعبد الناصر مات .. فسوريا وحدها لن تحارب إسرائيل ، ومصر ليست بوارد الحرب .. إنها جعجعة ساداتية ..
اعتذرت منه لارتباطي بموعد ، وخرجت من بين أدواته وكراكيب غرفته ..
بدأت الحياة تدب في جوانب الكلية .. خليط عجيب غريب من الطلاب والطالبات .. إنها عينات من بيئات حلب المتنوعة ، ومن ريفها القريب والبعيد ، ومن المحافظات المجاورة ..
وكنت أظن نفسي أكثر الناس ابتهاجا بهذا اليوم ، فوجدت فرحا غامرا ، متوردا في الوجوه التي قابلتها ، وتفرست فيها أحيانا ، لأقول : سبحان الخلاق العظيم ..
لم يأت أصدقائي .. خرجت أبحث عن هاتف ، لأعرف مكانهم ، فوجدتهم في بيتهم الجديد ، وقد مروا على الكلية قبل قليل ، وأدركوا صعوبة أن يشاهدوني ، فسبقوني ..
في طريقي إليهم ، كنت أسترجع استهزاء الموظف بسؤالي ، وأتمنى في سري ألا تقوم الحرب عاجلا ، ريثما ننتظم في الدوام ، ونعرف قاعات المحاضرات والأساتذة وأسماء المواد ، وغير ذلك .. حتى إذا ما قامت الحرب ، وانتهت ، نعود إلى الكلية كطلاب قدامى ، وليس كمستجدين ، كما هو شأننا اليوم .. إذ لا يجب أن يكون ما بعد الحرب ، شبيها بما قبلها ..
وصلت إليهم ، البيت فارغ ، إلا من الهاتف .. فقط كانت غرفة الإخوة الثلاثة هي الوحيدة التي نقلوا أغراضها ، وكان كل منهم يرتب خزانة ملابسه ، وكتبه ، وأشياءه الخاصة .. فهم أبناء ضابط شرطة متقاعد ، وكان له من العز والجاه ما كان في سنوات خدمته التي وصل فيها إلى رتبة مقدم .. ثم عمل محاميا بعد التقاعد ..
كان الوقت يمر عاديا ، حين ضج البيت برنين الهاتف ، وصداه ، رد غيث .. صاح : أبوس ألله .. قامت الحرب .. ركضنا إليه .. أعطاني السماعة ، وبدأ يقفز بعيدا ، ويبوس ألله .. كانت أمه التي تتكلم ، أخبرتني بتفاصيل ما سمعت ، وخرجنا مسرعين ، أردد على مسامعهم ما قالته أمهم ..
ماذا أفعل في بيتنا ، ولم يكن عندنا تلفاز آنذاك .. ذهبت معهم إلى بيتهم .. شاهدنا الصور الأولى للحرب .. وسمعنا البلاغات .. وألح الأب أن يستبقيني معهم على مائدة الإفطار لنكمل أحاديثنا عما نشاهد ونسمع .. ولم يكن عندنا هاتف أيضا ، فاتصلت بجيراننا ، ليطمئنوا أهلي ..
كنا نتحدث ونأكل ونشرب وعيوننا مشدودة إلى التلفاز .. وحين نسمع صوت المذيع معلنا بلاغا عسكريا ، نتسمر ، حتى إذا ما انتهى ، تعالت صيحاتنا فرحا ، ونتقافز غير مصدقين .. طائرات العدو تتهاوى في الجبهتين .. والجيش المصري يدك خط بارليف ، ويستعد لعبور القناة ..
يا ألله !! أهذا صحيح ؟!!
من يدري ؟؟
وحين اقترب موعد السحور ، لم أعد قادرا على المشي إلى البيت الذي لا يبعد عن بيتهم أكثر من سبع دقائق مشيا ، فأوصلني أبو فهر بسيارته ، وقال لي وهو يودعني : غدا ، السهرة عندنا إن شاء الله .. يجب أن ترى مشاهد الحرب والطيران المتساقط كالذباب الموسمي .. تصبحون على خير ..
الأربعاء/06/تسرين الأول/أكتوبر/2010
الكاتب وليد إخلاصي .. لقاء خاص ـ 4 ـ النهاية
الساعة الرابعة والأخيرة :
حلب : 13/08/1993
قال :
أنا وقعت في فخ .. سألوني : من هو الروائي ؟؟ قلت لهم : هو الذي يمتلك اللغة الفنية التي توصل للآخرين .. سليم هذا الكلام .. ولكن .. ماذا يقص ؟؟ ماذا يروي لهم ؟؟ هذا هو السؤال ..
هناك الشيء الأساسي .. لي تقويم ساذج للقص .. ساذج جدا .. لكنه حكمي النقدي الذي أعتمد عليه ، ولا أصغي لأي مدرسة أدبية أخرى .. طبعا ، أحترم المدارس الأدبية ..
ما هو القصُّ ؟؟ له مقياسان : إذا أخذتَ رواية وسألتَني : ما هي روايتك الأخيرة ؟؟ فإذا استطعتُ أن أشد انتباهك لمدة عشر دقائق ، بملخص لها ، فهي رواية جيدة ..
ومقياس آخر : إذا كنتُ في اتحاد الكتاب ، وجئت إلى البيت ، فسألتني زوجتي أمام الضيوف : أين كنتَ يا أبا خالد ؟؟ أقول لهم : كنت في اتحاد الكتاب العرب .. يسألونني : ماذا جرى ؟؟ أقول لهم : كان هناك " سين " من الناس يقرأ قصة ..
ـ ما هي ؟؟ إذا لم أتذكر منها شيئا ، ولم أستطع أن أرويها ، فهي قصة فاشلة .. وإذا استطعتُ أن أعيدَ إنتاجها بلغتي الخاصة في وقت قصير ، فهي تحمل مقومات القصة ..
وبعدها ، يأتي الحكم الأخير .. ما هذه القصة ؟؟
تأتي هنا فنية القصة ..لكن ، القصة يجب أن تكون قصة .. قد تحبها ، وقد .... هذه نهاية حزينة .. هذه نهاية على الطريقة المصرية .. هذا أمر آخر ..
إنما القصة ، تستطيع أن ترويها .. وهذا ليس موجودا في الشعر .. ففي الشعر ، لا تستطيع إلا أن تعيده بحرفيته ..
فالموسيقا ، لا تستطيع إلا أن يكتمل العمل ككل دون قدرة على تجزئته .. لكن القصة مثل الدِّين .. يمكن أن تقوله على النحو التالي : الدِّين البوذي ، يحض على المصالحة مع الطبيعة .. أنتَ لخّصته .. ويأتي باحث آخر ، يرويه بشكل آخر .. تستطيع أن توجز المفهوم الديني ..
فإذا قلت مثلا : ما هو الإيمان ؟؟
أنا أقول : الإيمان هو : المراهنة على أن هنالك إلهًا خالقا واحدًا .. هذا رأيي ..
أنتَ تقول مثلا : لا .. الإيمان هو : الإيمان بالله وبملائكته وبكتبه .....
هذا الإيمان الإسلامي .. أنا قلت : الإيمان بشكل عام ..
يأتي آخر ، يقول : الإيمان : هو أن نعتبر أنّ القِوى العُلوية ، هي التي تتحكم في القوى السفلية ..
يعني هناك درجتان .. هناك قوى عُلوية ، وهناك قوى سفلية .. فهذا الشيء ، يمكن تلخيصه ..
ولكن ، كيف يمكن أن تلخص قصيدة ؟؟!!
لا يمكن .. لأنك تريد أن تستمتع بها كلمة كلمة ..
فالرواية ، أحد خصائصها ، هذا الشيء .. إذ يجب أن تمتلك القدرة أن تقدم نفسها بشكل موجز .. ولكن هذا لا يغنيك عن قراءة التفاصيل .. أنا لا أقول بإلغاء التفاصيل ..
ـ قلت : إن الرواية ، يجب أن تكون رواية ..
هل هناك مقاييس معينة ، يجب أن تتوفر في العمل الأدبي ، حتى يكون هذا العمل روائيا ؟؟ أو رواية ؟؟
أنا قلت : بشكلٍ ما .. الآن ، هناك اتجاهات في الوسط الأدبي ، قد يقول قائل : يجب أن أكتب رواية عن تاريخ المرحلة من الاستقلال ، إلى الآن ..
يجلس ، ويفكر .. هل أبدأ من إبراهيم هنانو ؟؟ أم من يوسف العظمة ؟؟ بعدها يقر القرار : من يوسف العظمة ..
يأتي من أصدقائه من يقول له : قبل أن تحكي عن يوسف العظمة ، ومعركته الحاسمة في ميسلون ، يجب أن تتكلم عن الأسس التي جعلت الفرنسيين يدخلون البلد .. وهذا الأمر يحتاج إلى الوثائق التاريخية الصحيحة .. فيذهب ليبحث عنها ، ويجمعها .. في النهاية : يستطيع أن يروي لك ، بواسطة إسقاطات على عائلة معينة ، أو حالة معينة ..
بالضبط ، مثل الآن .. إذا جاءني عقد للسعودية ، يقول لي : يا أخي اعمل لنا مسلسلا عن الوفاء .. حصَلتْ معي .. جاءني منتج ، وقدّمَ لي شيكا ، وقال : أريد قصة تدور أحداثها في المدينة المنورة .. وأريد فيها : كيت وكيت ..
أنا كنت بحاجة للمبلغ الذي عرضه عليّ .. فابتسمت وقلت له : أنا آسف جدا جدا ..
أولا : أنا لا أستطيع أن أفصّل , فأنا لسْتُ خيّاطا .. ولا أعرف متى ستولد معي الفكرة .. وعندما تولد الفكرة ، وتنمو ، ويشتد عودها ، فإن أعجبتْكم ، خذوها .. وإن لم تعجبكم ، لا تأخذوها ..
أنا لا أقدّم تلبية للوجدان ، لأني أنا الوجدان ..
مثال آخر : عمّمَ علينا وزير الثقافة السوري ، وكان الأستاذ فوزي الكيالي .. أهابَ فينا أن نكتب عن حرب تشرين .. بعدها ، استدعانا .. فلم أذهب ، ولم أكتب .. جاء إلى حلب ذات يوم ، اتصل بي ، وجلسنا مع بعضنا ..وقال : يا أخي ، ندفع المبلغ الذي تريد من أجل أن تكتب لنا عن حرب تشرين ، وستطبَع ، وتحَوَّل إلى مسلسل ، والمسلسل إلى فيلم .....
قلت له : يا أستاذ فوزي ، أنا لم أشارك في تشرين إلا عبر الراديو .. كيف سأكتب ؟؟!!
إن حَدَثا كهذا ، من الأحداث العظيمة ، إما أن يُكتَبَ عنها نبوءة ، أو يُكتب عنها بعد أن تكون شاركتَ فيها ، بعشرات السنين .. فالذي يُكتب الآن عن الحرب العالمية الثانية ، أهم بكثير مما كتب في حينها ..
السبب : أن الأفكار العظيمة ، مثل العجين .. إذا لم يتخمر ، لا يصير خبزا .. وهذا الشيء ، مهم .. كل رواية لها خميرتها ، تنضجها .. وهذه الخميرة ليست من صنع الكاتب ، وليست من تصميمه ، وليست وفق مخطط .. أنا لا أستطيع أن أقول : بسم الله الرحمن الرحيم .. نويت أن أكتب رواية في 26 فصلا ، تتناول هذه الرواية هموم أسرة حلبية ..
هموم الأسرة الحلبية ، ما هي ؟؟
البنت ستتوظف ، أو تتزوج .. والولد يدخل كلية الطب أو الزراعة .. والأب سيُحال للتقاعد .. هل سيجد عملا ؟؟...
( يوجد انقطاع في التسجيل )
نعود للتأكيد على فكرة : كيف تأتي فكرة الرواية ؟؟
طبعا .. أنا لا أقول : هذا قانون عام .. ممكن ، لكل كاتب طريقته .. لكن ، تولد الفكرة فجأة ..
فجأة ، بمعنى أي شيء ؟؟ بالضبط : تشبه الدّمَّل ..
ـ أستاذ وليد : كنا نتكلم عن هموم الأسرة الحلبية ..
نعود .. يأتي منْ يقول : هذه مشاكل ، أنا من الممكن أن أكتب رواية في أسبوع ، وأخص كل ليلة ، لكتابة ثلاثة فصول .. والتقسيم الهندسي ساعد كثيرا في تجزيء العمل ، وحبكته ، كما يحصل في المسلسلات ، أو غير ذلك ..
إذا كانت الفتاة ، تبحث عن الزواج ، فإن الأسرة تريد تزويجها من رجل غني ، لينقذ الأسرة من الفقر والمشاكل ..
لكنها تريد إنسانا فقيرا ، فيبدأ خط جديد بالبروز ، هو الصراع ما بين الحب والحاجة ، مثلا ..
هذه أشياء ، أنا لست ضدها .. لكن ، ليست هذه هي الرواية ..
أي حَدَثٍ يمكن أن يكون حكاية .. لكن ، ليست كل حكاية ، يمكن أن تكون رواية بالمعنى الفني ..
وهذا يعيدنا إلى حديث ، حكيناه من قبل :
إذا سجّلنا الواقع ، فهو ، بحدّ ذاته ، عمل خطير ..
فإذا وقف الإنسان في شبّاك بيته ، ورصد الشارع على مدى 24 ساعة ..
أنا مثلا ، يمكن أن أقيم علاقة قائمة ما بين الشخص المار صباحا ، وهو يدخن سيكارته ، ويمشي بتمهل وخيلاء في طريقه إلى وظيفته ، لكن قبل ساعة ، كان هناك شخص آخر ، يبحث في الزبالة ..
فأنا يمكن أن أتخيل العلاقة التي دفعت الشخص للزبالة ، والشخص الذي يمشي ، وهو سعيد ، وأنيق .. وبمرحلة ثالثة ، يمكن أن أربط بين الاثنين .. مثلا .. في النهاية هؤلاء أبناء عم .. أحدهما من أسرة ذات حالة مادية جيدة ، والآخر من أسرة فقيرة .. ثم أرجع إلى جدودهما .. أنا أستطيع أن أبنيَ علاقة معينة .. فهل هذه هي الرواية ؟؟!!
الرواية ، هي : كائن مخلوق لوحده .. هو الواقع ، غير مفصول عنه بأي حال من الأحوال ..
لا يمكن أن تخلق الرواية في الفضاء .. حتى إذا خُلِقتْ في الفضاء ، فالفضاء هو مكان له مواصفاته .. لنفرض : رواية في صاروخ .. يُطلق خارج الجاذبية الأرضية .. هذا مكان متحرك .. لكنه ، مكان له مواصفاته .. لماذا هذه الحادثة ، في هذا الصاروخ ؟؟
ما العلاقة التي قامت بين وهوب والمكان ؟؟ لستُ أنا الذي اخترعْتُه ..
هذا اسمه : مَنطِق الخَلق ..
الفلسفة ، أمَدّت الفن، والأديان بأشياء هامة جدا ..
نظرية آيزنهاور ، كان اسمها : ملء الفراغ ..هذه النظرية ، حتى في الفن .. ففي الفن ، لا يوجد ثغرة .. وإن وُجدَتْ ، فلأقلّ من ثانية فقط ، ثم تمتلئ .. إذا اعتبرت أنه في الكرة الأرضية ، يوجد فجوات .. فعند نزول المطر ، أين ينتهي ؟؟ في الفجوات .. هل يقف على قمم الجبال ؟؟!!
هذا الشيء بالنسبة للرواية .. أنا برأيي : ليس هناك من قانون للرواية .. لأن كل رواية ، تخلق قانونها ..
مثلا : من هو الراس في روايتي : باب الجمر ؟؟
هناك عشرات المسبِّبات ، لخلق الراس ..من هو الراس ؟؟ أنا عندما كنت صغيرا ، كنا نلعب في منطقة الأنصاري ، وكانت منطقة سيف الدولة وما حولها أرضا فسيحة ..
أنا أذكر ، بعد العتمة ، كنا نخاف أن ندخل مغارة ، لأنهم يقولون : فيها ضبع .. والضبع إذا شاهد أحدا ، يضبعه ، ويجره إلى المغارة .. فالمغارة ، شكلت عندي شيئا ، خصوصا ، عندما يحل الظلام ، مثل الثقب الأسود في الكون .. نظرية الثقب الأسود ، مدفن النجوم ..
حكى لي شخص صديق ، حكاية غريبة جدا ، منذ 25 عاما .. ظلت حتى بعد 15 سنة ، فولدت روايتي باب الجمر .. لكن الكهف ، لعب دور الضبع .. قال صديقي : إن أول حب له ، كان حبه لفتاة بدوية ، هي في الرابعة عشرة ، وهو في الثامنة عشرة ..
كان في نواحي الحسكة ، أو القامشلي ، ( أقصى شمال شرق سورية ) ، فجاءت قافلة من الناس ، وخيّمتْ خارج المدينة ، وكان هناك فتاة صغيرة جميلة ، لفتت نظره .. كانت واقفة جانب هودج ، فوق جمل نائم .. والبدو ، صريحون .. سألها : ما هذا الجَمال ؟؟ قالت : وأنت جميل أيضا .. المهم ، تبادلوا العواطف بسرعة ، وقالت له : سنرحل قريبا .. سألها : إلى أين ؟؟ قالت : في أرض الله الواسعة .. سنلحق المرعى .. سألها : ماذا يوجد في الهودج ؟؟ فرفضت أن تجيبه .. قبل رحيلهم ، وفي الأيام التالية ـ ولتبرهن له أنها أحبته كثيرا ـ قالت له : أنا لن أنساك ..
( هو يروي لي الحكاية بعد مرور حوالي 30 سنة عليها ) قالت له : هل تعرف أنت ما هو عملي هنا ؟؟ أنا أحرس جدَّنا .. أترى هذه القافلة المؤلفة من 100 جمل تقريبا ؟ جَدُّنا معنا .. سألها : أين جدُّكم ؟؟ فأدْخلتْه لثانيتين ، داخل الهودج ، حيث يوجد قفص مغطى ، كشفَتِ الغطاء ، فرأى هيكلا عظميا بشريا ، لم يبق منه سوى الرأس وبعض العظام الأخرى ، فخاف وابتعد ..
روى الحكاية لي ، وأخذتها من الناحية الميثولوجية : بأن الناس يحملون تراثهم معهم ، حتى الجد .. ولو كان ميتا ، لكنه محمول معهم ..
هذه الصورة ، حفرتْ بي سنوات ، حتى خطرتْ لي الحكاية التالية : أمِن المعقول أن يكون أحد أجدادنا ، من فلول الإنكشارية ، أو من فلول الجنود العثمانيين الذين هربوا وتوطنوا في حلب ؟؟
وفعلا .. هناك شخص هرب من بعض اللصوص ، وهم قادمون ، في طريقهم من الآستانة ، يسرقون القرى ، لأنهم أشاوس وأقوياء ، فجلبوا كنوزهم ، وخبأوها في أحد الكهوف المطلة على مدينة حلب .. وأقوى هؤلاء ، كان له رأس كبير جدا ، سمّوه ( الراس ) ، قتل كلَّ أعوانه ، وخبأ الكنوز ، ومضى يراقب المدينة لفترة طويلة .. ومع أنه مُلاحَق من الحكومة العثمانية ، إلا أنه استطاع ـ وبالمال ـ أن يتزوج أول زواج من إحدى كريمات زعيم السوق في المدينة .. بعدها صاهر أهل الريف ، ثم البدو ، ثم أغنياء طرابلس ، وأصبح شخصية مهمة ، وابتنى دارا ضخمة ، ما زالت قائمة إلى الآن .. وجاء من نسله خلق كثير ، وأحفاد ، وما زال حتى الآن حيا ، ولم يبق منه سوى رأسه ..
لاحظتَ كيف ولدت الأمور ؟؟
من الذي حكمَ المدينة الآن ؟؟ المحافظ الجديد الذي عُيِّنَ من أحفاده .. وكذلك مدير الأمن ..
أسَرٌ حلبية كثيرة ، معروفة باسم ( الراس ) ..
لكن عائلة ( السيّاف ) منْ هم ؟؟ هو أحد أحفاده القريبين ، الذي ينفذ حكم الإعدام بأعدائه ، بالسيف .. فسمّاه : السيّاف .. وعندما تزوج ، أسمَوْه : بيت السيّاف .. لكنهم من الراس .. وهكذا .. فهو الجانب القوي في المدينة .. لذلك ، رؤوس العائلات المنتمية للراس ، كانوا يجتمعون في أول كل فصل من فصول السنة ، في غرفة من غرف الدار الرئيسية ، وقبل اتخاذ أي قرار ، يسعِّرون الأراضي ، والذهب .. ويعينون الوظائف الأساسية ، وهم يحددون رئيس غرفة التجارة ....
هذا الشيء كله ، وُلد دون تصميم .. لأنني في معملي الداخلي ، أتلقى الملاحظات والنتيجة والرضا والتدقيق .. والموقف الأيديولوجي والتاريخي يعمل بداخلي ..
إذن .. صار لي موقف من المدينة ، إذا أردْتُ أن أكتب تاريخ المدينة .. لكن ، ليس التاريخ الذي كتبه ( الغزّي ) أو ( الأسدي ) أو ( الشيخ راغب طباخ ) ..
هذا تاريخي .. صار أنا ..
إذن ، التاريخ ، ليس عملية تسجيل وقائع .. إنما هي إعادة النظر في البنية الأساسية لهذا المجتمع ، من وجهة نظرك الشخصية ، التي قد تكون خاطئة ..
لكن ، هذا هو الدُّمَّل الذي انفثأ ، وأظهر القيح ، وبعدها تداخلتْ أمورٌ كثيرة ..
دخل على الخط أناسٌ آخرون ، لكن ذلك كله ، تمَّ دون تصميم ..
بالنهاية ، شارك في تأليف هذه الرواية أناس كثيرون .. لكن ، كنتُ أنا الوسيط الروحي .. لذلك ، تجد حقائق كثيرة في الرواية ـ أي رواية ـ ولكنها ليست نسخة عن الواقع بأي حال من الأحوال ..
انتهت الساعة الرابعة والأخيرة من لقائي بالأديب ، الروائي ، القاص ، المسرحي ، الكاتب ، المهندس الزراعي ، الأستاذ وليد إخلاصي ..
أبو خالد .. شخصية لطيفة ورائعة ، رحب الصدر، دمث ، خلوق ، ( جنتلمان ) بكل معنى الكلمة ..
أرجو أن أكون قد قدمت لكم تجربته الهامة ، والغنية ، بما يليق بها .. وبكم .. وشكرا ..
حلب : 13/08/1993
قال :
أنا وقعت في فخ .. سألوني : من هو الروائي ؟؟ قلت لهم : هو الذي يمتلك اللغة الفنية التي توصل للآخرين .. سليم هذا الكلام .. ولكن .. ماذا يقص ؟؟ ماذا يروي لهم ؟؟ هذا هو السؤال ..
هناك الشيء الأساسي .. لي تقويم ساذج للقص .. ساذج جدا .. لكنه حكمي النقدي الذي أعتمد عليه ، ولا أصغي لأي مدرسة أدبية أخرى .. طبعا ، أحترم المدارس الأدبية ..
ما هو القصُّ ؟؟ له مقياسان : إذا أخذتَ رواية وسألتَني : ما هي روايتك الأخيرة ؟؟ فإذا استطعتُ أن أشد انتباهك لمدة عشر دقائق ، بملخص لها ، فهي رواية جيدة ..
ومقياس آخر : إذا كنتُ في اتحاد الكتاب ، وجئت إلى البيت ، فسألتني زوجتي أمام الضيوف : أين كنتَ يا أبا خالد ؟؟ أقول لهم : كنت في اتحاد الكتاب العرب .. يسألونني : ماذا جرى ؟؟ أقول لهم : كان هناك " سين " من الناس يقرأ قصة ..
ـ ما هي ؟؟ إذا لم أتذكر منها شيئا ، ولم أستطع أن أرويها ، فهي قصة فاشلة .. وإذا استطعتُ أن أعيدَ إنتاجها بلغتي الخاصة في وقت قصير ، فهي تحمل مقومات القصة ..
وبعدها ، يأتي الحكم الأخير .. ما هذه القصة ؟؟
تأتي هنا فنية القصة ..لكن ، القصة يجب أن تكون قصة .. قد تحبها ، وقد .... هذه نهاية حزينة .. هذه نهاية على الطريقة المصرية .. هذا أمر آخر ..
إنما القصة ، تستطيع أن ترويها .. وهذا ليس موجودا في الشعر .. ففي الشعر ، لا تستطيع إلا أن تعيده بحرفيته ..
فالموسيقا ، لا تستطيع إلا أن يكتمل العمل ككل دون قدرة على تجزئته .. لكن القصة مثل الدِّين .. يمكن أن تقوله على النحو التالي : الدِّين البوذي ، يحض على المصالحة مع الطبيعة .. أنتَ لخّصته .. ويأتي باحث آخر ، يرويه بشكل آخر .. تستطيع أن توجز المفهوم الديني ..
فإذا قلت مثلا : ما هو الإيمان ؟؟
أنا أقول : الإيمان هو : المراهنة على أن هنالك إلهًا خالقا واحدًا .. هذا رأيي ..
أنتَ تقول مثلا : لا .. الإيمان هو : الإيمان بالله وبملائكته وبكتبه .....
هذا الإيمان الإسلامي .. أنا قلت : الإيمان بشكل عام ..
يأتي آخر ، يقول : الإيمان : هو أن نعتبر أنّ القِوى العُلوية ، هي التي تتحكم في القوى السفلية ..
يعني هناك درجتان .. هناك قوى عُلوية ، وهناك قوى سفلية .. فهذا الشيء ، يمكن تلخيصه ..
ولكن ، كيف يمكن أن تلخص قصيدة ؟؟!!
لا يمكن .. لأنك تريد أن تستمتع بها كلمة كلمة ..
فالرواية ، أحد خصائصها ، هذا الشيء .. إذ يجب أن تمتلك القدرة أن تقدم نفسها بشكل موجز .. ولكن هذا لا يغنيك عن قراءة التفاصيل .. أنا لا أقول بإلغاء التفاصيل ..
ـ قلت : إن الرواية ، يجب أن تكون رواية ..
هل هناك مقاييس معينة ، يجب أن تتوفر في العمل الأدبي ، حتى يكون هذا العمل روائيا ؟؟ أو رواية ؟؟
أنا قلت : بشكلٍ ما .. الآن ، هناك اتجاهات في الوسط الأدبي ، قد يقول قائل : يجب أن أكتب رواية عن تاريخ المرحلة من الاستقلال ، إلى الآن ..
يجلس ، ويفكر .. هل أبدأ من إبراهيم هنانو ؟؟ أم من يوسف العظمة ؟؟ بعدها يقر القرار : من يوسف العظمة ..
يأتي من أصدقائه من يقول له : قبل أن تحكي عن يوسف العظمة ، ومعركته الحاسمة في ميسلون ، يجب أن تتكلم عن الأسس التي جعلت الفرنسيين يدخلون البلد .. وهذا الأمر يحتاج إلى الوثائق التاريخية الصحيحة .. فيذهب ليبحث عنها ، ويجمعها .. في النهاية : يستطيع أن يروي لك ، بواسطة إسقاطات على عائلة معينة ، أو حالة معينة ..
بالضبط ، مثل الآن .. إذا جاءني عقد للسعودية ، يقول لي : يا أخي اعمل لنا مسلسلا عن الوفاء .. حصَلتْ معي .. جاءني منتج ، وقدّمَ لي شيكا ، وقال : أريد قصة تدور أحداثها في المدينة المنورة .. وأريد فيها : كيت وكيت ..
أنا كنت بحاجة للمبلغ الذي عرضه عليّ .. فابتسمت وقلت له : أنا آسف جدا جدا ..
أولا : أنا لا أستطيع أن أفصّل , فأنا لسْتُ خيّاطا .. ولا أعرف متى ستولد معي الفكرة .. وعندما تولد الفكرة ، وتنمو ، ويشتد عودها ، فإن أعجبتْكم ، خذوها .. وإن لم تعجبكم ، لا تأخذوها ..
أنا لا أقدّم تلبية للوجدان ، لأني أنا الوجدان ..
مثال آخر : عمّمَ علينا وزير الثقافة السوري ، وكان الأستاذ فوزي الكيالي .. أهابَ فينا أن نكتب عن حرب تشرين .. بعدها ، استدعانا .. فلم أذهب ، ولم أكتب .. جاء إلى حلب ذات يوم ، اتصل بي ، وجلسنا مع بعضنا ..وقال : يا أخي ، ندفع المبلغ الذي تريد من أجل أن تكتب لنا عن حرب تشرين ، وستطبَع ، وتحَوَّل إلى مسلسل ، والمسلسل إلى فيلم .....
قلت له : يا أستاذ فوزي ، أنا لم أشارك في تشرين إلا عبر الراديو .. كيف سأكتب ؟؟!!
إن حَدَثا كهذا ، من الأحداث العظيمة ، إما أن يُكتَبَ عنها نبوءة ، أو يُكتب عنها بعد أن تكون شاركتَ فيها ، بعشرات السنين .. فالذي يُكتب الآن عن الحرب العالمية الثانية ، أهم بكثير مما كتب في حينها ..
السبب : أن الأفكار العظيمة ، مثل العجين .. إذا لم يتخمر ، لا يصير خبزا .. وهذا الشيء ، مهم .. كل رواية لها خميرتها ، تنضجها .. وهذه الخميرة ليست من صنع الكاتب ، وليست من تصميمه ، وليست وفق مخطط .. أنا لا أستطيع أن أقول : بسم الله الرحمن الرحيم .. نويت أن أكتب رواية في 26 فصلا ، تتناول هذه الرواية هموم أسرة حلبية ..
هموم الأسرة الحلبية ، ما هي ؟؟
البنت ستتوظف ، أو تتزوج .. والولد يدخل كلية الطب أو الزراعة .. والأب سيُحال للتقاعد .. هل سيجد عملا ؟؟...
( يوجد انقطاع في التسجيل )
نعود للتأكيد على فكرة : كيف تأتي فكرة الرواية ؟؟
طبعا .. أنا لا أقول : هذا قانون عام .. ممكن ، لكل كاتب طريقته .. لكن ، تولد الفكرة فجأة ..
فجأة ، بمعنى أي شيء ؟؟ بالضبط : تشبه الدّمَّل ..
ـ أستاذ وليد : كنا نتكلم عن هموم الأسرة الحلبية ..
نعود .. يأتي منْ يقول : هذه مشاكل ، أنا من الممكن أن أكتب رواية في أسبوع ، وأخص كل ليلة ، لكتابة ثلاثة فصول .. والتقسيم الهندسي ساعد كثيرا في تجزيء العمل ، وحبكته ، كما يحصل في المسلسلات ، أو غير ذلك ..
إذا كانت الفتاة ، تبحث عن الزواج ، فإن الأسرة تريد تزويجها من رجل غني ، لينقذ الأسرة من الفقر والمشاكل ..
لكنها تريد إنسانا فقيرا ، فيبدأ خط جديد بالبروز ، هو الصراع ما بين الحب والحاجة ، مثلا ..
هذه أشياء ، أنا لست ضدها .. لكن ، ليست هذه هي الرواية ..
أي حَدَثٍ يمكن أن يكون حكاية .. لكن ، ليست كل حكاية ، يمكن أن تكون رواية بالمعنى الفني ..
وهذا يعيدنا إلى حديث ، حكيناه من قبل :
إذا سجّلنا الواقع ، فهو ، بحدّ ذاته ، عمل خطير ..
فإذا وقف الإنسان في شبّاك بيته ، ورصد الشارع على مدى 24 ساعة ..
أنا مثلا ، يمكن أن أقيم علاقة قائمة ما بين الشخص المار صباحا ، وهو يدخن سيكارته ، ويمشي بتمهل وخيلاء في طريقه إلى وظيفته ، لكن قبل ساعة ، كان هناك شخص آخر ، يبحث في الزبالة ..
فأنا يمكن أن أتخيل العلاقة التي دفعت الشخص للزبالة ، والشخص الذي يمشي ، وهو سعيد ، وأنيق .. وبمرحلة ثالثة ، يمكن أن أربط بين الاثنين .. مثلا .. في النهاية هؤلاء أبناء عم .. أحدهما من أسرة ذات حالة مادية جيدة ، والآخر من أسرة فقيرة .. ثم أرجع إلى جدودهما .. أنا أستطيع أن أبنيَ علاقة معينة .. فهل هذه هي الرواية ؟؟!!
الرواية ، هي : كائن مخلوق لوحده .. هو الواقع ، غير مفصول عنه بأي حال من الأحوال ..
لا يمكن أن تخلق الرواية في الفضاء .. حتى إذا خُلِقتْ في الفضاء ، فالفضاء هو مكان له مواصفاته .. لنفرض : رواية في صاروخ .. يُطلق خارج الجاذبية الأرضية .. هذا مكان متحرك .. لكنه ، مكان له مواصفاته .. لماذا هذه الحادثة ، في هذا الصاروخ ؟؟
ما العلاقة التي قامت بين وهوب والمكان ؟؟ لستُ أنا الذي اخترعْتُه ..
هذا اسمه : مَنطِق الخَلق ..
الفلسفة ، أمَدّت الفن، والأديان بأشياء هامة جدا ..
نظرية آيزنهاور ، كان اسمها : ملء الفراغ ..هذه النظرية ، حتى في الفن .. ففي الفن ، لا يوجد ثغرة .. وإن وُجدَتْ ، فلأقلّ من ثانية فقط ، ثم تمتلئ .. إذا اعتبرت أنه في الكرة الأرضية ، يوجد فجوات .. فعند نزول المطر ، أين ينتهي ؟؟ في الفجوات .. هل يقف على قمم الجبال ؟؟!!
هذا الشيء بالنسبة للرواية .. أنا برأيي : ليس هناك من قانون للرواية .. لأن كل رواية ، تخلق قانونها ..
مثلا : من هو الراس في روايتي : باب الجمر ؟؟
هناك عشرات المسبِّبات ، لخلق الراس ..من هو الراس ؟؟ أنا عندما كنت صغيرا ، كنا نلعب في منطقة الأنصاري ، وكانت منطقة سيف الدولة وما حولها أرضا فسيحة ..
أنا أذكر ، بعد العتمة ، كنا نخاف أن ندخل مغارة ، لأنهم يقولون : فيها ضبع .. والضبع إذا شاهد أحدا ، يضبعه ، ويجره إلى المغارة .. فالمغارة ، شكلت عندي شيئا ، خصوصا ، عندما يحل الظلام ، مثل الثقب الأسود في الكون .. نظرية الثقب الأسود ، مدفن النجوم ..
حكى لي شخص صديق ، حكاية غريبة جدا ، منذ 25 عاما .. ظلت حتى بعد 15 سنة ، فولدت روايتي باب الجمر .. لكن الكهف ، لعب دور الضبع .. قال صديقي : إن أول حب له ، كان حبه لفتاة بدوية ، هي في الرابعة عشرة ، وهو في الثامنة عشرة ..
كان في نواحي الحسكة ، أو القامشلي ، ( أقصى شمال شرق سورية ) ، فجاءت قافلة من الناس ، وخيّمتْ خارج المدينة ، وكان هناك فتاة صغيرة جميلة ، لفتت نظره .. كانت واقفة جانب هودج ، فوق جمل نائم .. والبدو ، صريحون .. سألها : ما هذا الجَمال ؟؟ قالت : وأنت جميل أيضا .. المهم ، تبادلوا العواطف بسرعة ، وقالت له : سنرحل قريبا .. سألها : إلى أين ؟؟ قالت : في أرض الله الواسعة .. سنلحق المرعى .. سألها : ماذا يوجد في الهودج ؟؟ فرفضت أن تجيبه .. قبل رحيلهم ، وفي الأيام التالية ـ ولتبرهن له أنها أحبته كثيرا ـ قالت له : أنا لن أنساك ..
( هو يروي لي الحكاية بعد مرور حوالي 30 سنة عليها ) قالت له : هل تعرف أنت ما هو عملي هنا ؟؟ أنا أحرس جدَّنا .. أترى هذه القافلة المؤلفة من 100 جمل تقريبا ؟ جَدُّنا معنا .. سألها : أين جدُّكم ؟؟ فأدْخلتْه لثانيتين ، داخل الهودج ، حيث يوجد قفص مغطى ، كشفَتِ الغطاء ، فرأى هيكلا عظميا بشريا ، لم يبق منه سوى الرأس وبعض العظام الأخرى ، فخاف وابتعد ..
روى الحكاية لي ، وأخذتها من الناحية الميثولوجية : بأن الناس يحملون تراثهم معهم ، حتى الجد .. ولو كان ميتا ، لكنه محمول معهم ..
هذه الصورة ، حفرتْ بي سنوات ، حتى خطرتْ لي الحكاية التالية : أمِن المعقول أن يكون أحد أجدادنا ، من فلول الإنكشارية ، أو من فلول الجنود العثمانيين الذين هربوا وتوطنوا في حلب ؟؟
وفعلا .. هناك شخص هرب من بعض اللصوص ، وهم قادمون ، في طريقهم من الآستانة ، يسرقون القرى ، لأنهم أشاوس وأقوياء ، فجلبوا كنوزهم ، وخبأوها في أحد الكهوف المطلة على مدينة حلب .. وأقوى هؤلاء ، كان له رأس كبير جدا ، سمّوه ( الراس ) ، قتل كلَّ أعوانه ، وخبأ الكنوز ، ومضى يراقب المدينة لفترة طويلة .. ومع أنه مُلاحَق من الحكومة العثمانية ، إلا أنه استطاع ـ وبالمال ـ أن يتزوج أول زواج من إحدى كريمات زعيم السوق في المدينة .. بعدها صاهر أهل الريف ، ثم البدو ، ثم أغنياء طرابلس ، وأصبح شخصية مهمة ، وابتنى دارا ضخمة ، ما زالت قائمة إلى الآن .. وجاء من نسله خلق كثير ، وأحفاد ، وما زال حتى الآن حيا ، ولم يبق منه سوى رأسه ..
لاحظتَ كيف ولدت الأمور ؟؟
من الذي حكمَ المدينة الآن ؟؟ المحافظ الجديد الذي عُيِّنَ من أحفاده .. وكذلك مدير الأمن ..
أسَرٌ حلبية كثيرة ، معروفة باسم ( الراس ) ..
لكن عائلة ( السيّاف ) منْ هم ؟؟ هو أحد أحفاده القريبين ، الذي ينفذ حكم الإعدام بأعدائه ، بالسيف .. فسمّاه : السيّاف .. وعندما تزوج ، أسمَوْه : بيت السيّاف .. لكنهم من الراس .. وهكذا .. فهو الجانب القوي في المدينة .. لذلك ، رؤوس العائلات المنتمية للراس ، كانوا يجتمعون في أول كل فصل من فصول السنة ، في غرفة من غرف الدار الرئيسية ، وقبل اتخاذ أي قرار ، يسعِّرون الأراضي ، والذهب .. ويعينون الوظائف الأساسية ، وهم يحددون رئيس غرفة التجارة ....
هذا الشيء كله ، وُلد دون تصميم .. لأنني في معملي الداخلي ، أتلقى الملاحظات والنتيجة والرضا والتدقيق .. والموقف الأيديولوجي والتاريخي يعمل بداخلي ..
إذن .. صار لي موقف من المدينة ، إذا أردْتُ أن أكتب تاريخ المدينة .. لكن ، ليس التاريخ الذي كتبه ( الغزّي ) أو ( الأسدي ) أو ( الشيخ راغب طباخ ) ..
هذا تاريخي .. صار أنا ..
إذن ، التاريخ ، ليس عملية تسجيل وقائع .. إنما هي إعادة النظر في البنية الأساسية لهذا المجتمع ، من وجهة نظرك الشخصية ، التي قد تكون خاطئة ..
لكن ، هذا هو الدُّمَّل الذي انفثأ ، وأظهر القيح ، وبعدها تداخلتْ أمورٌ كثيرة ..
دخل على الخط أناسٌ آخرون ، لكن ذلك كله ، تمَّ دون تصميم ..
بالنهاية ، شارك في تأليف هذه الرواية أناس كثيرون .. لكن ، كنتُ أنا الوسيط الروحي .. لذلك ، تجد حقائق كثيرة في الرواية ـ أي رواية ـ ولكنها ليست نسخة عن الواقع بأي حال من الأحوال ..
انتهت الساعة الرابعة والأخيرة من لقائي بالأديب ، الروائي ، القاص ، المسرحي ، الكاتب ، المهندس الزراعي ، الأستاذ وليد إخلاصي ..
أبو خالد .. شخصية لطيفة ورائعة ، رحب الصدر، دمث ، خلوق ، ( جنتلمان ) بكل معنى الكلمة ..
أرجو أن أكون قد قدمت لكم تجربته الهامة ، والغنية ، بما يليق بها .. وبكم .. وشكرا ..
الثلاثاء، 5 أكتوبر 2010
سلاح حزب الله ـ لو كان في أيديهم
لنعكس الصورة ، ولنتخيلْ أن سلاح حزب الله موجود في أيدي منْ يطالب بنزعه الآن ..
أي : ماذا يترتب من نتائج ، على لبنان وشعبه ، وعلى القضية العربية المحورية ، لو كان سلاح حزب الله في أيديهم ؟؟!!
قبل الإجابة ، لنعد إلى السبعينيات من القرن الماضي ..
فحزب الله لم يكن موجودا آنذاك ، وكان الشعب اللبناني كله مسلحا ، إضافة إلى السلاح الفلسطيني الذي كان موجودا على الأرض اللبنانية .. ماذا كانت النتيجة ؟؟
ألم يحترق لبنان بحرب أهلية ، استمرت أكثر من خمسة عشر عاما ، وأحرقت الأخضر واليابس فيه ؟؟
ألم تكن نتيجة هذه الحرب الأهلية أكثر من مئتي ألف ضحية ، ما عدا المفقودين والمشوهين ، والخراب والدمار الذي أعاد لبنان إلى الوراء عشرات السنين ؟؟!!
قالوا : إنها حرب الآخرين على أراضيهم ..
هل جاء أحد من " الآخرين " ففعل بهم ذلك ؟ أم هم الذين فعلوا بأنفسهم ما فعلوا ؟؟!!
بيدِ منْ كانت قوة السلاح الكبرى وقتذاك ؟؟
ألم تكن بيد حزب الكتائب ، وقواته التي تحالفت مع إسرائيل ، عام 1982 ، وفتكت بأهالي مخيمي صبرا وشاتيلا ، إضافة إلى أبشع الجرائم التي ارتكبتها بحق اللبنانيين جميعا ؟؟!!
ثم ، ألم ترتكب قوات جعجع ما ارتكبته بحق اللبنانيين ، والمسيحيين منهم خاصة ؟؟!!
ألم يُنتخب بشير الجميل رئيسا للبنان على ظهر الدبابات الصهيونية ؟؟!!
ألم يوقع أمين الجميل رئيس لبنان ـ آنذاك ـ على اتفاق 17/أيار مع العدو الصهيوني ؟؟!!
ألم يُحكم على جعجع بعدد من الجرائم ، بدءا بتفجير الكنيسة ، مرورا باغتيال آل فرنجية ، ورشيد كرامي رئيس وزراء لبنان ؟؟!!
ألم يكن ذلك بالسلاح الصهيوني الذي " أعاده " إليهم بعد قرار حل الميليشيات في لبنان عقب اتفاق الطائف ؟؟!!
ألم يسوّغ حفيد آل الجميل تعاملَ آبائه وأجداده مع العدو ، وأنه لا يرى في ذلك تهمة في وطنيتهم ؟؟!!
واليوم .. من هي الجهة الأكثر تطرفا في المطالبة بتجريد حزب الله من سلاحه ؟؟ ولمصلحة من ؟؟
ولو كان سلاح حزب الله في أيديهم الآن .. من يستطيع أن يرسم لنا الخريطة السياسية في لبنان ؟؟!!
قالوا : إن درهما من السلاح ، يحتاج إلى قنطار من العقل ..
فكيف لو كان السلاح بيد القوات والكتائب ؟؟!!
قبل كل شيء ـ ولنا في تاريخهم الأسود عبرة ـ لو كان السلاح في يدهم ، لكان سلاحا صهيونيا بالتأكيد .. وهل يكون السلاح الصهيوني " حبيبا " للبنانيين ؟؟
وإذا كان السلاح صهيونيا ، فهو ضد منْ سيكون ؟؟
هل سيقاتل هؤلاء أسيادَهم الصهاينة بسلاحهم ؟؟!!
وهل تزودهم " إسرائيل " بالسلاح ، لو كانت تشك لحظة في أنه سيُستخدم ضدها ؟؟!!
فالمسألة ، وما فيها : أن سلاح حزب الله هزم الصهاينة مرتين متتاليتين ، وصار لزاما على حلفاء الصهاينة في لبنان ، أن يعملوا على تجريده ، ليردوا الدَّيْنَ الذي في رقبتهم لأسيادهم ..
وببساطة : لو هادَنَ حزبُ الله الصهاينة الآن ، لمَا كان هناك مشكلة في سلاحه .. ولكان الدّاعون اليوم لتجريد حزب الله من سلاحه ، أكثرَ الناس استماتة في الدفاع عن سلاح حزب الله ، ومشروعيته وضرورته التي لا غِنى عنها للبنان ..
ومع ذلك ، هم يدركون تماما ، أن سلاح حزب الله ليس موجها للداخل اللبناني ، لكنهم يتباكون ويجأرون بأصواتهم ، وكأن السلاح على رقابهم .. وهو في الحقيقة شعور مشروع ـ كما أراه ـ لأن رقابهم هي في نفس الخندق الصهيوني .. ولأنهم كلما رفعوا أصواتهم ، انهالت عليهم أكثر وأكثر ، الشيكاتُ الأمريكية والصهيونية بالملايين والملايين ..
وإلا .. أين أنفقت الإدارة الأمريكية أكثر من نصف مليار دولار ، لتشويه صورة حزب الله في الداخل اللبناني ؟؟!!
من هنا تأتي شراستهم ومطالباتهم الدائمة ، خدمة لأسيادهم في المشروع الصهيو ـ أمريكي المأزوم والمهزوم ..
إذن : المشكلة في السلاح ، أم المشكلة في وجهةِ وهدفِ هذا السلاح ؟؟!!
إن عدم وجود السلاح في أيدي هؤلاء ، حماية لهم من أنفسهم ، ومن طيشهم ورعونتهم حينا ، ومن عنجهيتهم وعَمالتهم أحيانا أخرى ..
وما أحداث السابع من أيار إلا تأكيد لهذا الكلام ..
فحين تجاوزت حكومة السنيورة كل الخطوط الحمر ، بفتح النار على أمن المقاومة ، المتمثل في وسائل الاتصالات ، وقع المحذور ، لكن النتائج كانت إيجابية ، لأن السلاح الحاسم يومذاك ، كان سلاحا عاقلا ، وكان استخدامه في أضيق الحدود ، لوأد الفتنة التي أريد لها أن تشعل لبنان كله ، بهدف إبعاد سلاح المقاومة عن وجهته الحقيقية التي يدافع فيها عن لبنان كله ، في مواجهة الآلة الحربية الصهيونية المندحرة .. كما كان اتفاق الدوحة أهم نتائج ذلك اليوم .. فانتخب رئيسٌ للبنان ، وأجريت الانتخابات النيابية ، وتشكلت حكومة جديدة .. أليست تلك نتائج إيجابية ؟؟
إن وجود سلاح حزب الله يشكل ضمانة العيش المشترك في لبنان ، وضمان الوئام بين الجميع .. وقد بدأ كثير من القيادات السياسية اللبنانية ، يدركون أهمية هذه المعادلة ..
فالسلاح الخفيف والمتوسط ، موجود في كل لبنان ، لكن السلاح الأثقل موجود لدى الجيش اللبناني ، والمقاومة .. وهذان هما الضمانة الكبرى ، للشعب اللبناني ضد أعدائه الصهاينة ، والمتحالفين معها ..
الثلاثاء ـ 05/10/2010
أي : ماذا يترتب من نتائج ، على لبنان وشعبه ، وعلى القضية العربية المحورية ، لو كان سلاح حزب الله في أيديهم ؟؟!!
قبل الإجابة ، لنعد إلى السبعينيات من القرن الماضي ..
فحزب الله لم يكن موجودا آنذاك ، وكان الشعب اللبناني كله مسلحا ، إضافة إلى السلاح الفلسطيني الذي كان موجودا على الأرض اللبنانية .. ماذا كانت النتيجة ؟؟
ألم يحترق لبنان بحرب أهلية ، استمرت أكثر من خمسة عشر عاما ، وأحرقت الأخضر واليابس فيه ؟؟
ألم تكن نتيجة هذه الحرب الأهلية أكثر من مئتي ألف ضحية ، ما عدا المفقودين والمشوهين ، والخراب والدمار الذي أعاد لبنان إلى الوراء عشرات السنين ؟؟!!
قالوا : إنها حرب الآخرين على أراضيهم ..
هل جاء أحد من " الآخرين " ففعل بهم ذلك ؟ أم هم الذين فعلوا بأنفسهم ما فعلوا ؟؟!!
بيدِ منْ كانت قوة السلاح الكبرى وقتذاك ؟؟
ألم تكن بيد حزب الكتائب ، وقواته التي تحالفت مع إسرائيل ، عام 1982 ، وفتكت بأهالي مخيمي صبرا وشاتيلا ، إضافة إلى أبشع الجرائم التي ارتكبتها بحق اللبنانيين جميعا ؟؟!!
ثم ، ألم ترتكب قوات جعجع ما ارتكبته بحق اللبنانيين ، والمسيحيين منهم خاصة ؟؟!!
ألم يُنتخب بشير الجميل رئيسا للبنان على ظهر الدبابات الصهيونية ؟؟!!
ألم يوقع أمين الجميل رئيس لبنان ـ آنذاك ـ على اتفاق 17/أيار مع العدو الصهيوني ؟؟!!
ألم يُحكم على جعجع بعدد من الجرائم ، بدءا بتفجير الكنيسة ، مرورا باغتيال آل فرنجية ، ورشيد كرامي رئيس وزراء لبنان ؟؟!!
ألم يكن ذلك بالسلاح الصهيوني الذي " أعاده " إليهم بعد قرار حل الميليشيات في لبنان عقب اتفاق الطائف ؟؟!!
ألم يسوّغ حفيد آل الجميل تعاملَ آبائه وأجداده مع العدو ، وأنه لا يرى في ذلك تهمة في وطنيتهم ؟؟!!
واليوم .. من هي الجهة الأكثر تطرفا في المطالبة بتجريد حزب الله من سلاحه ؟؟ ولمصلحة من ؟؟
ولو كان سلاح حزب الله في أيديهم الآن .. من يستطيع أن يرسم لنا الخريطة السياسية في لبنان ؟؟!!
قالوا : إن درهما من السلاح ، يحتاج إلى قنطار من العقل ..
فكيف لو كان السلاح بيد القوات والكتائب ؟؟!!
قبل كل شيء ـ ولنا في تاريخهم الأسود عبرة ـ لو كان السلاح في يدهم ، لكان سلاحا صهيونيا بالتأكيد .. وهل يكون السلاح الصهيوني " حبيبا " للبنانيين ؟؟
وإذا كان السلاح صهيونيا ، فهو ضد منْ سيكون ؟؟
هل سيقاتل هؤلاء أسيادَهم الصهاينة بسلاحهم ؟؟!!
وهل تزودهم " إسرائيل " بالسلاح ، لو كانت تشك لحظة في أنه سيُستخدم ضدها ؟؟!!
فالمسألة ، وما فيها : أن سلاح حزب الله هزم الصهاينة مرتين متتاليتين ، وصار لزاما على حلفاء الصهاينة في لبنان ، أن يعملوا على تجريده ، ليردوا الدَّيْنَ الذي في رقبتهم لأسيادهم ..
وببساطة : لو هادَنَ حزبُ الله الصهاينة الآن ، لمَا كان هناك مشكلة في سلاحه .. ولكان الدّاعون اليوم لتجريد حزب الله من سلاحه ، أكثرَ الناس استماتة في الدفاع عن سلاح حزب الله ، ومشروعيته وضرورته التي لا غِنى عنها للبنان ..
ومع ذلك ، هم يدركون تماما ، أن سلاح حزب الله ليس موجها للداخل اللبناني ، لكنهم يتباكون ويجأرون بأصواتهم ، وكأن السلاح على رقابهم .. وهو في الحقيقة شعور مشروع ـ كما أراه ـ لأن رقابهم هي في نفس الخندق الصهيوني .. ولأنهم كلما رفعوا أصواتهم ، انهالت عليهم أكثر وأكثر ، الشيكاتُ الأمريكية والصهيونية بالملايين والملايين ..
وإلا .. أين أنفقت الإدارة الأمريكية أكثر من نصف مليار دولار ، لتشويه صورة حزب الله في الداخل اللبناني ؟؟!!
من هنا تأتي شراستهم ومطالباتهم الدائمة ، خدمة لأسيادهم في المشروع الصهيو ـ أمريكي المأزوم والمهزوم ..
إذن : المشكلة في السلاح ، أم المشكلة في وجهةِ وهدفِ هذا السلاح ؟؟!!
إن عدم وجود السلاح في أيدي هؤلاء ، حماية لهم من أنفسهم ، ومن طيشهم ورعونتهم حينا ، ومن عنجهيتهم وعَمالتهم أحيانا أخرى ..
وما أحداث السابع من أيار إلا تأكيد لهذا الكلام ..
فحين تجاوزت حكومة السنيورة كل الخطوط الحمر ، بفتح النار على أمن المقاومة ، المتمثل في وسائل الاتصالات ، وقع المحذور ، لكن النتائج كانت إيجابية ، لأن السلاح الحاسم يومذاك ، كان سلاحا عاقلا ، وكان استخدامه في أضيق الحدود ، لوأد الفتنة التي أريد لها أن تشعل لبنان كله ، بهدف إبعاد سلاح المقاومة عن وجهته الحقيقية التي يدافع فيها عن لبنان كله ، في مواجهة الآلة الحربية الصهيونية المندحرة .. كما كان اتفاق الدوحة أهم نتائج ذلك اليوم .. فانتخب رئيسٌ للبنان ، وأجريت الانتخابات النيابية ، وتشكلت حكومة جديدة .. أليست تلك نتائج إيجابية ؟؟
إن وجود سلاح حزب الله يشكل ضمانة العيش المشترك في لبنان ، وضمان الوئام بين الجميع .. وقد بدأ كثير من القيادات السياسية اللبنانية ، يدركون أهمية هذه المعادلة ..
فالسلاح الخفيف والمتوسط ، موجود في كل لبنان ، لكن السلاح الأثقل موجود لدى الجيش اللبناني ، والمقاومة .. وهذان هما الضمانة الكبرى ، للشعب اللبناني ضد أعدائه الصهاينة ، والمتحالفين معها ..
الثلاثاء ـ 05/10/2010
الاثنين، 4 أكتوبر 2010
الكاتب وليد إخلاصي .. لقاء خاص ـ 3 ـ القسم الثاني
الساعة الثالثة : القسم الثاني :
حلب ـ 8ـ13/8/1993
قال :
عندما كنا طلابا في المدرسة الحمدانية بحلب ، كان هناك نوع من الأسطورة القائمة ، هي جزء من الخرافة أيضا ..
(( فالذي يذبح حردونا ، ويدهن دمه على يديه ، لا يتألم مهما ضربه المعلم .. ))
أين تتجمع الحرادين ؟؟ " الحرادين هي السَّحالي " تتجمع في سفح القلعة المعشوشب ، ذي الجحور ..
كنا نتسلق السفح ، نتصيد الحرادين وننزل .. ولما كنت أصل إلى نهاية السفح ، كنت أنظر ، وأتملى المدينة ، وحي الفرافرة بشكل خاص ، لأنه لصيق بالقلعة ، وفيه مدرستي ، والمنصورية ، وبيت الكواكبي .. ولي أصدقاء كثيرون هناك ، يعيشون داخل بيوتهم .. وكثيرا ما كنا نذهب من بيت إلى بيت عبر الأسطحة ..
فهذا الجزء الحميم في حياتي ، الذي سيطر في لحظة وقوع الأحداث المروعة ، والتي كنت خائفا فيها ، من أن نفقد كل شيء .. كان عندي خوف مثلا : أن أفقد حريتي الشخصية .. أفقد مثلا : حق جغرافيتي .. صار في شعور بالنسبة لي ضخم جدا ..
جلست إلى الطاولة ، أذكر للآن المسودة الأولى ، ابتدأتها على النحو التالي : احتفلنا منذ أيام بالعيد الميلادي المئوي الأول لجدتنا ، وكان مرّ حدَث هام جدا ، فجدتنا التي عمرها مئة عام الآن ، أصيبت بمرض نتيجة لما جرى لأبنائها ، وعندما جاؤوا بالطبيب ، كشف عليها ، فوجد كل أجهزتها سليمة .. وعندما استيقظت من فراش الموت ، عاودت الحياة من جديد ، وجلست تمارس حياتها ..
صار عندي شعور ، ليس أنا ، إنما أحفادي يحتفلون بعيد ميلادها المئوي الثاني ، فصار هناك نوع من المطابقة ، بين هذه الجَدة والقلعة من جهة ، والمدينة ورغبتي بالاستمرار من جهة أخرى .. عندي الرغبة ، أو تصوري ، أنه من غير الممكن أن تموت هذه المدينة .. وبالتالي : الجدة ، التي أطلقتُ عليها اسم ( وهوب ) ..
وهوب .. الحقيقة ، أنا أحب هذا الاسم ، لأنه اسم إحدى خالات والدي .. استعرته ، ولا أعرف صاحبته .. لكن والدي يحكي عنها .. فالاسم أحببته كثيرا .. وبعدها أدركت معناه ـ بعد أن انتهيت من الرواية ـ إنه مأخوذ من الهبة ، من العطاء .. لم أكن أدرك ذلك ..
هناك كثير من الدلالات تختفي وراء الحروف ، وتستيقظ عندما تعمل تفكيرك ، وتحس بحاجة لذلك ..
فالذي حصل أني استطردت ، لدرجة أني في الكتابة الأولى ، أنا ضعْتُ .. لأن أبي في الرواية كان اسمه أحمد ، وجدي اسمه أحمد .. فأنا لا أعرف لماذا استخدمت اسما واحدا .. والذي حصل ، أن الكتابة الأولى للرواية ، لم تستغرق كثيرا .. لكن ، بعدئذ ، أعدْتُ صياغتها أكثر من مرة .. ثلاث مرات على ما أذكر .. واكتشفت في الأخير ، أن الوسيلة الوحيدة التي أقدم فيها العزاء لنفسي ، أن أكتب هذه الرواية التي اتكأت فيها على الماضي الذي تصورته قويا كثيرا كثيرا .. هذا التماسك داخل الدار، وهذا المكان .. لا أعرف إن كانت طبيعة المكان هي التي أوحت بذلك ..
حتى في الرواية ، كان بعض الأفراد مخدوعين ، وكانوا مع الإخوان المسلمين .. ومع ذلك ، وهوب ، جدتنا الكبرى ، رعت الجميع ..
من النماذج الأنثوية التاريخية ، والتي احتفظت بصورتها في بيتي ، ربة الينبوع .. وهي أحد مصادر تكوين شخصية الجدة وهوب .. هذا العطاء المستمر التدفق .. قد يكون إناء من الحنان ، من العطف .. هو الحليب ، هو الماء ..
النموذج الذي أحبه من النساء هو ربة الينبوع .. البديل صار عندي الجدة وهوب .. أتذكرها .. ليست الأم للمنصورية ، إنما هي تركيبة من نساء كثيرات .. وبالرغم من أنها عجفاء ، لكنها قوية ، وفيها قسوة هائلة ، ممزوجتان بحنان ليس له حدود .. هذا كان جزءا من : كيف تكوّنت رواية ( زهرة الصندل ) ..
ـ قرأت هذه الرواية ( زهرة الصندل ) منذ سنوات ، وما زلت أحمل هذه الملاحظة عنها : إن الصراع فيها ، كان صراعا هادئا ، رغم أن الحدث قابل للتأجيج ، لأن ظرف المدينة ، كان أكثر حرارة من الحدث ـ الصراع ، داخل الرواية .. ما هذا التباين ؟؟ هو صراع ، لكنه هادئ .. لماذا ؟؟
الملاحظة تستدعيني للتفكير الآن : أنا لم أكن أكتب رواية آنذاك .. أنا كنت أبتهل ..
ـ كنتَ عاشقا ، تبتهل ؟؟!!
بالضبط ..
ـ هذا ما قلته منذ أن قرأت الرواية .. قلت : وليد إخلاصي عاشق يبتهل ، وليس كاتبا روائيا في هذه الرواية ..
بالضبط .. أنا لا أخالفك الرأي .. أنا ـ بشكل عام ـ ما فكرت في حياتي بأن أقول : سأكتب رواية ، وأبحث عن موضوع .. والذي يحصل : أن تلح عليّ الفكرة .. فعندما ألحّت علي الفكرة ، لم أكن أعلم أنني سأكتبها قصة ، ولا هي شكل مسرحي ، ولا دراسة ، ولا مناجاة .. فولدت الرواية دفعة واحدة ، والتفاصيل تولـّّد بعضها ..
فمثلا : شخصية ليلى ، وهناك عمة ليلى .. من هي ؟؟
هي التي وقعت في حب رجل أجنبي .. أنا لست ضد الزواج بالأجانب ..ولكن في قرارة نفسي ، أنا ضد غربة الإنسان ..
أنا لا أعترض أن يتزوج ابني من أجنبية .. شعوري إنساني .. لكني أحس بأنه سيتغرب ، وأنا سأكون غريبا أيضا .. والأولاد سيكونون نصف غرباء ..
أنا لا أقوم بنوع من الملاحظة الاجتماعية للدعوة لنبذ الأجانب .. لكن عندي شعور : أحس أن المرأة الغريبة التي أتقنت فن الجنس ، بنتيجة الخبرة ، والحرية الجنسية ، لكن حياء المرأة الحلبية ، فيه جاذبية جنسية تفوقها ..
هذا يعود إلى أني في أعماقي ، قد أكون شوفينيا كثيرا كثيرا ..
أحب البلد كثيرا .. فمثلا : أنا معجب بالثقافة الغربية ، لكن ، لا أستطيع أن أضحّيَ بذاكرتي الوطنية من أجل حلمي الثقافي .. عندما يحصل هذا الصراع ، أختار الوطنية .. والوطنية عندي ساذجة جدا ، وليست معقدة .. شعوري اليومي ، عندما آكل خيارة في حلب ، أستمتع فيها كثيرا .. وفي باريس ، يوجد خيار نظيف وجيد .. لكن ....
الخيارة أو البندورة هنا ، لها ذاكرة ..
حتى ذاكرة التخلف .. أنا واقع في غرام التخلف في حلب ..
ـ جميلة حتى في تخلفها ..
نعم .. أحس بالغربة ، عندما أنخلع ..
في منظومتي الفكرية ، بالرغم من حبي لحلب ، لا أستطيع قبول حالة التعصب الدوغمائية التي تسبب لي الغضب ..
إن إيقاع الطبيعة الأساسي ، هو في التعددية .. وهذا لعب دورا كبيرا في دراستي ، في كلية الزراعة ..عندما تكتشف أن هناك ملايين الأنواع والأجناس من الحشرات والحيوانات والنباتات بأشكالها ، الدنيئة والراقية .. تحسّ بهذا التنوع جزءا من عبقرية الطبيعة .. وجزءا من تعدد وجوهها ، الذي يجعلك ـ في الوقت الذي تكره فيه حرَّ الصيف ـ ينمو عندك حلم برودة الخريف .. فيبقى عندك الانتظار حالة شعرية .. هذه الحالة الشعرية ، تولـّد الفن والفلسفات .. هناك شيء آتٍ ، فيه تقلـُّب .. فعندما يكون السطح مستويا ، والطريق مستقيما ، والفكرة واحدة .. إنها الرتابة ، وأنا أكرهها جدا ..
أكره (السيستم ) الواحد .. طبعا ، أنا لست ضد النظام العام .. فهو شيء آخر ..
تكوين رواية ( الحنظل الأليف ) :
فكرت فيها بعد أن انتهيت من كتابتها ..
وأنا شاب صغير ، كنت أعرف ( خير الدين الأسدي ) ، أعرفه عن بعد .. فهو مدرس ، لكنه لم يدرّسني ، وهو بالنسبة لي ، شخصية مثيرة للتفكير ..
وأول عمل أثار انتباهنا ، هو كتابه ( أغاني القبة ) ، تلك الغنائية الصوتية الجميلة ..
وقد قام الأسدي بمحاولات لسبر غور بعض مغاور ( التلة السوداء ) في حلب .. لأنه كان يملك نظرية ، ليست مبنية على أسس علمية واضحة ، إنما ، ضمن قياسات علمية معينة ، يعتقد الأسدي : أن الإنسان الأول كان موجودا في حلب .. في المغاور ، وفي المنطقة الكلسية الصالحة للحفر بأدوات أولية ..
وفعلا ، حاول الأسدي أكثر من مرة ، ووصل إلى مسافات ، وأصيب بشبه اختناق ، وأخرجوه .. كان عنده رغبة في البحث العلمي التاريخي اللغوي ..
بقيت الحادثة في ذهني سنين طويلة ..
إذا أردنا أن نقوم بحفريات في المدينة ، فسنكتشف حقائق .. لكن الحفريات في عمق الإنسان ، هي مهمة الكاتب ..
والشرارة الأولى التي جعلتني أبدأ في الرواية ، حيث كان فاتح المدرس ، الصديق العزيز ، وما زال ، وكان أستاذا لي قبل ذلك ، في ثانوية المأمون ، وكان يدرسنا اللغة الإنجليزية ، وهناك علاقات حميمة .. شاهدته صدفة في دمشق ، ودعاني إلى بيته .. بيته تحت الأرض .. هو بيته ومرسمه ، جانب مطعم الشرق .. فكنا خمسة أو ستة أشخاص ، الجلسة كانت حميمة ، وهناك هذر ثقافي ، وشكوى سياسية .. اختلطت الأمور ببعضها ، ولكن كانت ليلة جميلة ..
أثرت بي بعد عودتي إلى حلب .. ابتدأتُ بلا شعوري أكتب عن هذه الجلسة ، ونبتت ـ فجأة ـ الفكرة ..
وفي الرواية ، روى لنا واحد حكاية .. والحكاية تروي حكاية .. وكانت حكاية الحنظل الأليف ..
طبعا ، هناك خلفيات عديدة ، ومستويات عديدة للرمز ، وللواقع ..
وشخصية الأسدي ، بالرغم من عدم حضورها القوي في الرواية ، كانت هي الباعث الأساسي للتفكير في البنية التحتية للحياة والمجتمع .. وعندما أصبحت صديقا للأسدي في أسلوبه العلمي ، في تحري الحقيقة ، وراء الظاهر ، لعب دورا أيضا في تفكيري أنا ..
اطلعت على مسوداته في كتابه الذي صدر بعدئذ : ( موسوعة حلب المقارنة ) .. لا يكتفي بالمثل .. أو بالكلمة .. أو بالمصطلح بشكله الظاهري .. فهذا قريب جدا من الحفريات الأدبية ..
وقد يكون في هذا العمل الروائي الذي اشتغلته أنا ، محاولة في تطبيق هذه المفاهيم ..
ما هو تحت السلطة ؟؟ ما هو تحت البنية ؟؟ ما هو تحت الحياة ؟؟ تحت ، بمعنى : ما هي الجذور ؟؟ ما هي الخلفية ؟؟ ما هو الشكل المقابل ؟؟
هذا اللقاء عند فاتح المدرس ، حضره الشاعر مصطفى البدوي رحمه الله .. حتى ظهرت في الرواية ( الشكوى ) .. أو ، بالمعنى الشعبي : النـَّقّ .. النـَّقّ الثقافي ..
أحيانا ، الثرثرة ، تفجر في العمق ، في مختبر الإنسان الداخلي ، قضايا دفينة ، وحزينة .. وأذكر أننا أتينا على ذكر الأسدي ، وكان متوفيا .. هذه الحادثة تمت قبل أن أكتب الحنظل الأليف بمدة طويلة .. قد أكون أنا أحمّل الأسدي أكثر من حقيقته .. أذكر في أحد اللقاءات ، في المعهد الفرنسي ، في دمشق ، التابع لجامعة باريس ـ وكنت أدعى للقاء مع الطلاب الدارسين ، وبعض الكتّاب ـ سألني أحد الأشخاص عن الحنظل الأليف ، بقوله : هذا شيء في منتهى التخيل ، هذا شيء غير منطقي .. فما معنى المنطق ، وقربه من الرواية ؟؟
أنا أذكر ـ وللتخلص من مأزق ـ قلت له : الحقيقة ، أنا لست روائيا .. أنا كذاب .. أنا لا أروي حقائق .. أنا أكذب لكي تصبح هذه الكذبة حقيقة .. ( الكذب بمعنى : الخيال ,, التخييل ) ..
واكتشفت وأنا أفكر : إذا وصل الكاتب لذلك ، يكون قد وصل إلى غاية الفن .. أن يجعله حقيقة ، أو موازيا للحقيقة .. أو يرى الحقيقة من خلاله ، حتى نفسر الواقع .. أو ، أن يفترض أن الواقع يجب أن يكون هكذا ، لكي يفهم هكذا ..
هذه الفذلكات الفلسفية ، ليست مرافقة للكتابة .. تأتي بعد الكتابة .. إنما يفكر الإنسان : لماذا ؟؟
واحد من أهداف الفن : الفن هو خلق المثل الأعلى .. خلق حالة الجمال .. لكن ، المهم كثيرا ، هو خلق حالة العزاء ..
ـ كيف ؟؟
عندما تشرح الواقع ، أو تضع بديلا عنه ، أو تفضحه ، أو تجمّله ، كأنما تقدم العزاء لنفسك وللآخرين .. تقدم العزاء ، وتقول : الحمد لله ..
أهم مؤسسة تقدم العزاء للإنسان هي : الدين ..
الروحانية في حالتها البدائية ، تأخذ شكلها الميتافيزيقي الروحاني .. في حالتها المدنية الراقية ، تأخذ شكل الفن .. لذلك ، يصير هنالك تطابق بين الدين والفن ، بشكل كامل في وظائفهما ، في تقديم العزاء للإنسان ..
حتى الإنسان البدائي جدا .. إنسان الكهف الأول ، عندما رسم الثور ، كان يتمنى أن يصطاد الثور .. فقدّم العزاءَ لنفسه ، بأن الثور قوي جدا .. يستطيع أن يجمّدَ الثور على جدار الكهف .. فواسى نفسَه ..
مع نشوء الفكر الفلسفي البدائي ، الذي وصل إلى فكرة الدين ، بعدها أخذت الفلسفة بعدا آخر ..
الآن ، الدين هو الفن بمعناه الروحاني ، لكن ، بحالة مدنية متطورة ..
في النهاية ، الروائي ، أو الكاتب المسرحي ، أو الشاعر ، في المقام الأول ، يقدم العزاء لنفسه ..
متى يكون الكاتب عظيما ؟؟ عندما يصبح العزاء صالحا للآخرين ، ويكون حالة منطوية وعادية ، إذا كان الكاتب أو الشاعر مثلا : يغازل امرأة ، وبعدها يلاقيها ، وبعدها يتم الوصال .. هذه ليست الحقيقة .. لكنه يقدم العزاء لنفسه ..
هذا يبقى شعرا ذاتيا .. ولكن ، عندما يصبح هذا النموذج مطابقا لكل الناس ، معنى ذلك : أنه يقدم العزاء والجمال للكل .. لم يعد وثيقة شخصية .. ولذلك ، كل إنسان يكتب مذكرات ، ولكن بعض الكتاب ، مذكراتهم وأعمالهم الأدبية ، هي وثيقة ملك للناس كلهم .. ويصير هناك مطابقة لحالاتهم ..
عن رواية ( أحضان السيدة الجميلة ) :
بعدت السنون الآن عن الكتابة .. أنا كنت أحب القلعة كثيرا ..
ـ هل كانت هناك علاقة بينك وبين سيدة ما ، طورتها ، وكوّنتَ عنها فكرة أخرى وربطتها بالقلعة ؟؟
أنسنة الأشياء ، جزء من السلوك البشري ، تعَبَّرَ عنه في الوثنية وفي الدين وفي الفن .. المخيف هو : تشييء الإنسان .. إدخال الشيء ، أو الظاهرة ، أو المادة ، إلى حظيرتك الإنسانية ، هي محاولة لتوسيع دائرتك ..
أعود لفكرة : النسيج المعقد للرواية ، والذي يتشكل من مستويات عديدة ..
طبعا .. هذا موجود في أعماقي ، نتيجة الحكاية الشعبية القديمة .. فجدتي ـ في بدايات طفولتي ـ عندما كانت تحكي لي حكاية ، كنت أتوه معها .. مثلا : تكون في قصة السندباد ، وهناك مستوى آخر للحكاية ، ومستوى آخر ، وهو العنعنة .. أي : روي كذا عن فلان .. عن .. عن ...
قد يكون لهذا السلوك المكتسب بطفولتي ، أثره في هذه المستويات .. أو قد يكون طريقة لتمرير أفكار كثيرة ..
نعود إلى روية أحضان السيدة الجميلة : العلاقة التي نشأت بيني وبين القلعة هي في البداية : علاقة مادية .. وقد ذكرت من قبل ، أننا كنا نتسلقها أكثر من مرة في الأسبوع .. بعدئذ ، دخلنا القلعة .. دخول القلعة ، كان له دور كبير في الدهشة ..
من الذي سكن القلعة ؟؟ كانت الأمثال الشعبية تقول : ( نيالو .. بيته في القلعة ..) أنا كنت أتصور ، أن بيته في القلعة ، يعني : أنه عال .. فيه هواء جيد ، ومطلٌّ على المدينة ..
لا .. كان الهدف منه : أن الذي بيته في القلعة ، كان في السلطة .. امتزج مفهوم القوة بالسمو التـّلـّي .. ( نسبة إلى التل ) التي قد تكون اصطناعية ، وليست طبيعية ..
( تنويه : مع الأسف ، ينقطع التسجيل هنا ، ثم ، حين تابعنا التسجيل ، كان الموضوع مختلفا ) ..
الرواية ، يجب أن تكون رواية ..
الرواية ، عندما تكون تاريخا ، أو فلسفة ، أو أيديولوجيا مقيتة ...إلخ ، لتحقيق هذا الهدف أو ذاك ، أنا برأيي تفقد مشروعيتها الأساسية .. إنما أي عمل هام ، لا يخلو من هذه الأشياء ..
فالرواية الآن ، إذا عدنا إلى نشأة الرواية في ثقافة مثل الصين .. من هو الروائي سابقا منذ ألفي سنة أو ألف خمس مئة سنة في الصين ؟؟ طبعا ، في الصين ، ثقافة راقية جدا .. كان هدف الروائي أن يكتب ما لا يقل عن سبعة مجلدات إلى خمسة وعشرين مجلدا ، هي حياة أسرة ، يتابع الأجيال فيها .. وهذا النص مكتوب ، ليسلي العجائز في انتظارهم للموت في ذلك الزمان ..
ما معنى ذلك ؟؟ هذا النص ، يغنيه عن الكتاب المقدس ، وعن الحكمة ، ويغنيه عن سرد التاريخ ، كما يفعل العجائز عندما يستذكرون .. ويقدم النص له ، قبل كل شيء ، متعة المتابعة ، ومتعة فهم الحياة .. وبالتالي ، عزاء لهذا المتقاعد الذي يظل يقرأ في رواية ما ، عشر سنوات ..
أنا لا أقول الآن : على الرواية أن تكون كذلك .. لأن الموت كان بطيئا ، فصار الآن خاطفا .. فليس هناك من داع ، لتقديم العزاء لشخص ، لا نعلم متى سيأتيه الموت ..
ـ ليست المسألة هي في الرواية ، إنما في الموت ..
نعم .. هناك شيء لمسْته .. هناك مفهوم خاطئ ..
مثلا : ينعقد مؤتمر للرواية .. أنتَ تحضّرُ رسالة دكتوراه عن الرواية ..
والقصة ؟؟!! لمن تنتمي ؟؟
حسبوها على أساس نظرية الأجناس الأدبية المختلفة ..
أنا لي رأي آخر .. أتكلم عن القصّ في أشكاله المختلفة .. عملية القصّ بحدّ ذاتها ..
تعليق : أنا أتفق مع الكاتب في " شوفينيته الوطنية ـ الحلبية ، أحيانا " التي حكى عنها ، لكني لا أتفق معه في موضوع " العزاء للإنسان " ، وعلاقته بالفن ..
انتهى القسم الثاني من الساعة الثالثة ..
ستأتي الساعة الرابعة والأخيرة ..
حلب ـ 8ـ13/8/1993
قال :
عندما كنا طلابا في المدرسة الحمدانية بحلب ، كان هناك نوع من الأسطورة القائمة ، هي جزء من الخرافة أيضا ..
(( فالذي يذبح حردونا ، ويدهن دمه على يديه ، لا يتألم مهما ضربه المعلم .. ))
أين تتجمع الحرادين ؟؟ " الحرادين هي السَّحالي " تتجمع في سفح القلعة المعشوشب ، ذي الجحور ..
كنا نتسلق السفح ، نتصيد الحرادين وننزل .. ولما كنت أصل إلى نهاية السفح ، كنت أنظر ، وأتملى المدينة ، وحي الفرافرة بشكل خاص ، لأنه لصيق بالقلعة ، وفيه مدرستي ، والمنصورية ، وبيت الكواكبي .. ولي أصدقاء كثيرون هناك ، يعيشون داخل بيوتهم .. وكثيرا ما كنا نذهب من بيت إلى بيت عبر الأسطحة ..
فهذا الجزء الحميم في حياتي ، الذي سيطر في لحظة وقوع الأحداث المروعة ، والتي كنت خائفا فيها ، من أن نفقد كل شيء .. كان عندي خوف مثلا : أن أفقد حريتي الشخصية .. أفقد مثلا : حق جغرافيتي .. صار في شعور بالنسبة لي ضخم جدا ..
جلست إلى الطاولة ، أذكر للآن المسودة الأولى ، ابتدأتها على النحو التالي : احتفلنا منذ أيام بالعيد الميلادي المئوي الأول لجدتنا ، وكان مرّ حدَث هام جدا ، فجدتنا التي عمرها مئة عام الآن ، أصيبت بمرض نتيجة لما جرى لأبنائها ، وعندما جاؤوا بالطبيب ، كشف عليها ، فوجد كل أجهزتها سليمة .. وعندما استيقظت من فراش الموت ، عاودت الحياة من جديد ، وجلست تمارس حياتها ..
صار عندي شعور ، ليس أنا ، إنما أحفادي يحتفلون بعيد ميلادها المئوي الثاني ، فصار هناك نوع من المطابقة ، بين هذه الجَدة والقلعة من جهة ، والمدينة ورغبتي بالاستمرار من جهة أخرى .. عندي الرغبة ، أو تصوري ، أنه من غير الممكن أن تموت هذه المدينة .. وبالتالي : الجدة ، التي أطلقتُ عليها اسم ( وهوب ) ..
وهوب .. الحقيقة ، أنا أحب هذا الاسم ، لأنه اسم إحدى خالات والدي .. استعرته ، ولا أعرف صاحبته .. لكن والدي يحكي عنها .. فالاسم أحببته كثيرا .. وبعدها أدركت معناه ـ بعد أن انتهيت من الرواية ـ إنه مأخوذ من الهبة ، من العطاء .. لم أكن أدرك ذلك ..
هناك كثير من الدلالات تختفي وراء الحروف ، وتستيقظ عندما تعمل تفكيرك ، وتحس بحاجة لذلك ..
فالذي حصل أني استطردت ، لدرجة أني في الكتابة الأولى ، أنا ضعْتُ .. لأن أبي في الرواية كان اسمه أحمد ، وجدي اسمه أحمد .. فأنا لا أعرف لماذا استخدمت اسما واحدا .. والذي حصل ، أن الكتابة الأولى للرواية ، لم تستغرق كثيرا .. لكن ، بعدئذ ، أعدْتُ صياغتها أكثر من مرة .. ثلاث مرات على ما أذكر .. واكتشفت في الأخير ، أن الوسيلة الوحيدة التي أقدم فيها العزاء لنفسي ، أن أكتب هذه الرواية التي اتكأت فيها على الماضي الذي تصورته قويا كثيرا كثيرا .. هذا التماسك داخل الدار، وهذا المكان .. لا أعرف إن كانت طبيعة المكان هي التي أوحت بذلك ..
حتى في الرواية ، كان بعض الأفراد مخدوعين ، وكانوا مع الإخوان المسلمين .. ومع ذلك ، وهوب ، جدتنا الكبرى ، رعت الجميع ..
من النماذج الأنثوية التاريخية ، والتي احتفظت بصورتها في بيتي ، ربة الينبوع .. وهي أحد مصادر تكوين شخصية الجدة وهوب .. هذا العطاء المستمر التدفق .. قد يكون إناء من الحنان ، من العطف .. هو الحليب ، هو الماء ..
النموذج الذي أحبه من النساء هو ربة الينبوع .. البديل صار عندي الجدة وهوب .. أتذكرها .. ليست الأم للمنصورية ، إنما هي تركيبة من نساء كثيرات .. وبالرغم من أنها عجفاء ، لكنها قوية ، وفيها قسوة هائلة ، ممزوجتان بحنان ليس له حدود .. هذا كان جزءا من : كيف تكوّنت رواية ( زهرة الصندل ) ..
ـ قرأت هذه الرواية ( زهرة الصندل ) منذ سنوات ، وما زلت أحمل هذه الملاحظة عنها : إن الصراع فيها ، كان صراعا هادئا ، رغم أن الحدث قابل للتأجيج ، لأن ظرف المدينة ، كان أكثر حرارة من الحدث ـ الصراع ، داخل الرواية .. ما هذا التباين ؟؟ هو صراع ، لكنه هادئ .. لماذا ؟؟
الملاحظة تستدعيني للتفكير الآن : أنا لم أكن أكتب رواية آنذاك .. أنا كنت أبتهل ..
ـ كنتَ عاشقا ، تبتهل ؟؟!!
بالضبط ..
ـ هذا ما قلته منذ أن قرأت الرواية .. قلت : وليد إخلاصي عاشق يبتهل ، وليس كاتبا روائيا في هذه الرواية ..
بالضبط .. أنا لا أخالفك الرأي .. أنا ـ بشكل عام ـ ما فكرت في حياتي بأن أقول : سأكتب رواية ، وأبحث عن موضوع .. والذي يحصل : أن تلح عليّ الفكرة .. فعندما ألحّت علي الفكرة ، لم أكن أعلم أنني سأكتبها قصة ، ولا هي شكل مسرحي ، ولا دراسة ، ولا مناجاة .. فولدت الرواية دفعة واحدة ، والتفاصيل تولـّّد بعضها ..
فمثلا : شخصية ليلى ، وهناك عمة ليلى .. من هي ؟؟
هي التي وقعت في حب رجل أجنبي .. أنا لست ضد الزواج بالأجانب ..ولكن في قرارة نفسي ، أنا ضد غربة الإنسان ..
أنا لا أعترض أن يتزوج ابني من أجنبية .. شعوري إنساني .. لكني أحس بأنه سيتغرب ، وأنا سأكون غريبا أيضا .. والأولاد سيكونون نصف غرباء ..
أنا لا أقوم بنوع من الملاحظة الاجتماعية للدعوة لنبذ الأجانب .. لكن عندي شعور : أحس أن المرأة الغريبة التي أتقنت فن الجنس ، بنتيجة الخبرة ، والحرية الجنسية ، لكن حياء المرأة الحلبية ، فيه جاذبية جنسية تفوقها ..
هذا يعود إلى أني في أعماقي ، قد أكون شوفينيا كثيرا كثيرا ..
أحب البلد كثيرا .. فمثلا : أنا معجب بالثقافة الغربية ، لكن ، لا أستطيع أن أضحّيَ بذاكرتي الوطنية من أجل حلمي الثقافي .. عندما يحصل هذا الصراع ، أختار الوطنية .. والوطنية عندي ساذجة جدا ، وليست معقدة .. شعوري اليومي ، عندما آكل خيارة في حلب ، أستمتع فيها كثيرا .. وفي باريس ، يوجد خيار نظيف وجيد .. لكن ....
الخيارة أو البندورة هنا ، لها ذاكرة ..
حتى ذاكرة التخلف .. أنا واقع في غرام التخلف في حلب ..
ـ جميلة حتى في تخلفها ..
نعم .. أحس بالغربة ، عندما أنخلع ..
في منظومتي الفكرية ، بالرغم من حبي لحلب ، لا أستطيع قبول حالة التعصب الدوغمائية التي تسبب لي الغضب ..
إن إيقاع الطبيعة الأساسي ، هو في التعددية .. وهذا لعب دورا كبيرا في دراستي ، في كلية الزراعة ..عندما تكتشف أن هناك ملايين الأنواع والأجناس من الحشرات والحيوانات والنباتات بأشكالها ، الدنيئة والراقية .. تحسّ بهذا التنوع جزءا من عبقرية الطبيعة .. وجزءا من تعدد وجوهها ، الذي يجعلك ـ في الوقت الذي تكره فيه حرَّ الصيف ـ ينمو عندك حلم برودة الخريف .. فيبقى عندك الانتظار حالة شعرية .. هذه الحالة الشعرية ، تولـّد الفن والفلسفات .. هناك شيء آتٍ ، فيه تقلـُّب .. فعندما يكون السطح مستويا ، والطريق مستقيما ، والفكرة واحدة .. إنها الرتابة ، وأنا أكرهها جدا ..
أكره (السيستم ) الواحد .. طبعا ، أنا لست ضد النظام العام .. فهو شيء آخر ..
تكوين رواية ( الحنظل الأليف ) :
فكرت فيها بعد أن انتهيت من كتابتها ..
وأنا شاب صغير ، كنت أعرف ( خير الدين الأسدي ) ، أعرفه عن بعد .. فهو مدرس ، لكنه لم يدرّسني ، وهو بالنسبة لي ، شخصية مثيرة للتفكير ..
وأول عمل أثار انتباهنا ، هو كتابه ( أغاني القبة ) ، تلك الغنائية الصوتية الجميلة ..
وقد قام الأسدي بمحاولات لسبر غور بعض مغاور ( التلة السوداء ) في حلب .. لأنه كان يملك نظرية ، ليست مبنية على أسس علمية واضحة ، إنما ، ضمن قياسات علمية معينة ، يعتقد الأسدي : أن الإنسان الأول كان موجودا في حلب .. في المغاور ، وفي المنطقة الكلسية الصالحة للحفر بأدوات أولية ..
وفعلا ، حاول الأسدي أكثر من مرة ، ووصل إلى مسافات ، وأصيب بشبه اختناق ، وأخرجوه .. كان عنده رغبة في البحث العلمي التاريخي اللغوي ..
بقيت الحادثة في ذهني سنين طويلة ..
إذا أردنا أن نقوم بحفريات في المدينة ، فسنكتشف حقائق .. لكن الحفريات في عمق الإنسان ، هي مهمة الكاتب ..
والشرارة الأولى التي جعلتني أبدأ في الرواية ، حيث كان فاتح المدرس ، الصديق العزيز ، وما زال ، وكان أستاذا لي قبل ذلك ، في ثانوية المأمون ، وكان يدرسنا اللغة الإنجليزية ، وهناك علاقات حميمة .. شاهدته صدفة في دمشق ، ودعاني إلى بيته .. بيته تحت الأرض .. هو بيته ومرسمه ، جانب مطعم الشرق .. فكنا خمسة أو ستة أشخاص ، الجلسة كانت حميمة ، وهناك هذر ثقافي ، وشكوى سياسية .. اختلطت الأمور ببعضها ، ولكن كانت ليلة جميلة ..
أثرت بي بعد عودتي إلى حلب .. ابتدأتُ بلا شعوري أكتب عن هذه الجلسة ، ونبتت ـ فجأة ـ الفكرة ..
وفي الرواية ، روى لنا واحد حكاية .. والحكاية تروي حكاية .. وكانت حكاية الحنظل الأليف ..
طبعا ، هناك خلفيات عديدة ، ومستويات عديدة للرمز ، وللواقع ..
وشخصية الأسدي ، بالرغم من عدم حضورها القوي في الرواية ، كانت هي الباعث الأساسي للتفكير في البنية التحتية للحياة والمجتمع .. وعندما أصبحت صديقا للأسدي في أسلوبه العلمي ، في تحري الحقيقة ، وراء الظاهر ، لعب دورا أيضا في تفكيري أنا ..
اطلعت على مسوداته في كتابه الذي صدر بعدئذ : ( موسوعة حلب المقارنة ) .. لا يكتفي بالمثل .. أو بالكلمة .. أو بالمصطلح بشكله الظاهري .. فهذا قريب جدا من الحفريات الأدبية ..
وقد يكون في هذا العمل الروائي الذي اشتغلته أنا ، محاولة في تطبيق هذه المفاهيم ..
ما هو تحت السلطة ؟؟ ما هو تحت البنية ؟؟ ما هو تحت الحياة ؟؟ تحت ، بمعنى : ما هي الجذور ؟؟ ما هي الخلفية ؟؟ ما هو الشكل المقابل ؟؟
هذا اللقاء عند فاتح المدرس ، حضره الشاعر مصطفى البدوي رحمه الله .. حتى ظهرت في الرواية ( الشكوى ) .. أو ، بالمعنى الشعبي : النـَّقّ .. النـَّقّ الثقافي ..
أحيانا ، الثرثرة ، تفجر في العمق ، في مختبر الإنسان الداخلي ، قضايا دفينة ، وحزينة .. وأذكر أننا أتينا على ذكر الأسدي ، وكان متوفيا .. هذه الحادثة تمت قبل أن أكتب الحنظل الأليف بمدة طويلة .. قد أكون أنا أحمّل الأسدي أكثر من حقيقته .. أذكر في أحد اللقاءات ، في المعهد الفرنسي ، في دمشق ، التابع لجامعة باريس ـ وكنت أدعى للقاء مع الطلاب الدارسين ، وبعض الكتّاب ـ سألني أحد الأشخاص عن الحنظل الأليف ، بقوله : هذا شيء في منتهى التخيل ، هذا شيء غير منطقي .. فما معنى المنطق ، وقربه من الرواية ؟؟
أنا أذكر ـ وللتخلص من مأزق ـ قلت له : الحقيقة ، أنا لست روائيا .. أنا كذاب .. أنا لا أروي حقائق .. أنا أكذب لكي تصبح هذه الكذبة حقيقة .. ( الكذب بمعنى : الخيال ,, التخييل ) ..
واكتشفت وأنا أفكر : إذا وصل الكاتب لذلك ، يكون قد وصل إلى غاية الفن .. أن يجعله حقيقة ، أو موازيا للحقيقة .. أو يرى الحقيقة من خلاله ، حتى نفسر الواقع .. أو ، أن يفترض أن الواقع يجب أن يكون هكذا ، لكي يفهم هكذا ..
هذه الفذلكات الفلسفية ، ليست مرافقة للكتابة .. تأتي بعد الكتابة .. إنما يفكر الإنسان : لماذا ؟؟
واحد من أهداف الفن : الفن هو خلق المثل الأعلى .. خلق حالة الجمال .. لكن ، المهم كثيرا ، هو خلق حالة العزاء ..
ـ كيف ؟؟
عندما تشرح الواقع ، أو تضع بديلا عنه ، أو تفضحه ، أو تجمّله ، كأنما تقدم العزاء لنفسك وللآخرين .. تقدم العزاء ، وتقول : الحمد لله ..
أهم مؤسسة تقدم العزاء للإنسان هي : الدين ..
الروحانية في حالتها البدائية ، تأخذ شكلها الميتافيزيقي الروحاني .. في حالتها المدنية الراقية ، تأخذ شكل الفن .. لذلك ، يصير هنالك تطابق بين الدين والفن ، بشكل كامل في وظائفهما ، في تقديم العزاء للإنسان ..
حتى الإنسان البدائي جدا .. إنسان الكهف الأول ، عندما رسم الثور ، كان يتمنى أن يصطاد الثور .. فقدّم العزاءَ لنفسه ، بأن الثور قوي جدا .. يستطيع أن يجمّدَ الثور على جدار الكهف .. فواسى نفسَه ..
مع نشوء الفكر الفلسفي البدائي ، الذي وصل إلى فكرة الدين ، بعدها أخذت الفلسفة بعدا آخر ..
الآن ، الدين هو الفن بمعناه الروحاني ، لكن ، بحالة مدنية متطورة ..
في النهاية ، الروائي ، أو الكاتب المسرحي ، أو الشاعر ، في المقام الأول ، يقدم العزاء لنفسه ..
متى يكون الكاتب عظيما ؟؟ عندما يصبح العزاء صالحا للآخرين ، ويكون حالة منطوية وعادية ، إذا كان الكاتب أو الشاعر مثلا : يغازل امرأة ، وبعدها يلاقيها ، وبعدها يتم الوصال .. هذه ليست الحقيقة .. لكنه يقدم العزاء لنفسه ..
هذا يبقى شعرا ذاتيا .. ولكن ، عندما يصبح هذا النموذج مطابقا لكل الناس ، معنى ذلك : أنه يقدم العزاء والجمال للكل .. لم يعد وثيقة شخصية .. ولذلك ، كل إنسان يكتب مذكرات ، ولكن بعض الكتاب ، مذكراتهم وأعمالهم الأدبية ، هي وثيقة ملك للناس كلهم .. ويصير هناك مطابقة لحالاتهم ..
عن رواية ( أحضان السيدة الجميلة ) :
بعدت السنون الآن عن الكتابة .. أنا كنت أحب القلعة كثيرا ..
ـ هل كانت هناك علاقة بينك وبين سيدة ما ، طورتها ، وكوّنتَ عنها فكرة أخرى وربطتها بالقلعة ؟؟
أنسنة الأشياء ، جزء من السلوك البشري ، تعَبَّرَ عنه في الوثنية وفي الدين وفي الفن .. المخيف هو : تشييء الإنسان .. إدخال الشيء ، أو الظاهرة ، أو المادة ، إلى حظيرتك الإنسانية ، هي محاولة لتوسيع دائرتك ..
أعود لفكرة : النسيج المعقد للرواية ، والذي يتشكل من مستويات عديدة ..
طبعا .. هذا موجود في أعماقي ، نتيجة الحكاية الشعبية القديمة .. فجدتي ـ في بدايات طفولتي ـ عندما كانت تحكي لي حكاية ، كنت أتوه معها .. مثلا : تكون في قصة السندباد ، وهناك مستوى آخر للحكاية ، ومستوى آخر ، وهو العنعنة .. أي : روي كذا عن فلان .. عن .. عن ...
قد يكون لهذا السلوك المكتسب بطفولتي ، أثره في هذه المستويات .. أو قد يكون طريقة لتمرير أفكار كثيرة ..
نعود إلى روية أحضان السيدة الجميلة : العلاقة التي نشأت بيني وبين القلعة هي في البداية : علاقة مادية .. وقد ذكرت من قبل ، أننا كنا نتسلقها أكثر من مرة في الأسبوع .. بعدئذ ، دخلنا القلعة .. دخول القلعة ، كان له دور كبير في الدهشة ..
من الذي سكن القلعة ؟؟ كانت الأمثال الشعبية تقول : ( نيالو .. بيته في القلعة ..) أنا كنت أتصور ، أن بيته في القلعة ، يعني : أنه عال .. فيه هواء جيد ، ومطلٌّ على المدينة ..
لا .. كان الهدف منه : أن الذي بيته في القلعة ، كان في السلطة .. امتزج مفهوم القوة بالسمو التـّلـّي .. ( نسبة إلى التل ) التي قد تكون اصطناعية ، وليست طبيعية ..
( تنويه : مع الأسف ، ينقطع التسجيل هنا ، ثم ، حين تابعنا التسجيل ، كان الموضوع مختلفا ) ..
الرواية ، يجب أن تكون رواية ..
الرواية ، عندما تكون تاريخا ، أو فلسفة ، أو أيديولوجيا مقيتة ...إلخ ، لتحقيق هذا الهدف أو ذاك ، أنا برأيي تفقد مشروعيتها الأساسية .. إنما أي عمل هام ، لا يخلو من هذه الأشياء ..
فالرواية الآن ، إذا عدنا إلى نشأة الرواية في ثقافة مثل الصين .. من هو الروائي سابقا منذ ألفي سنة أو ألف خمس مئة سنة في الصين ؟؟ طبعا ، في الصين ، ثقافة راقية جدا .. كان هدف الروائي أن يكتب ما لا يقل عن سبعة مجلدات إلى خمسة وعشرين مجلدا ، هي حياة أسرة ، يتابع الأجيال فيها .. وهذا النص مكتوب ، ليسلي العجائز في انتظارهم للموت في ذلك الزمان ..
ما معنى ذلك ؟؟ هذا النص ، يغنيه عن الكتاب المقدس ، وعن الحكمة ، ويغنيه عن سرد التاريخ ، كما يفعل العجائز عندما يستذكرون .. ويقدم النص له ، قبل كل شيء ، متعة المتابعة ، ومتعة فهم الحياة .. وبالتالي ، عزاء لهذا المتقاعد الذي يظل يقرأ في رواية ما ، عشر سنوات ..
أنا لا أقول الآن : على الرواية أن تكون كذلك .. لأن الموت كان بطيئا ، فصار الآن خاطفا .. فليس هناك من داع ، لتقديم العزاء لشخص ، لا نعلم متى سيأتيه الموت ..
ـ ليست المسألة هي في الرواية ، إنما في الموت ..
نعم .. هناك شيء لمسْته .. هناك مفهوم خاطئ ..
مثلا : ينعقد مؤتمر للرواية .. أنتَ تحضّرُ رسالة دكتوراه عن الرواية ..
والقصة ؟؟!! لمن تنتمي ؟؟
حسبوها على أساس نظرية الأجناس الأدبية المختلفة ..
أنا لي رأي آخر .. أتكلم عن القصّ في أشكاله المختلفة .. عملية القصّ بحدّ ذاتها ..
تعليق : أنا أتفق مع الكاتب في " شوفينيته الوطنية ـ الحلبية ، أحيانا " التي حكى عنها ، لكني لا أتفق معه في موضوع " العزاء للإنسان " ، وعلاقته بالفن ..
انتهى القسم الثاني من الساعة الثالثة ..
ستأتي الساعة الرابعة والأخيرة ..
الأحد، 3 أكتوبر 2010
الكاتب وليد إخلاصي .. لقاء خاص ـ 3 ـ القسم الأول
الساعة الثالثة :
حلب ـ 8ـ13/8/1993
قبل البدء ، سأعتذر من السادة القراء سلفا ، لأنني مضطر لتقسيم هذه الساعة إلى قسمين ، نظرا للكم الكبير الذي يحتويه هذا الشريط ..
القسم الأول :
ـ أرجو أن تحدثني الآن عن الينابيع الثقافية التي استقيْتَ منها ، في بداياتك ، اهتمامَك بالثقافة : الكتب التي قرأتها .. الأشعار .. كيف تعاطفتَ مع الأدب الذي أحببْتَه ؟ من الذي فتح لكَ آفاقا واسعة في حياتكَ الأدبية .. في فكرك .. في وعيك ..
ـ أنا ذكرت بعض الأسماء ، خصوصا في قضايا القصة ، والمسرح ، والرواية .. واهتممت كثيرا ـ وما زلت ـ يأسرني المنهج العلمي .. مثلا : إذا خيِّرتُ الآن أو سابقا ، بين قراءة كتاب في الفلسفة ، جميل بشكل ما ، وبين رواية .. فالرواية تأتي في المقام الثاني ..
في الشعر ، لي مزاج خاص في قراءة الشعر ..
مثال : من الشعراء القدامى ، كنت أحب طرَفَة بن العبد كثيرا .. بعدئذ ، اكتشفت السبب .. فالحسّ التراجيدي ، كان عظيما عند طرَفة ..
مثلا : أبو تمام .. بعض أشعاره ساحرة ..
المتنبي : لم أكن أحبه كثيرا ..
ـ كنتَ وما زلتَ ؟ أم كنتَ ؟
ـ إذا سئلتُ اليوم ـ وهذا رأيٌ ليس للنشر كي لا أرجَم بالحجارة ـ مثلا ، فأنا الآن أرى أن محمود درويش ، أشعرُ من المتنبي .. لكن هذا لا يعني أن المتنبي ليس عظيما .. فله أشعار أحفظها ..
في الشعر الجاهلي ، عندما كنت أفهم مفرداته ، كان أعظم كثيرا من شعر صدر الإسلام . . أنا لا أحب البوصيري .. فالذي كان يلفت نظري أبو نواس .. كان شاعرا عظيما عندي ..
قد يكون خرْقه للمألوف وللمتعارف عليه ، هو سبب لفت نظري ..
المتنبي ، له أشعار عظيمة .. وهو شاعر عظيم ..
لكن ، متى أستمتع ؟؟
أنا اكتشفت أن محمد الماغوط شاعر جدُّ مهم في تاريخ الشعر العربي ..
منْ هو الشاعر العظيم ؟؟
كنت أسأل نفسي ذلك السؤال .. قد لا تتوفر لي الإجابة ..
فسؤال مثل : لماذا أحببت تشيخوف ؟؟
دانتي ، قرأته مبكرا ( الكوميديا الإلهية ) .. هو شاعر عظيم .. لكن ، لم يحفر في أعماقي كما حفرت قصة صغيرة لتشيخوف ..
أحببتُ شيكسبير كثيرا .. لأنه ذا غنائية غير مجانية ..
ـ ماذا تعني ؟؟
ـ يعني : كان ساحرًا .. اللغة العظيمة لها مدلولها ..
ـ قرأتَـَه بالعربية ؟؟
ـ طبعا ..
من الكتاب الذين لا علاقة لهم بالفن : أبو حيان التوحيدي .. لعب دورا كبيرا .. قرأت مبكرا : الهوامل والشوامل ، للحوار الذي قام بين ابن مسكويه ، وأبي حيان التوحيدي .. أصِبت بالدهشة ، فكيف يستطيع إنسان واحد أن يرد على جميع الأسئلة ، مهما تنوعت ؟؟!!
إذن ، عندما كنا نسأل أستاذ العربي سؤالا ، كان يمكن أن يوازن بين أبي تمام والمتنبي ، لكنه ، هل يمكنه أن يقيم موازنة بين المتنبي وآينشتاين ؟؟!! ليس بينهما علاقة ..
أنا ابتدأت الحوارات الثقافية في ذهني على هذا المنوال ..
دائما ، كان السؤال التالي يشغل بالي : من الذي صنعه وجدان العالم ؟؟
عندما قرأت ( لاوتسي ) في ( طريق الفضيلة ) ، أحسست أنه أقرب لي بكثير من ابن تيمية مثلا ، وبعض المفكرين الإسلاميين .. لكن ابن عربي ، سحرني ..
القراءات الدينية ، لم أكن أحبها كثيرا .. السبب : لأنني أكرهتُ عليها .. قرأت ( إحياء علوم الدين ) ، وأنا صغير .. وعندما قرأت ( نهج البلاغة ) ، سحرني إيقاع اللغة .. تصورت أن مجمع حكماء يصدر في كل سطر قانونا جديدا للحياة وللعلاقة ..
أنا الآن ، لا أحفظ شيئا من نهج البلاغة ، لأنه مضى وقت طويل عليها .. لكني ما زلت إلى الآن ، أحمل هذا الطنين البلاغي ، ذا المعنى العميق ، الذي لعب دورا هاما في اتباعي منهج الاقتصاد اللغوي .. وكذلك القرآن الكريم ..
أنا أصل إلى المعنى ، بأقل قدر من الكلمات ، ولذلك ، أكتشف بعد قراءتي للمنفلوطي ، في شبابي الأول ، أنه ( يطلـِّع الروح ) .. كان الناس معجبين بأحمد حسن الزيات ، ولم أعجب به أنا .. وفريد وجدي كذلك ..
أعجبت بالمازني كثيرا .. وبطه حسين ، وخصوصا عندما سمعت حديث طه حسين ..
للآن ، صوته يهز روحي ، وهو يلقي الكلام ، وليس هناك من حرف زائد ، أو ناقص ..
أنا أكنُّ كراهية فظيعة للشعراء الذين يحكون كلاما ..
ـ مثل ؟
ـ أسماء كثيرة ، ولاسيما المُحْدَثون ، وبعض شعراء التفعيلة السخفاء .. يحكون كلاما فارغا ، لا يعني شيئا ..
إذا كان هناك اجتماع رسمي ، في المهنة ، أو في اتحاد الكتاب ، فعندما يصير الكلام فارغا ، أتململ .. وأنسحب .. ثم أتغيب عن الاجتماع التالي ، لأنني لا أستطيع الاحتمال..
فاللغة جِدُّ مقدّسة عندي .. ولها وظيفة يجب أن تظهر مفاتن المعنى .. فعندما تكون اللغة فضفاضة ، لا يظهر الصدر أو العجز ، بالمعنى الجميل .. أريد اللغة على قدِّ المعنى تماما .. فعندما أقرأ ( راسل ) ـ الفيلسوف الإنجليزي ـ يعجبني وأستمتع في قراءته ، أكثر مما أستمتع بقراءة إحسان عبد القدوس ، رغم أن هذا روائي مهم ، لكني أحس أن لغته ( فضفاضة ) ، كثيرا ..
الذي أدهشني ، وتابعته من الروائيين : نجيب محفوظ .. رجل يصل إلى المعنى بخط مباشر ، بالرغم من رمزيته التي ليس لها حدود في إدهاشك ..
أنا وصلت الآن إلى قناعة : أنني لا أكمل قراءة الكتاب الذي لا تعجبني صفحاته العشرون الأولى ..
لم يعد يهمني ذلك كثيرا ، لأن وقتي مشغول ، وغير قادر على احتمال الكلام الفارغ ..
وقد أدهشني العلايلي ، الشيخ عبد الله .. رأسا استعدْتُ عَظمَة القدَ .. اللغة على قدّ المعنى .. وسبب أهميته : أن منهجه ، علمي ..
أنا أتصور : لو أن علي بن أبي طالب حي الآن ، يجوز ألا يستخدم نفس الشكل اللغوي ، لكنه لن يكون ثرثارا بأي حال من الأحوال .. لن يكون ثرثارا ..
أنا أستغرب من رجل في بيئة بدوية ، يستطيع أن يستخدم المنهج العلمي ، في تلبيس اللغة للمعنى بهذه الطريقة !! مدهش ، وغير طبيعي ..
في زماننا ، كان الطاغي : جبران .. أحبه كثيرا أنا .. ولم يفقد أهميته ، لأنه خلصني من المنفلوطي ..وهو تأسيس لحركة الحداثة والتجديد ، وغير ذلك ..
فأنا أكره أن أعطيَ حكمة .. يعني : عندما أكتب ، لا أريد أن أعطي للقارئ حكمة ، أو موعظة ..
فهناك التعالي السياسي ، وهناك التعالي اللغوي أيضا .. إن إنسانا يجعل من نفسه نبيا في هذا العصر .. لا أقبل ذلك .. فأنا أقرأ ( النبي ) ـ لجبران ـ بين فترة وأخرى ، وأستمتع ..
فالتكنيك الأساسي في الفن ، هو أن لا تتعالى ، ولا تفرض نفسك ..
أنا في ذاتي ، أكون سعيدا عندما أؤثر في الآخرين ..
بريخت .. رغم إعجابي الشخصي به ـ لأنه أحدَثَ إضافة ـ لكني أكره الجانب التعليمي فيه .. لماذا تعلمني ؟؟!! اتركني ..
آرثر ميللر .. كاتب معاصر ، يطرح قضية دونما تعليم ..
جورج شحادة .. يسحرني .. ساحر .. في نهاية الفصل ، لا يقول لك كذا ..
ـ " رسول حمزاتوف "
هذا ستعتبره طفلا جميلا جدا .. لكن ، عندما يبلغ الوعي ، ويقول : حبّوا بعضكم .. لا أقبضه ..
بشكل عام ، هو طفل موهوب ونقي جدا .. لكنه أحيانا ينسى ، ويتصور نفسَه عضوا في اللجنة المركزية ، ويعطي إيحاء .. يضايقني هذا .. فالمباشرة ، والتعليمية ، والترغيب ، والترهيب ..لا أحبها .. هذا احتقار لذكائي ..
ـ " جينكيز آيتماتوف "
فنان .. كاتب عظيم .. فنان كبير .. هذا لا يعني أن حمزاتوف ليس فنانا .. كلا .. لكن جينكيز ، ليس مكسيم غوركي الذي يكتب ليعلمك .. مكسيم ، أيضا ، كاتب عظيم .. وهذا مزاجي الشخصي أنا ..
أحب موباسان جدا .. فهو كاتب ، فنان .. وبالأخير ، أنت الذي تستخلص الموعظة ..
أنا ، لي رؤية في العملية .. طبعا ، ليست رؤيتي الشخصية ، إنما استقيتها من الطبيعة ..
الفن مثل الزجاج ( البللور) .. كلما ازداد رُقيُّه ، يتحول إلى كريستال ..
الكريستال ـ الذي هو تقليد للألماس ـ متعدد السطوح .. يأتيه الشعاع ، فيعكسه بجميع الاتجاهات .. فأنت ترى الاتجاه الذي تريد ..
عندما يصبح الفن ذا سطح واحد ، لا يعكس لك سوى ما جاءه .. هذا هو التعليم المباشر ، الذي لا يعنيني شخصيا ..
فأهمية الكريستال ، أنه يعطيك فرصة لترى الحقيقة على أكثر من وجه ، وترى الجمال على أكثر من وجه .. وهذا الشيء ، لعب دورا في كتابتي ..
رغم أن لي مواقف في الحياة ، لكن ، لا أريد أن أمْليَها بشكل مباشر .. فليست مهمتي تعليم الناس الفضيلة ..
الفن عندما يصل إلى كماله ، ليس له سوى وظيفة جميلة فقط ..
ـ هل كان للأسماء التالية تأثير عليك : غوغول ، بوشكين ، دوستويفسكي ، تولستوي ؟؟
تولستوي : فنان عظيم ..
غوغول : مدهش .. هؤلاء مدهشون ..
أنا لا أخفيك .. إنني لم أستطع إكمال رواية ( الدون الهادئ ) لميخائيل شولوخوف ..
ـ لماذا ؟؟
أنا لا أريد لمن يبني لي بيتي ، أن يأخذني برحلة إلى مقلع الحجر ، وأشهد العملية منذ لحظة البدء ، بقطع الحجر ، فتسويتها ، فبنائها ..... أنا أريده ـ رأسا ـ أن يضع لي حجرا فوق حجر ، ويمضي .. (إذن ، على مبدأ الإسراف اللغوي ) .. بالضبط ..
ـ هل يستوي دوستويفسكي مع شولوخوف في ذلك ؟؟
ـ لا .. لا .. دوستويفسكي ، استطراده اللغوي ، يمليه لا وعيه العجيب .. وأنا واثق ، أنه لا يعي ما كان يكتب .. هذا شعوري ..
الآن ، تجد التكنيك الروائي الجديد ، أخطر بكثير من التكنيك الروائي القديم ..
إذا أخذنا ماركيز .. من هو ماركيز ؟؟ هو عودة سلفية ، بعبقرية .. ما السلفية هنا ؟؟ يعني أن تنبش الأسطورة لمجتمع ما ، ذلك أصلا ، عملية سلفية ، ولكن الوسائل المدهشة تعطي للأسطورة شكلا جديدا .. يعني : ليس ميثولوجيا ..
فالميثولوجيون : يقدمون لك الأسطورة بحفريات .. هذا لا ..
يحفر بأعماق الإنسان ، وأعماق المجتمع ، بطريقته الشخصية ، ويأخذ الأسطورة ، أو الشكل ، أو الخرافة ، ويصوغها بطريقته الجديدة .. هذا هو الخَلق ..
ـ لكني لم أستطع أن أقرأ ماركيز ..
هذا وارد .. لستَ أنتَ وحدك .. فكثير من الناس أيضا ، لم يستطيعوا قراءته .. والسبب : أنه نمط غير مألوف .. ولم نعتدْ نحن أن نقرأ هذا النمط .. وربما هناك أسباب أخرى .. وإذا لم تقرأ ماركيز ، فهذا ليس حكما عليك ..
أنا تعذبت بقراءته في البداية .. بعدئذٍ ، اكتشفت : بالرغم من أنه يتحدث عن أمريكيا اللاتينية ، إلا أنه قريب مني ، ومن حياتي .. فمثلا : ( خريف البطريرك ) : واحدة من أهم أعماله .. وهي أعظم عمل روائي في تشريح الأنظمة الديكتاتورية .. ولا يعادله شيء .. ولكن ، كأنما عجوز ثرثارة هي التي تتكلم .. ولكنكَ إذا أصغيْتَ لها ، تبدأ أنتَ بترتيب الأفكار ، وتمشي في السياق ..
ـ يعني : هي ثرثرة ، تحتاج إلى تنسيق ..
بالضبط .. ولكنه عبقرية خاصة .. وليست قضية مدرسة .. إنما هو بداية أسلوب جديد في أسطرة الواقع ..
ـ هل سبقه أحد إلى هذه الأسطرة ؟؟
نعم .. في الأدب العربي القديم .. في الأدب الهندي .. الصيني ..
مشكلتنا التي بدأتُ أعيها الآن ، أن المركزية الغربية هيمنت علينا ، لدرجة أننا لم نأخذ بالثقافة إلا الآتية إلينا من الغرب .. لكن ، لا .. يوجد في الشر ق كنوز هائلة .. حتى هنا ، يوجد الكثير دون أن ندري ..
فإذا قرأت كتابا للمتصوف الكبير فريد الدين العطار النيسابوري : ( منطق الطير ) : وهو كتاب صوفي ، فيه تكنيك روائي مدهش ، وفيه غرائبية ، وكأنما ماركيز ، استفاد من ذلك ..
الآن ، نحن لسنا بصدد: من الأهم ، ومن الأخطر؟؟
لكن ، يوجد شيء مهم : إن الإبداع الحقيقي لا يكرر ما قبله .. ففي كل عصر يوجد من يرفع اللواء ..
حتى نجيب محفوظ ، بعظمته ، يجب أن يظهر من يتجاوزه في المستقبل .. وإذا لم يظهر ، فتلك مصيبة ، وعقم ثقافي ..
ـ هل هناك بوادر لمن يتجاوز ؟؟
طبعا .. يوجد بعض النماذج الروائية المهمة جدا ..
ـ جمال الغيطاني ، مثلا ؟؟
جمال له عمل جيد جدا ..
ـ يوسف القعيد ؟؟
يوسف يدهشك ، لكنه لا يتجاوز نجيب محفوظ ..
ـ جبرا إبراهيم جبرا ؟؟
جبرا .. علم قائم بذاته .. هو حالة ثقافية نادرة ، تألق في أعمال ، وتفذلك في أجزاء منها .. لكنه تألق .. مثلا : (البحث عن وليد مسعود ) ، مهمة جدا .. لكن ( السفينة ) ، أهم .. لأن فيها روحا روائية .. أما البحث عن وليد مسعود ، ففيها روح ثقافية ..
ـ صاحب ( الأشجار واغتيال مرزوق ) عبد الرحمن منيف ؟؟
هذه الرواية بالذات ، فيها فذلكة سياسية .. تألق أكثر في ( مدن الملح ) .. وهو روائي ..
في نشأة روايتي ، على سبيل المثال ، أذكر في الثمانينيات ما حدث من أشياء في سورية .. وبالذات في حلب .. وهذه مازالت تحفر في ذاكرتي ، ولم تستوف بعد ..
الحدث الاجتماعي السياسي الذي حدث ، كان أكبر من الأعمال التي كتبتها ، وما زالت تعيش في ذاكرتي .. وفي وجداني ..
ـ تريد أن تقول : إن ما كتبته لم يفِ ، أو لم يعبر عما يجول في خاطرك ، وعما خلفته في نفسك أحداث 1980 ؟؟
بالضبط .. بالضبط ..الموضوع : مازلت أحس أنني استجبت عاطفيا ، ولم أكن دارسا استوفى الحدث ..
لما حدثت الفوضى المريعة ، في حلب بالذات ، وأصبحت شعبوية الشارع مسيطرة على كل شيء ، وهجمة الإخوان المسلمين ، وردة الفعل العنيفة أيضا من السلطة ، خلفت عندي شعورا .. لم يكن هناك منع للتجول ، لكن مُنِعَ التجول فترة قصيرة .. ولكن ، امتدت فترة طويلة من الإحساس بالغربة عندي ، لإحساسي بأن ما قد يصيبني شخصيا ، قد يكون خطرا جدا ..
أذكر في تلك الأحداث ، كنت في زيارة إلى دمشق ، وفي الطريق ، عانيت كثيرا من الحواجز ، ومن التفتيش .. وخطر في بالي : ماذا يحدث لو قسِّمَتْ سورية ؟؟!!
هذا الإحساس جعلني أتمسك كثيرا بالإحساس بأنني سأفقد شيئا ثمينا .. وظللت فترة ، لا أستطيع الذهاب إلى العمل ، أو إلى السوق .. ظللت فترة حبيس البيت ..
آنذاك ، استيقظت بي ذكريات الطفولة .. قضيت جزءا من طفولتي ، نلعب ، ونزور كثيرا دارا كبيرة تقع في حي الفرافرة ، أمام خان الوزير .. يسكنها عديد من العائلات ، ويسمى هذا المكان بالمنصورية .. والسبب : أن جدتي لأمي ، هي من عائلة المنصوري .. فعندما كنا أطفالا ، كنا نلعب في هذه الدار التي يسكنها أكثر من ست عائلات .. رجالها إخوة ، وتقوم الأم على رعاية الجميع .. وكنا نهابها ، بالرغم من أننا أقرباء .. وكانت لطيفة جدا ، لكن ، كانت صاحبة قرار .. تقول : كفوا عن اللعب ، نكف عن اللعب ..
عندما يأتي العيد ، أول بيت نزوره ، كان بيت هذه العائلة .. وكان هناك كثير من الشباب والصبايا من جيلي .. الشيء الذي لا أنساه ، هو وجود ثلاثة قبور قائمة في أرض الحوش .. هذه القبور هي بالتتابع لأجداد العائلة .. وكان هناك أيضا في غرفةٍ مقفلةٍ ، قبرٌ اعتبر وليّا ، هو الأب الأكبر لهذه العائلة ..
هناك مكان تجسّدت فيه تقريبا دورة الحياة والموت ..
الطفولة .. الحياة المشتركة .. الأموات ، وهم يعيشون وسط الناس .. وهذه الحالة ، لم أجدْها في مكان آخر .. هذا المكان استدعى مني أن أعود لأعيشه من جديد ..
في تلك الفترة من حياة سورية ، وحياة حلب بالذات ، ألحّت عليّ ذكرياتي في تلك الدار .. بالرغم من أن آخر مرة زرت فيها الدار ، كانت عندما توفيت إحدى الصبايا في حادث ..
الآن ، الدار خاوية ، لا يسكنها أحد ..
استيقظت الدار .. المكان .. وظهرت فجأة أحداث رواية : زهرة الصندل ..
مكان المنصورية الذي سميته في الرواية : الأنصارية .. من خلفها ، كان يوجد دار ( الكواكبي ) .. من أصدقائي أيام الطفولة شخص اسمه : هيثم كواكبي .. والآن من أصدقائي ، أخوه الكبير .. هيثم كان رفيقا في مدرسة الحمدانية التي كانت موجودة في حي الفرافرة .. جَدُّ هيثم هو عبد الرحمن الكواكبي ، الذي لا أعرفه أنا طبعا .. ولكن ، كنا نزور دار الكواكبي ، وما تزال فيها مهابة عبد الرحمن الكواكبي موجودة .. وحملتها معي من أيام طفولتي .. وعندما قرأت للكواكبي ( طبائع الاستبداد ) و ( أم القرى ) ارتبط مكان دار الكواكبي بالمنصورية .. فصار هناك خلط .. وابتدأت تتحول المنطقة كلها إلى نوع من الرمز ، أو الدلالة على حلب كلها .. وبالرغم من أن بيتنا كان في منطقة أخرى ، لكني كثيرا ما كنت أحسّ بالانتماء إلى هذه البقعة أكثر من بيتنا ..
دائما ، حتى في أحلامي ، وعندما كنت طفلا ، ألعب بلعبة ( الاستغماية ) .. كنا نختبئ في القبر الخشبي المنفرد للولي ..
ـ غدا ، القسم الثاني من الساعة الثالثة ..
حلب ـ 8ـ13/8/1993
قبل البدء ، سأعتذر من السادة القراء سلفا ، لأنني مضطر لتقسيم هذه الساعة إلى قسمين ، نظرا للكم الكبير الذي يحتويه هذا الشريط ..
القسم الأول :
ـ أرجو أن تحدثني الآن عن الينابيع الثقافية التي استقيْتَ منها ، في بداياتك ، اهتمامَك بالثقافة : الكتب التي قرأتها .. الأشعار .. كيف تعاطفتَ مع الأدب الذي أحببْتَه ؟ من الذي فتح لكَ آفاقا واسعة في حياتكَ الأدبية .. في فكرك .. في وعيك ..
ـ أنا ذكرت بعض الأسماء ، خصوصا في قضايا القصة ، والمسرح ، والرواية .. واهتممت كثيرا ـ وما زلت ـ يأسرني المنهج العلمي .. مثلا : إذا خيِّرتُ الآن أو سابقا ، بين قراءة كتاب في الفلسفة ، جميل بشكل ما ، وبين رواية .. فالرواية تأتي في المقام الثاني ..
في الشعر ، لي مزاج خاص في قراءة الشعر ..
مثال : من الشعراء القدامى ، كنت أحب طرَفَة بن العبد كثيرا .. بعدئذ ، اكتشفت السبب .. فالحسّ التراجيدي ، كان عظيما عند طرَفة ..
مثلا : أبو تمام .. بعض أشعاره ساحرة ..
المتنبي : لم أكن أحبه كثيرا ..
ـ كنتَ وما زلتَ ؟ أم كنتَ ؟
ـ إذا سئلتُ اليوم ـ وهذا رأيٌ ليس للنشر كي لا أرجَم بالحجارة ـ مثلا ، فأنا الآن أرى أن محمود درويش ، أشعرُ من المتنبي .. لكن هذا لا يعني أن المتنبي ليس عظيما .. فله أشعار أحفظها ..
في الشعر الجاهلي ، عندما كنت أفهم مفرداته ، كان أعظم كثيرا من شعر صدر الإسلام . . أنا لا أحب البوصيري .. فالذي كان يلفت نظري أبو نواس .. كان شاعرا عظيما عندي ..
قد يكون خرْقه للمألوف وللمتعارف عليه ، هو سبب لفت نظري ..
المتنبي ، له أشعار عظيمة .. وهو شاعر عظيم ..
لكن ، متى أستمتع ؟؟
أنا اكتشفت أن محمد الماغوط شاعر جدُّ مهم في تاريخ الشعر العربي ..
منْ هو الشاعر العظيم ؟؟
كنت أسأل نفسي ذلك السؤال .. قد لا تتوفر لي الإجابة ..
فسؤال مثل : لماذا أحببت تشيخوف ؟؟
دانتي ، قرأته مبكرا ( الكوميديا الإلهية ) .. هو شاعر عظيم .. لكن ، لم يحفر في أعماقي كما حفرت قصة صغيرة لتشيخوف ..
أحببتُ شيكسبير كثيرا .. لأنه ذا غنائية غير مجانية ..
ـ ماذا تعني ؟؟
ـ يعني : كان ساحرًا .. اللغة العظيمة لها مدلولها ..
ـ قرأتَـَه بالعربية ؟؟
ـ طبعا ..
من الكتاب الذين لا علاقة لهم بالفن : أبو حيان التوحيدي .. لعب دورا كبيرا .. قرأت مبكرا : الهوامل والشوامل ، للحوار الذي قام بين ابن مسكويه ، وأبي حيان التوحيدي .. أصِبت بالدهشة ، فكيف يستطيع إنسان واحد أن يرد على جميع الأسئلة ، مهما تنوعت ؟؟!!
إذن ، عندما كنا نسأل أستاذ العربي سؤالا ، كان يمكن أن يوازن بين أبي تمام والمتنبي ، لكنه ، هل يمكنه أن يقيم موازنة بين المتنبي وآينشتاين ؟؟!! ليس بينهما علاقة ..
أنا ابتدأت الحوارات الثقافية في ذهني على هذا المنوال ..
دائما ، كان السؤال التالي يشغل بالي : من الذي صنعه وجدان العالم ؟؟
عندما قرأت ( لاوتسي ) في ( طريق الفضيلة ) ، أحسست أنه أقرب لي بكثير من ابن تيمية مثلا ، وبعض المفكرين الإسلاميين .. لكن ابن عربي ، سحرني ..
القراءات الدينية ، لم أكن أحبها كثيرا .. السبب : لأنني أكرهتُ عليها .. قرأت ( إحياء علوم الدين ) ، وأنا صغير .. وعندما قرأت ( نهج البلاغة ) ، سحرني إيقاع اللغة .. تصورت أن مجمع حكماء يصدر في كل سطر قانونا جديدا للحياة وللعلاقة ..
أنا الآن ، لا أحفظ شيئا من نهج البلاغة ، لأنه مضى وقت طويل عليها .. لكني ما زلت إلى الآن ، أحمل هذا الطنين البلاغي ، ذا المعنى العميق ، الذي لعب دورا هاما في اتباعي منهج الاقتصاد اللغوي .. وكذلك القرآن الكريم ..
أنا أصل إلى المعنى ، بأقل قدر من الكلمات ، ولذلك ، أكتشف بعد قراءتي للمنفلوطي ، في شبابي الأول ، أنه ( يطلـِّع الروح ) .. كان الناس معجبين بأحمد حسن الزيات ، ولم أعجب به أنا .. وفريد وجدي كذلك ..
أعجبت بالمازني كثيرا .. وبطه حسين ، وخصوصا عندما سمعت حديث طه حسين ..
للآن ، صوته يهز روحي ، وهو يلقي الكلام ، وليس هناك من حرف زائد ، أو ناقص ..
أنا أكنُّ كراهية فظيعة للشعراء الذين يحكون كلاما ..
ـ مثل ؟
ـ أسماء كثيرة ، ولاسيما المُحْدَثون ، وبعض شعراء التفعيلة السخفاء .. يحكون كلاما فارغا ، لا يعني شيئا ..
إذا كان هناك اجتماع رسمي ، في المهنة ، أو في اتحاد الكتاب ، فعندما يصير الكلام فارغا ، أتململ .. وأنسحب .. ثم أتغيب عن الاجتماع التالي ، لأنني لا أستطيع الاحتمال..
فاللغة جِدُّ مقدّسة عندي .. ولها وظيفة يجب أن تظهر مفاتن المعنى .. فعندما تكون اللغة فضفاضة ، لا يظهر الصدر أو العجز ، بالمعنى الجميل .. أريد اللغة على قدِّ المعنى تماما .. فعندما أقرأ ( راسل ) ـ الفيلسوف الإنجليزي ـ يعجبني وأستمتع في قراءته ، أكثر مما أستمتع بقراءة إحسان عبد القدوس ، رغم أن هذا روائي مهم ، لكني أحس أن لغته ( فضفاضة ) ، كثيرا ..
الذي أدهشني ، وتابعته من الروائيين : نجيب محفوظ .. رجل يصل إلى المعنى بخط مباشر ، بالرغم من رمزيته التي ليس لها حدود في إدهاشك ..
أنا وصلت الآن إلى قناعة : أنني لا أكمل قراءة الكتاب الذي لا تعجبني صفحاته العشرون الأولى ..
لم يعد يهمني ذلك كثيرا ، لأن وقتي مشغول ، وغير قادر على احتمال الكلام الفارغ ..
وقد أدهشني العلايلي ، الشيخ عبد الله .. رأسا استعدْتُ عَظمَة القدَ .. اللغة على قدّ المعنى .. وسبب أهميته : أن منهجه ، علمي ..
أنا أتصور : لو أن علي بن أبي طالب حي الآن ، يجوز ألا يستخدم نفس الشكل اللغوي ، لكنه لن يكون ثرثارا بأي حال من الأحوال .. لن يكون ثرثارا ..
أنا أستغرب من رجل في بيئة بدوية ، يستطيع أن يستخدم المنهج العلمي ، في تلبيس اللغة للمعنى بهذه الطريقة !! مدهش ، وغير طبيعي ..
في زماننا ، كان الطاغي : جبران .. أحبه كثيرا أنا .. ولم يفقد أهميته ، لأنه خلصني من المنفلوطي ..وهو تأسيس لحركة الحداثة والتجديد ، وغير ذلك ..
فأنا أكره أن أعطيَ حكمة .. يعني : عندما أكتب ، لا أريد أن أعطي للقارئ حكمة ، أو موعظة ..
فهناك التعالي السياسي ، وهناك التعالي اللغوي أيضا .. إن إنسانا يجعل من نفسه نبيا في هذا العصر .. لا أقبل ذلك .. فأنا أقرأ ( النبي ) ـ لجبران ـ بين فترة وأخرى ، وأستمتع ..
فالتكنيك الأساسي في الفن ، هو أن لا تتعالى ، ولا تفرض نفسك ..
أنا في ذاتي ، أكون سعيدا عندما أؤثر في الآخرين ..
بريخت .. رغم إعجابي الشخصي به ـ لأنه أحدَثَ إضافة ـ لكني أكره الجانب التعليمي فيه .. لماذا تعلمني ؟؟!! اتركني ..
آرثر ميللر .. كاتب معاصر ، يطرح قضية دونما تعليم ..
جورج شحادة .. يسحرني .. ساحر .. في نهاية الفصل ، لا يقول لك كذا ..
ـ " رسول حمزاتوف "
هذا ستعتبره طفلا جميلا جدا .. لكن ، عندما يبلغ الوعي ، ويقول : حبّوا بعضكم .. لا أقبضه ..
بشكل عام ، هو طفل موهوب ونقي جدا .. لكنه أحيانا ينسى ، ويتصور نفسَه عضوا في اللجنة المركزية ، ويعطي إيحاء .. يضايقني هذا .. فالمباشرة ، والتعليمية ، والترغيب ، والترهيب ..لا أحبها .. هذا احتقار لذكائي ..
ـ " جينكيز آيتماتوف "
فنان .. كاتب عظيم .. فنان كبير .. هذا لا يعني أن حمزاتوف ليس فنانا .. كلا .. لكن جينكيز ، ليس مكسيم غوركي الذي يكتب ليعلمك .. مكسيم ، أيضا ، كاتب عظيم .. وهذا مزاجي الشخصي أنا ..
أحب موباسان جدا .. فهو كاتب ، فنان .. وبالأخير ، أنت الذي تستخلص الموعظة ..
أنا ، لي رؤية في العملية .. طبعا ، ليست رؤيتي الشخصية ، إنما استقيتها من الطبيعة ..
الفن مثل الزجاج ( البللور) .. كلما ازداد رُقيُّه ، يتحول إلى كريستال ..
الكريستال ـ الذي هو تقليد للألماس ـ متعدد السطوح .. يأتيه الشعاع ، فيعكسه بجميع الاتجاهات .. فأنت ترى الاتجاه الذي تريد ..
عندما يصبح الفن ذا سطح واحد ، لا يعكس لك سوى ما جاءه .. هذا هو التعليم المباشر ، الذي لا يعنيني شخصيا ..
فأهمية الكريستال ، أنه يعطيك فرصة لترى الحقيقة على أكثر من وجه ، وترى الجمال على أكثر من وجه .. وهذا الشيء ، لعب دورا في كتابتي ..
رغم أن لي مواقف في الحياة ، لكن ، لا أريد أن أمْليَها بشكل مباشر .. فليست مهمتي تعليم الناس الفضيلة ..
الفن عندما يصل إلى كماله ، ليس له سوى وظيفة جميلة فقط ..
ـ هل كان للأسماء التالية تأثير عليك : غوغول ، بوشكين ، دوستويفسكي ، تولستوي ؟؟
تولستوي : فنان عظيم ..
غوغول : مدهش .. هؤلاء مدهشون ..
أنا لا أخفيك .. إنني لم أستطع إكمال رواية ( الدون الهادئ ) لميخائيل شولوخوف ..
ـ لماذا ؟؟
أنا لا أريد لمن يبني لي بيتي ، أن يأخذني برحلة إلى مقلع الحجر ، وأشهد العملية منذ لحظة البدء ، بقطع الحجر ، فتسويتها ، فبنائها ..... أنا أريده ـ رأسا ـ أن يضع لي حجرا فوق حجر ، ويمضي .. (إذن ، على مبدأ الإسراف اللغوي ) .. بالضبط ..
ـ هل يستوي دوستويفسكي مع شولوخوف في ذلك ؟؟
ـ لا .. لا .. دوستويفسكي ، استطراده اللغوي ، يمليه لا وعيه العجيب .. وأنا واثق ، أنه لا يعي ما كان يكتب .. هذا شعوري ..
الآن ، تجد التكنيك الروائي الجديد ، أخطر بكثير من التكنيك الروائي القديم ..
إذا أخذنا ماركيز .. من هو ماركيز ؟؟ هو عودة سلفية ، بعبقرية .. ما السلفية هنا ؟؟ يعني أن تنبش الأسطورة لمجتمع ما ، ذلك أصلا ، عملية سلفية ، ولكن الوسائل المدهشة تعطي للأسطورة شكلا جديدا .. يعني : ليس ميثولوجيا ..
فالميثولوجيون : يقدمون لك الأسطورة بحفريات .. هذا لا ..
يحفر بأعماق الإنسان ، وأعماق المجتمع ، بطريقته الشخصية ، ويأخذ الأسطورة ، أو الشكل ، أو الخرافة ، ويصوغها بطريقته الجديدة .. هذا هو الخَلق ..
ـ لكني لم أستطع أن أقرأ ماركيز ..
هذا وارد .. لستَ أنتَ وحدك .. فكثير من الناس أيضا ، لم يستطيعوا قراءته .. والسبب : أنه نمط غير مألوف .. ولم نعتدْ نحن أن نقرأ هذا النمط .. وربما هناك أسباب أخرى .. وإذا لم تقرأ ماركيز ، فهذا ليس حكما عليك ..
أنا تعذبت بقراءته في البداية .. بعدئذٍ ، اكتشفت : بالرغم من أنه يتحدث عن أمريكيا اللاتينية ، إلا أنه قريب مني ، ومن حياتي .. فمثلا : ( خريف البطريرك ) : واحدة من أهم أعماله .. وهي أعظم عمل روائي في تشريح الأنظمة الديكتاتورية .. ولا يعادله شيء .. ولكن ، كأنما عجوز ثرثارة هي التي تتكلم .. ولكنكَ إذا أصغيْتَ لها ، تبدأ أنتَ بترتيب الأفكار ، وتمشي في السياق ..
ـ يعني : هي ثرثرة ، تحتاج إلى تنسيق ..
بالضبط .. ولكنه عبقرية خاصة .. وليست قضية مدرسة .. إنما هو بداية أسلوب جديد في أسطرة الواقع ..
ـ هل سبقه أحد إلى هذه الأسطرة ؟؟
نعم .. في الأدب العربي القديم .. في الأدب الهندي .. الصيني ..
مشكلتنا التي بدأتُ أعيها الآن ، أن المركزية الغربية هيمنت علينا ، لدرجة أننا لم نأخذ بالثقافة إلا الآتية إلينا من الغرب .. لكن ، لا .. يوجد في الشر ق كنوز هائلة .. حتى هنا ، يوجد الكثير دون أن ندري ..
فإذا قرأت كتابا للمتصوف الكبير فريد الدين العطار النيسابوري : ( منطق الطير ) : وهو كتاب صوفي ، فيه تكنيك روائي مدهش ، وفيه غرائبية ، وكأنما ماركيز ، استفاد من ذلك ..
الآن ، نحن لسنا بصدد: من الأهم ، ومن الأخطر؟؟
لكن ، يوجد شيء مهم : إن الإبداع الحقيقي لا يكرر ما قبله .. ففي كل عصر يوجد من يرفع اللواء ..
حتى نجيب محفوظ ، بعظمته ، يجب أن يظهر من يتجاوزه في المستقبل .. وإذا لم يظهر ، فتلك مصيبة ، وعقم ثقافي ..
ـ هل هناك بوادر لمن يتجاوز ؟؟
طبعا .. يوجد بعض النماذج الروائية المهمة جدا ..
ـ جمال الغيطاني ، مثلا ؟؟
جمال له عمل جيد جدا ..
ـ يوسف القعيد ؟؟
يوسف يدهشك ، لكنه لا يتجاوز نجيب محفوظ ..
ـ جبرا إبراهيم جبرا ؟؟
جبرا .. علم قائم بذاته .. هو حالة ثقافية نادرة ، تألق في أعمال ، وتفذلك في أجزاء منها .. لكنه تألق .. مثلا : (البحث عن وليد مسعود ) ، مهمة جدا .. لكن ( السفينة ) ، أهم .. لأن فيها روحا روائية .. أما البحث عن وليد مسعود ، ففيها روح ثقافية ..
ـ صاحب ( الأشجار واغتيال مرزوق ) عبد الرحمن منيف ؟؟
هذه الرواية بالذات ، فيها فذلكة سياسية .. تألق أكثر في ( مدن الملح ) .. وهو روائي ..
في نشأة روايتي ، على سبيل المثال ، أذكر في الثمانينيات ما حدث من أشياء في سورية .. وبالذات في حلب .. وهذه مازالت تحفر في ذاكرتي ، ولم تستوف بعد ..
الحدث الاجتماعي السياسي الذي حدث ، كان أكبر من الأعمال التي كتبتها ، وما زالت تعيش في ذاكرتي .. وفي وجداني ..
ـ تريد أن تقول : إن ما كتبته لم يفِ ، أو لم يعبر عما يجول في خاطرك ، وعما خلفته في نفسك أحداث 1980 ؟؟
بالضبط .. بالضبط ..الموضوع : مازلت أحس أنني استجبت عاطفيا ، ولم أكن دارسا استوفى الحدث ..
لما حدثت الفوضى المريعة ، في حلب بالذات ، وأصبحت شعبوية الشارع مسيطرة على كل شيء ، وهجمة الإخوان المسلمين ، وردة الفعل العنيفة أيضا من السلطة ، خلفت عندي شعورا .. لم يكن هناك منع للتجول ، لكن مُنِعَ التجول فترة قصيرة .. ولكن ، امتدت فترة طويلة من الإحساس بالغربة عندي ، لإحساسي بأن ما قد يصيبني شخصيا ، قد يكون خطرا جدا ..
أذكر في تلك الأحداث ، كنت في زيارة إلى دمشق ، وفي الطريق ، عانيت كثيرا من الحواجز ، ومن التفتيش .. وخطر في بالي : ماذا يحدث لو قسِّمَتْ سورية ؟؟!!
هذا الإحساس جعلني أتمسك كثيرا بالإحساس بأنني سأفقد شيئا ثمينا .. وظللت فترة ، لا أستطيع الذهاب إلى العمل ، أو إلى السوق .. ظللت فترة حبيس البيت ..
آنذاك ، استيقظت بي ذكريات الطفولة .. قضيت جزءا من طفولتي ، نلعب ، ونزور كثيرا دارا كبيرة تقع في حي الفرافرة ، أمام خان الوزير .. يسكنها عديد من العائلات ، ويسمى هذا المكان بالمنصورية .. والسبب : أن جدتي لأمي ، هي من عائلة المنصوري .. فعندما كنا أطفالا ، كنا نلعب في هذه الدار التي يسكنها أكثر من ست عائلات .. رجالها إخوة ، وتقوم الأم على رعاية الجميع .. وكنا نهابها ، بالرغم من أننا أقرباء .. وكانت لطيفة جدا ، لكن ، كانت صاحبة قرار .. تقول : كفوا عن اللعب ، نكف عن اللعب ..
عندما يأتي العيد ، أول بيت نزوره ، كان بيت هذه العائلة .. وكان هناك كثير من الشباب والصبايا من جيلي .. الشيء الذي لا أنساه ، هو وجود ثلاثة قبور قائمة في أرض الحوش .. هذه القبور هي بالتتابع لأجداد العائلة .. وكان هناك أيضا في غرفةٍ مقفلةٍ ، قبرٌ اعتبر وليّا ، هو الأب الأكبر لهذه العائلة ..
هناك مكان تجسّدت فيه تقريبا دورة الحياة والموت ..
الطفولة .. الحياة المشتركة .. الأموات ، وهم يعيشون وسط الناس .. وهذه الحالة ، لم أجدْها في مكان آخر .. هذا المكان استدعى مني أن أعود لأعيشه من جديد ..
في تلك الفترة من حياة سورية ، وحياة حلب بالذات ، ألحّت عليّ ذكرياتي في تلك الدار .. بالرغم من أن آخر مرة زرت فيها الدار ، كانت عندما توفيت إحدى الصبايا في حادث ..
الآن ، الدار خاوية ، لا يسكنها أحد ..
استيقظت الدار .. المكان .. وظهرت فجأة أحداث رواية : زهرة الصندل ..
مكان المنصورية الذي سميته في الرواية : الأنصارية .. من خلفها ، كان يوجد دار ( الكواكبي ) .. من أصدقائي أيام الطفولة شخص اسمه : هيثم كواكبي .. والآن من أصدقائي ، أخوه الكبير .. هيثم كان رفيقا في مدرسة الحمدانية التي كانت موجودة في حي الفرافرة .. جَدُّ هيثم هو عبد الرحمن الكواكبي ، الذي لا أعرفه أنا طبعا .. ولكن ، كنا نزور دار الكواكبي ، وما تزال فيها مهابة عبد الرحمن الكواكبي موجودة .. وحملتها معي من أيام طفولتي .. وعندما قرأت للكواكبي ( طبائع الاستبداد ) و ( أم القرى ) ارتبط مكان دار الكواكبي بالمنصورية .. فصار هناك خلط .. وابتدأت تتحول المنطقة كلها إلى نوع من الرمز ، أو الدلالة على حلب كلها .. وبالرغم من أن بيتنا كان في منطقة أخرى ، لكني كثيرا ما كنت أحسّ بالانتماء إلى هذه البقعة أكثر من بيتنا ..
دائما ، حتى في أحلامي ، وعندما كنت طفلا ، ألعب بلعبة ( الاستغماية ) .. كنا نختبئ في القبر الخشبي المنفرد للولي ..
ـ غدا ، القسم الثاني من الساعة الثالثة ..
السبت، 2 أكتوبر 2010
الكاتب وليد إخلاصي .. لقاء خاص ـ 2
هذه هي الساعة الثانية من الحوار ، لكني هنا لم أتدخل فيه مطلقا ، بل كنت مصغيا فقط ، أستمع للتجربة الثرة التي أظهرت دور الخبرة في الكتابة ، والتكنيك القصصي والروائي ..
أما الساعة الثالثة ، القادمة ، فلربما هي الأغنى ، من حيث استعراض رأي الكاتب في كثير من الأدباء والشعراء العرب ، وغيرهم من أدباء العالم ومفكريه ، ممن كانوا بمثابة الرافد المهم الذي رفد التجربة الأدبية الغنية للأستاذ وليد إخلاصي ..
الساعة الثانية :
حلب ـ 7 و8/8/1993
قال :
أول مرة ، وآخر مرة في حياتي ، أدخل فيها المحلَّ العمومي بحلب .. أسمع من الشباب ، أن هناك " جنسًا مغريًا " ، فدخلت أنا وصديق ، أذكر الآن ، أن هناك امرأة كانت مشهورة جدا .. قم ...... ذعرْتُ .. مع أني كنت ممارسًا للجنس قبل هذا اليوم .. وليس ذلك جديدا عليّ .. فأعطيتها أجرها ، وخرجت دون أن أمارس معها .. فقالت لي : أنت لست رجلا !! لكني لم أتأثر ، لأني أعرف نفسي ..
لكني لم أتصور العلاقة بين الجنسين بهذه الآلية ..
لا أستطيع أن أمارس الجنس إلا بطقس من الحنان والتعاطف .. وهذا الشيء الذي جعلني غير قادر على ممارسة الجنس مع أي امرأة ، إذا لم يكن هناك علاقة ما بيننا .. لذلك لم أكن قادرا على ممارسة الجنس مع المومسات .. فكنت أحتاج إلى علاقة حميمة ، وجو ، وطقس .. وهذا الشيء نابع من أني لا أستطيع أن أمضي قدُمًا بأي شيء إذا لم يكن له مبرر في العلاقات الإنسانية ..
فأنا في عملي ، إذا كنت مختلفا مع زملاء العمل ، لا أعود قادرا على العمل .. يجب أن يكون بيننا جوٌّ ودّي وإنساني ..
لذلك لا أستطيع أن أكتب انتقاما من شخص ، أو من امرأة ..
الكتابة عندي ، فعل إنساني أيضا .. وبنفس الطريقة التي أتعامل فيها مع المرأة .. نوع من التعاطف والحنان ..
فعندما تولد الأفكار عندي ، تولد ولادة يسيرة ، ليست قيصرية .. أصل لدرجة ، عندما أكون منهمكا في الكتابة ، يحصل نوع من التعاطف بيني وبين الشخصيات .. يحصل تعارف .. أعيش معهم حتى بعد انتهائي من الكتابة ، ويتخيل لي ، أن شخصياتي موجودة فعلا في الواقع ، وهم أحياء .. وليست الأمور مختلفة ..
وهذا الشيء جزء من ضعفي الإنساني .. أنا ضعيف إنسانيا ..
مثلا : إذا كنت غاضبا ، وحصلتْ لمسة إنسانية من الخصم ، أنسى كل شيء ، ولا أستطيع أن أبني موقفي على حقد ، مع أني حاسم جدا .. فمثلا : إذا تسببت في إيذاء موظف عندي ، أمضي قدُمًا في توقيع العقوبة ، وأعوّضه ماديا من جيبي ..
فحياتي ، وأنا أقترب من الستين ، لا أستطيع أن أعيش في جوّ مشحون ، مع أن بعض الناس الذين لا أستطيع أن أحبهم ، أقاطعهم .. لكني لا أتخذ مواقف إيذاء منهم .. لي مزاج أن لا أعاشره .. لكني لا أستطيع أن أنقضَّ عليه ..
فإذا اعتبرتَ هذا ضعفا بي ، فأنا فخور بهذا الضعف ..
ـ ( أنتَ الذي اعتبرْتَه ، ولسْتُ أنا ..) ..
صحيح أن الحياة الإنسانية صارت معقدة ، لكن ليس من عزاء لقبولها إلا بالتعاطف معها .. ولذلك ، في كثير من الأحيان ، عندما أكون سائرا في نمط روائي ، وعندما تضيق عليّ المَنافذ ، يموت البطل .. لكن ، لا أستطيع أن أجعله قاتلا ..
ـ ( أبطالك لا يَقتلون ؟؟ ) ..
حتى في رواية ( ملحمة القتل الصغرى ) ـ آخر رواية ـ بحثت عن المشاعر التي تتولد عند الناس .. لماذا يرغب الناس بالقتل ؟؟!!
أنا لم أوَصِّفْ حالة القتل .. إنما : لماذا دُفِعوا لذلك ؟؟!!
هذا هو السؤال الهام ..
وفي آخر الرواية ، لا أحد يقتل أحدا .. هي ملحمة بلا قتلى ..
فمثلا ، يتهيّأ لي : مثلا : شيمون بيريز .. لو كان معي مسدس ، لقتلته .. لكن ، عندي رغبة بذلك ، لأنه يجب الخلاص منه .. لكن ، ليس بفعلي ..
أنا أصِبْتُ بنوع من الذعر بأحداث سنة 1980 ..
كثير من أصدقائي قتِلوا .. هناك صديق لي كان أستاذي في الابتدائية ، ولعب دورا كبيرا في حياتي ، اسمه ( صالح جمال ) ـ صار خبيرا في اليونيسكو ، وهو أستاذ كبير جدا ـ قتِلَ أيام الإخوان المسلمين بسبب كونه من مواليد إسكندرون .. وصارت محاولة لقتلي .. لكن المسكين ذاك ـ صالح جمال ـ قتِلَ .. ولم يقم أحد برثائه غيري ..
كان أستاذ العربي ( سليمان العيسى ) ، وكان قد قدِمَ من العراق ، بعد أن أنهى دراسته في بغداد ، في دار المعلمين العليا ، وكان أستاذا لنا في ثانوية المأمون ، وأذكر الحادثة التالية في عام 1950 : كنت طالبا في القسم العلمي ، وجمَعَ طلاب الصفوف الثلاثة في الثانوية العامة ، وأعطاهم واجبا واحدا .. كان المطلوب أن نكتب موضوعا تحت عنوان : أحب ، وأكره .. وجمَعَنا في مطعم الثانوية ، ومعه إجابات جميع الطلاب ، وابتدأ يعطي الملاحظات التالية : ـ وكان يقصد على ما يبدو ، أن يعطي رأيه في فن الكتابة ، التعبير ، فن الإنشاء ـ قال : من بين أكثر من مئة إجابة ، كانت هناك إجابة واحدة ، سأطلب من الطالب أن يقرأها عليكم ، وهي الوحيدة التي شذت عما كتبه جميع الطلاب .. فكنا ننظر ونتلفت حولنا ، لنرى هذا الشخص الذي شذ في كتابته عن الجميع .. قال : الطالب وليد إخلاصي ..
وكنت لا أعرفه .. قال : تفضل .. فأعطاني ورقتي ، وقال : اقرأ .. ولم يكن في المسألة درجات ، أو ما شابه ، إنما أكد الأستاذ ، أن الموضوع الوحيد الذي شذ عن المألوف ، ولكن يجب أن يكون قاعدة لنا : ( كيف نكتب ) ؟؟
وقال الأستاذ : إنه من جملة ملاحظاتي على الطلاب ، أنهم يكررون أفكار غيرهم ، وأنهم لا يقولون الصدق ، وأنهم يستخدمون الذاكرة في الكتابة ، والشذوذ كان في ورقتي .. وبعد أن قرأت الموضوع ، استدعاني ( ومن يومها أصبحنا أصدقاء حتى هذه اللحظة ) .. وقال لي : اسمع يا وليد : أنت كاتب .. ويجب أن تكتب دائما ، لأنك تمثل روحا جديدة غير مألوفة ، حتى في الكتابات السائدة .. وسألني : ماذا تقرأ ؟ وعندما علم أنني أقرأ كثيرا ، استغرب أكثر ، لأن ذاكرتي استبعدت ذاكرتي .. لم تتكئ كتابتي على الذاكرة .. وابتدأت صداقتنا ، ولعب دورا أوليا في التوجيه ، وفي خلق الثقة في نفسي ..
هذه الحادثة ، أتذكرها دوما ..
وبالرغم من أن شعر سليمان ، كان ضمن النمطية الرومانسية السائدة ، ولكن وعيه النقدي كان هائلا ، واستطاع هذا الشعور أن يحفزني لكي لا أكون غيري .. أي ألا أقلد أحدا ..
وظل الأستاذ سليمان فترة في حلب ـ قبل أن ينتقل إلى دمشق ـ يتابع كل ما أكتب ..
وبالطبع ، الورقة هذه لم تكن بدايتي .. فكما ذكرت لك ، كنت أكتب قبل ذلك ، أكتب أشياء غير فنية ..
فمثلا : حاولت أن أكتب الشعر ..
وما زلت أذكر هذه الحادثة التي حدثت بعد عام .. وكانت درسا قاسيا لي ..
كتبت قصيدة بحدود 1000 سطر من الشعر الحر ، يمازج ما بين التفعيلة ، والشعر بدون قاعدة ..
كنت قد قرأت قصيدة كتبها عبد الرحمن الشرقاوي ( صاحب رواية الأرض ) ، وكان شاعرا .. له قصيدة تداولها اليسار العربي ، وبالتالي : الشباب .. وكنا ننسخها ، وكانت بعنوان : رسالة من أب مصري إلى الرئيس ترومان ( الرئيس الأمريكي ) .. فنسجت على منواله قصيدة بعنوان : من أب سوري إلى الرئيس آيزنهاور .. وكنت آنذاك معجبا بمجلة يصدرها الماركسيون والكتاب التقدميون في بيروت ، اسمها : ( الثقافة الوطنية ) .. كان هناك فنان توفي من فترة قريبة اسمه : رضوان الشّهّال ، وكان رساما وشاعرا ومديرا لهذه المجلة ..
ذهبت هاربا إلى بيروت ، وزرت رضوان الشهال في دار ( الثقافة الوطنية ) ، وكانت غرفة معتمة صغيرة في سوق المعرض ، بالقرب من المجلس النيابي في بيروت .. وكنت شابا في السابعة عشرة ، فتلقاني هناك ، وتعرفت إلى شخصية حلبية اسمه : بيير شاهورفيان ، الذي سيصبح أحد أبطال أعمالي الأدبية في ( بيت الخلد ) ، وهو شخصية حقيقية من أطهر الشخصيات التي رأيتها في حياتي ، وكان شيوعيا .. رجل نقي إلى درجة غريبة ، وكان يعمل في المجلة مترجما .. ودَعوني إلى الغداء ، وتناولنا الفلافل مع العيران ، وجلست أقرأ لهم في قصيدة الشعر التي أعتز بها .
نظر إلي رضوان الشهال ، وقال : أنت موهوب .. ولكن لا تقلد أحدا .. هذا تقليد لعبد الرحمن الشرقاوي .. النتيجة : أنني مزقت القصيدة ، وقررت أن لا أكتب شعرا بعد ذلك نهائيا ..
أعطاني ملاحظة وقال : إن لك نفسا روائيا ، ولستَ شاعرا .. لأنك شددتني بالأحداث ، وببناء الشخصيات ، أكثر من اللغة الشعرية ، فحرام أن تضيع جهدك ، لتصبح شاعرا من الدرجة الثانية .. أنت من الممكن أن تكون روائيا من الدرجة الأولى ..
كتبت أشياء ، ومحاولات ، هي نوع من الفضفضة ..
هذه الآراء ، تدفع الشاب إلى الاهتمام أكثر ..
وفعلا ، ابتدأت بكتابة القصص القصيرة ، وبعض الأعمال المسرحية ، لكن هذه لم تكن أعمالا أولى لي ..
لأنني عندما كنت طالبا في التجهيز ( الثانوية ) ، كنت أكتب نصوصا صغيرة ، وأمثل فيها .. ولم يكن لها قيمة درامية ، إنما كانت التدريبات الأولى على أن تستطيع اللغة الدرامية التعبير عن حالة معينة ، وعندما ابتدأت أكتب جديا الأعمال القصصية والروائية ، كانت هذه النصائح أمام عيني ..
وفي الإسكندرية ، حصلت لي حادثة في منتصف الخمسينيات .. كانت هناك مجموعة من الكتاب الشباب ، نجتمع في مقهى .. وكان أجير المقهى كاتبا .. وكنا نجتمع في المقهى أو عندي في البيت ، ومنهم من أصبح من الكتاب المعروفين الآن .. هذا الشخص ، اسمه : ( سيد رجب ) ما زلت أذكره .. وهو كاتب طليعي لم ينتج كثيرا ، ولكنه له قيمة ..
وما زلت أذكر هذه الحادثة : كتبت قصة قصيرة ، ودعوتهم إلى بيتي ، لأقول لهم : ما رأيكم بهذه القصة المترجمة عن تشيخوف ؟؟ فكان الإعجاب شديدا بترجمتي الدقيقة .. وعندما استقر الرأي على أنني مترجم جيد ، قلت لهم : هذه القصة من تأليفي .. فتراجعوا ، وقالوا : نحن أدركنا شيئا من هذا .. فعدت ، وقلت لهم : لا ، هذه لتشيخوف ..
حصيلة هذه الحادثة ، أنه رغم محبتي لتشيخوف ، فيجب ألا أكتب شيئا يمتّ بصلةٍ لتشيخوف أصلا ..
وهذه ، نقيصة للكاتب ، أن تتقمص روحُه روحَ كاتب آخر ..
وهذا الشيء ، هو الذي شجعني أكثر ـ مع الملاحظات السابقة ـ على مزيد من الاستقلالية ..
أن أكتب شيئا ليس له قيمة ، ولكنه يخصني أنا ..
أكبر تجربة رسّخت ثقتي بنفسي ، ما حدث بعد ذلك بكثير ..
كنت قد عدتُ إلى حلب ، وصدَرَتْ مجلة اسمها : ( أدب ) .. وهي مجلة توْأم لمجلة اسمها (شعر ) المعروفة التي تصدر عن دار شعر ..
صدر العدد الأول منها .. اشتريته من السوق .. ومن عادتي ، ومن شبابي الأول ، أن لا أراسل إلا إذا استكتِبتُ .. كنت أحفظ دائما لنفسي ..... إلا أن المجلة أعجبتني ، لدرجة أنني كتبت قصة ، وأرسلتها للمجلة ، فصدر العدد الثاني ـ وهي مجلة فصلية ـ وإذا بقصتي في الصفحة الأولى ، اسمها : ( بعد الظهر الميت ) ، وكتب في تعريف الكاتب : وليد إخلاصي كاتب من حلب .. لأنهم لا يمتلكون معلومات عني ..
وهذه القصة نوقشت في ( خميس شعر ) .. وكان يوسف الخال ـ رحمه الله ـ هو الذي يقود حركة ( شعر ) .. فكان كل خميس ، يجتمع أنسي الحاج ، وأدونيس ، وكان يأتي جبرا إبراهيم جبرا من بغداد بالطائرة ، ليقضي ليلة ويعود ، ويناقشون النتاج الأدبي .. فخصص أحد أيام الخميس لمناقشة هذه القصة ، واعتبرتْ أنها فتح جديد ، وأرسل إليّ كتاب يقول : نحن مستعدون لنطبع لك كتابا .. وهم أول من طبعوا لي كتابا ( دار شعر ) ..
وترجمت القصة إلى الإنجليزية ، ودخلت في أنسوكلوبيديا القصة العربية المعاصرة ، الذي صدر عن دار أوكسفورد عام 1966 ، بعد مرور ثلاث سنوات ، ومن ذلك الحين ، صار الجميع أصدقائي ..
وهذا حفزني أكثر للاعتماد على ذاتي ..
هذه الحادثة ، دفعتني أكثر ألا أفكر في كتابة القصة أو الرواية أو المسرحية .. أن أهيئ الظروف لما بداخلي ، أن يخرج .. التصميم يقوم في العقل .. هذه الولادة الحرة للفكرة ، هي التي أصبحت منهجي في كتابة القصة والرواية والمسرحية، ودرجْتُ على هذا الموضوع ، وأصبح جزءا من عاداتي ..
إنما الكتابة الثانية، وبالذات للرواية , فأنا مثلا : معظم أعمالي الروائية ، الحد الأدنى لكتابتها : ثلاث مرات .. مثلا : أعيد الصياغة ، وقد تعاد الصياغة من جديد ، والتأليف من جديد .. هذا الشيء ، هو الجانب التصميمي في الكتابة .. إنما الكتابة الأولى تنفجر .. مثلا : عندما ولد لي الولد الثاني ، ومات بعد ست ساعات لخطأ ولادي ـ وكان ذكرا ـ وكان غريب الشكل ، فوزنه 5.600 كغ ، وهذا غير طبيعي ، وغير مألوف ، وكان رأسه كبيرا .. وعندما مات ، راقبته من وراء القفص .. طبعا ، عواطفي ليست عواطف أبوة كبيرة .. إنها عواطف دهشة .. بمعنى الموت .. كيف تخلـَّق في تسعة شهور ، ومات في ست ساعات ؟؟!!
وكان شكله هو الذي أوحى لي بفكرة ( محبة الجمر ) بطل رواية ( باب الجمر ) ..
ليس هو ، لكن ابتدأت هذه الحادثة ، عندما بدأت عام 1966 ، وكتبت ( باب الجمر ) في الثمانينيات .. فكان الموضوع يدور في ذهني حوالي 15 عاما .. هذا الكائن الذي يتخمر، ثم تتولد عنه أفكار ..
ازدياد المعرفة ، والتجربة الإنسانية عندما تتعمق .. لكن المحور الرئيسي ، ظل هو ابني ..
ليس هناك من إشارة في الرواية .. لكني الآن ، أتكلم عن فكرة : كيف تلد الشخصيات ؟
المؤثرات الحقيقية للكاتب ، قد تكون المعرفة ، والكبت ، والكتاب ، والأحداث ، والسياسة ، والقضية العربية ... كلها مؤثرات .. لكن أهم مؤثر فيها ، هو الشخصية الأساسية في العمل ، التي تملي إرادتها عليك .. ولكن .. كيف تملي إرادتها عليك ؟؟ لماذا تـُصطفَى هذه الشخصية من دون الآخرين ؟؟ وأنا أفكر في شخصية محبة الجمر ـ طبعا سُمّي فيما بعد ذلك : محبة الجمر ـ كنت أولا أكتب أعمالا أخرى ، وكانت الشخصية هذه تنمو ببطء في اللاشعور ..
طبعا ، هذا الأمر اكتشفته وأنا أكتب الرواية .. فمواصفات الشخصية تنطبق على مواصفات الولد الذي عاش ست ساعات فقط ..
والذي أثر بي كثيرا ، أن والدي ووالدتي ، رفضا ـ بعد موته ـ إلا أن يغسّل كالميت ، ويُصلى عليه ، فاستغربت ، لأنه طفل لا يعي ، فقال : هذا الكائن يمثل الخلق كله .. فعملية الخلق كلها ، تمثلت في هذا الكائن .. كيف ولد ؟ النطفة الأولى .. الفكرة الأولى ، ونما بشكل طبيعي ، دونما تدخل منك ، ثم مات دونما تدخل منك ..
هذا المسار الفلسفي المبسط ، كان هو الجوهر الأساسي للرواية ..
ولد هذا الكائن بشكل عشوائي ، لأن الطبيعة اختارته ..تمثلت في فكرة الخلق الكبرى .. وعندما أعود إلى ذاكرتي العلمية ، أجد الأزهار النادرة لا تعيش كثيرا .. إن ذلك سرّ من أسرار الطبيعة .. فمثلا : زهرة التوليب لا تعيش كثيرا .. من أجمل زهور العالم ، زهرة الصبار ، تعيش 24 ساعة فقط ، ما بين وجودها كبرعم ، ثم تتفتح وترسل رائحة عجيبة ، ثم تنغلق وتموت في 24 ساعة ..
بينما أزهار نباتات كثيرة ، تعيش أياما وأسابيع ، فصار هناك شيء من اليقين غير العلمي : بأن عظمة الفكرة ، أن تولد كبيرة ، ولكن يُقضى عليها .. ومن هذه الزاوية ، اتسمت كثير من أعمالي ..
وقد اتـُّهمْتُ : كيف تقتل ( محبة الجمر ) ؟؟!!
كيف اخترعَت المخيلة الإنسانية بعض الأساطير الدينية أو الميثولوجية ، مثل أسطورة أدونيس ؟؟
الولادة الخارقة ، والموت الخارق الذي فيه تضحية من أجل الآخرين .. هذا الشيء ، لعب دورا في تكوين هذه الشخصيات ..
لذلك ، إذا سُئلت : من هي الشخصيات الحقيقية التي أثرت بك ؟؟
أجيب : إنها الشخصيات المُختَرَعَة التي كتبتُ عنها .. وهي مخترعة ، لأنها لا تمثل الواقع ، ولكنها تختزل الواقع ، وتجد في كل شخصية تيارات كثيرة من الأفكار والأشخاص الحقيقيين .. فهذه الولادة المُرْبِكة للشخصيات ، التي تتم في المعمل الذي بداخلي ـ وكذلك عند كتّابٍ آخرين ـ هي التي تؤثر بي أكثر مما أؤثر بها أنا ..
هناك تبادل قائم .. لكن تأثيرها عليّ أكبر .. ولذلك ، إذا سُئلتُ عن أعظم امرأة قابلتها في حياتي ، أقول : وهوب ، بطلة رواية زهرة الصندل .. وهوب : صديقة .. لا أخفيك سرا .. إنها ما تزال تعيش بداخلي .. وهذا كلام ليس علميا ..فأنا حين أدخل مكانا ما ، أراها فيه أمامي لثوان تنتظرني .. فأصاب بالرعشة .. موجودة ما تزال .. فأقول لنفسي : ألم تكتملْ في كتاباتي ؟! أما زالت تعيش ؟! هل يجب أن أكتب عنها أكثر ، لأقضي عليها ، وأنتهي منها ؟؟!!
هذا الشيء، ليس مصمَّما سلفا .. أنا أحلله بعد أن انتهيت منه .. وقد يكون هذا الكلام وهما .. هذا ما حدث فعلا ..
فالكتابة ، ليست أدبا .. الكتابة : فن ..
ليست صناعة لغوية .. إنما هي خلق حقيقي ليس له وجود في الواقع ، وهي أقرب شيء للواقع ..
وهذا يعيدنا للنظرية التي تقول : إن الحياة كلها من أجل الفن .. الحياة تخلق مَثلها الأعلى كي تستمر .. وإذا فقدت قوةَ الخلق ، تكون قد أعلنت عن موتها ..
لذلك ، فإن إحدى وظائف الفن ، أنه يلعب دور ( أنتي بيوتيك ) مضاد حيوي ، من أجل الاهتراء والتآكل .. فالموت الفيزيائي ، موت زمني .. أما الموت المرعب ، فهو موت الإبداع .. موت القدرة على خلق المثل العليا ..
قريبا .. الساعة الثالثة من الحوار ..
أما الساعة الثالثة ، القادمة ، فلربما هي الأغنى ، من حيث استعراض رأي الكاتب في كثير من الأدباء والشعراء العرب ، وغيرهم من أدباء العالم ومفكريه ، ممن كانوا بمثابة الرافد المهم الذي رفد التجربة الأدبية الغنية للأستاذ وليد إخلاصي ..
الساعة الثانية :
حلب ـ 7 و8/8/1993
قال :
أول مرة ، وآخر مرة في حياتي ، أدخل فيها المحلَّ العمومي بحلب .. أسمع من الشباب ، أن هناك " جنسًا مغريًا " ، فدخلت أنا وصديق ، أذكر الآن ، أن هناك امرأة كانت مشهورة جدا .. قم ...... ذعرْتُ .. مع أني كنت ممارسًا للجنس قبل هذا اليوم .. وليس ذلك جديدا عليّ .. فأعطيتها أجرها ، وخرجت دون أن أمارس معها .. فقالت لي : أنت لست رجلا !! لكني لم أتأثر ، لأني أعرف نفسي ..
لكني لم أتصور العلاقة بين الجنسين بهذه الآلية ..
لا أستطيع أن أمارس الجنس إلا بطقس من الحنان والتعاطف .. وهذا الشيء الذي جعلني غير قادر على ممارسة الجنس مع أي امرأة ، إذا لم يكن هناك علاقة ما بيننا .. لذلك لم أكن قادرا على ممارسة الجنس مع المومسات .. فكنت أحتاج إلى علاقة حميمة ، وجو ، وطقس .. وهذا الشيء نابع من أني لا أستطيع أن أمضي قدُمًا بأي شيء إذا لم يكن له مبرر في العلاقات الإنسانية ..
فأنا في عملي ، إذا كنت مختلفا مع زملاء العمل ، لا أعود قادرا على العمل .. يجب أن يكون بيننا جوٌّ ودّي وإنساني ..
لذلك لا أستطيع أن أكتب انتقاما من شخص ، أو من امرأة ..
الكتابة عندي ، فعل إنساني أيضا .. وبنفس الطريقة التي أتعامل فيها مع المرأة .. نوع من التعاطف والحنان ..
فعندما تولد الأفكار عندي ، تولد ولادة يسيرة ، ليست قيصرية .. أصل لدرجة ، عندما أكون منهمكا في الكتابة ، يحصل نوع من التعاطف بيني وبين الشخصيات .. يحصل تعارف .. أعيش معهم حتى بعد انتهائي من الكتابة ، ويتخيل لي ، أن شخصياتي موجودة فعلا في الواقع ، وهم أحياء .. وليست الأمور مختلفة ..
وهذا الشيء جزء من ضعفي الإنساني .. أنا ضعيف إنسانيا ..
مثلا : إذا كنت غاضبا ، وحصلتْ لمسة إنسانية من الخصم ، أنسى كل شيء ، ولا أستطيع أن أبني موقفي على حقد ، مع أني حاسم جدا .. فمثلا : إذا تسببت في إيذاء موظف عندي ، أمضي قدُمًا في توقيع العقوبة ، وأعوّضه ماديا من جيبي ..
فحياتي ، وأنا أقترب من الستين ، لا أستطيع أن أعيش في جوّ مشحون ، مع أن بعض الناس الذين لا أستطيع أن أحبهم ، أقاطعهم .. لكني لا أتخذ مواقف إيذاء منهم .. لي مزاج أن لا أعاشره .. لكني لا أستطيع أن أنقضَّ عليه ..
فإذا اعتبرتَ هذا ضعفا بي ، فأنا فخور بهذا الضعف ..
ـ ( أنتَ الذي اعتبرْتَه ، ولسْتُ أنا ..) ..
صحيح أن الحياة الإنسانية صارت معقدة ، لكن ليس من عزاء لقبولها إلا بالتعاطف معها .. ولذلك ، في كثير من الأحيان ، عندما أكون سائرا في نمط روائي ، وعندما تضيق عليّ المَنافذ ، يموت البطل .. لكن ، لا أستطيع أن أجعله قاتلا ..
ـ ( أبطالك لا يَقتلون ؟؟ ) ..
حتى في رواية ( ملحمة القتل الصغرى ) ـ آخر رواية ـ بحثت عن المشاعر التي تتولد عند الناس .. لماذا يرغب الناس بالقتل ؟؟!!
أنا لم أوَصِّفْ حالة القتل .. إنما : لماذا دُفِعوا لذلك ؟؟!!
هذا هو السؤال الهام ..
وفي آخر الرواية ، لا أحد يقتل أحدا .. هي ملحمة بلا قتلى ..
فمثلا ، يتهيّأ لي : مثلا : شيمون بيريز .. لو كان معي مسدس ، لقتلته .. لكن ، عندي رغبة بذلك ، لأنه يجب الخلاص منه .. لكن ، ليس بفعلي ..
أنا أصِبْتُ بنوع من الذعر بأحداث سنة 1980 ..
كثير من أصدقائي قتِلوا .. هناك صديق لي كان أستاذي في الابتدائية ، ولعب دورا كبيرا في حياتي ، اسمه ( صالح جمال ) ـ صار خبيرا في اليونيسكو ، وهو أستاذ كبير جدا ـ قتِلَ أيام الإخوان المسلمين بسبب كونه من مواليد إسكندرون .. وصارت محاولة لقتلي .. لكن المسكين ذاك ـ صالح جمال ـ قتِلَ .. ولم يقم أحد برثائه غيري ..
كان أستاذ العربي ( سليمان العيسى ) ، وكان قد قدِمَ من العراق ، بعد أن أنهى دراسته في بغداد ، في دار المعلمين العليا ، وكان أستاذا لنا في ثانوية المأمون ، وأذكر الحادثة التالية في عام 1950 : كنت طالبا في القسم العلمي ، وجمَعَ طلاب الصفوف الثلاثة في الثانوية العامة ، وأعطاهم واجبا واحدا .. كان المطلوب أن نكتب موضوعا تحت عنوان : أحب ، وأكره .. وجمَعَنا في مطعم الثانوية ، ومعه إجابات جميع الطلاب ، وابتدأ يعطي الملاحظات التالية : ـ وكان يقصد على ما يبدو ، أن يعطي رأيه في فن الكتابة ، التعبير ، فن الإنشاء ـ قال : من بين أكثر من مئة إجابة ، كانت هناك إجابة واحدة ، سأطلب من الطالب أن يقرأها عليكم ، وهي الوحيدة التي شذت عما كتبه جميع الطلاب .. فكنا ننظر ونتلفت حولنا ، لنرى هذا الشخص الذي شذ في كتابته عن الجميع .. قال : الطالب وليد إخلاصي ..
وكنت لا أعرفه .. قال : تفضل .. فأعطاني ورقتي ، وقال : اقرأ .. ولم يكن في المسألة درجات ، أو ما شابه ، إنما أكد الأستاذ ، أن الموضوع الوحيد الذي شذ عن المألوف ، ولكن يجب أن يكون قاعدة لنا : ( كيف نكتب ) ؟؟
وقال الأستاذ : إنه من جملة ملاحظاتي على الطلاب ، أنهم يكررون أفكار غيرهم ، وأنهم لا يقولون الصدق ، وأنهم يستخدمون الذاكرة في الكتابة ، والشذوذ كان في ورقتي .. وبعد أن قرأت الموضوع ، استدعاني ( ومن يومها أصبحنا أصدقاء حتى هذه اللحظة ) .. وقال لي : اسمع يا وليد : أنت كاتب .. ويجب أن تكتب دائما ، لأنك تمثل روحا جديدة غير مألوفة ، حتى في الكتابات السائدة .. وسألني : ماذا تقرأ ؟ وعندما علم أنني أقرأ كثيرا ، استغرب أكثر ، لأن ذاكرتي استبعدت ذاكرتي .. لم تتكئ كتابتي على الذاكرة .. وابتدأت صداقتنا ، ولعب دورا أوليا في التوجيه ، وفي خلق الثقة في نفسي ..
هذه الحادثة ، أتذكرها دوما ..
وبالرغم من أن شعر سليمان ، كان ضمن النمطية الرومانسية السائدة ، ولكن وعيه النقدي كان هائلا ، واستطاع هذا الشعور أن يحفزني لكي لا أكون غيري .. أي ألا أقلد أحدا ..
وظل الأستاذ سليمان فترة في حلب ـ قبل أن ينتقل إلى دمشق ـ يتابع كل ما أكتب ..
وبالطبع ، الورقة هذه لم تكن بدايتي .. فكما ذكرت لك ، كنت أكتب قبل ذلك ، أكتب أشياء غير فنية ..
فمثلا : حاولت أن أكتب الشعر ..
وما زلت أذكر هذه الحادثة التي حدثت بعد عام .. وكانت درسا قاسيا لي ..
كتبت قصيدة بحدود 1000 سطر من الشعر الحر ، يمازج ما بين التفعيلة ، والشعر بدون قاعدة ..
كنت قد قرأت قصيدة كتبها عبد الرحمن الشرقاوي ( صاحب رواية الأرض ) ، وكان شاعرا .. له قصيدة تداولها اليسار العربي ، وبالتالي : الشباب .. وكنا ننسخها ، وكانت بعنوان : رسالة من أب مصري إلى الرئيس ترومان ( الرئيس الأمريكي ) .. فنسجت على منواله قصيدة بعنوان : من أب سوري إلى الرئيس آيزنهاور .. وكنت آنذاك معجبا بمجلة يصدرها الماركسيون والكتاب التقدميون في بيروت ، اسمها : ( الثقافة الوطنية ) .. كان هناك فنان توفي من فترة قريبة اسمه : رضوان الشّهّال ، وكان رساما وشاعرا ومديرا لهذه المجلة ..
ذهبت هاربا إلى بيروت ، وزرت رضوان الشهال في دار ( الثقافة الوطنية ) ، وكانت غرفة معتمة صغيرة في سوق المعرض ، بالقرب من المجلس النيابي في بيروت .. وكنت شابا في السابعة عشرة ، فتلقاني هناك ، وتعرفت إلى شخصية حلبية اسمه : بيير شاهورفيان ، الذي سيصبح أحد أبطال أعمالي الأدبية في ( بيت الخلد ) ، وهو شخصية حقيقية من أطهر الشخصيات التي رأيتها في حياتي ، وكان شيوعيا .. رجل نقي إلى درجة غريبة ، وكان يعمل في المجلة مترجما .. ودَعوني إلى الغداء ، وتناولنا الفلافل مع العيران ، وجلست أقرأ لهم في قصيدة الشعر التي أعتز بها .
نظر إلي رضوان الشهال ، وقال : أنت موهوب .. ولكن لا تقلد أحدا .. هذا تقليد لعبد الرحمن الشرقاوي .. النتيجة : أنني مزقت القصيدة ، وقررت أن لا أكتب شعرا بعد ذلك نهائيا ..
أعطاني ملاحظة وقال : إن لك نفسا روائيا ، ولستَ شاعرا .. لأنك شددتني بالأحداث ، وببناء الشخصيات ، أكثر من اللغة الشعرية ، فحرام أن تضيع جهدك ، لتصبح شاعرا من الدرجة الثانية .. أنت من الممكن أن تكون روائيا من الدرجة الأولى ..
كتبت أشياء ، ومحاولات ، هي نوع من الفضفضة ..
هذه الآراء ، تدفع الشاب إلى الاهتمام أكثر ..
وفعلا ، ابتدأت بكتابة القصص القصيرة ، وبعض الأعمال المسرحية ، لكن هذه لم تكن أعمالا أولى لي ..
لأنني عندما كنت طالبا في التجهيز ( الثانوية ) ، كنت أكتب نصوصا صغيرة ، وأمثل فيها .. ولم يكن لها قيمة درامية ، إنما كانت التدريبات الأولى على أن تستطيع اللغة الدرامية التعبير عن حالة معينة ، وعندما ابتدأت أكتب جديا الأعمال القصصية والروائية ، كانت هذه النصائح أمام عيني ..
وفي الإسكندرية ، حصلت لي حادثة في منتصف الخمسينيات .. كانت هناك مجموعة من الكتاب الشباب ، نجتمع في مقهى .. وكان أجير المقهى كاتبا .. وكنا نجتمع في المقهى أو عندي في البيت ، ومنهم من أصبح من الكتاب المعروفين الآن .. هذا الشخص ، اسمه : ( سيد رجب ) ما زلت أذكره .. وهو كاتب طليعي لم ينتج كثيرا ، ولكنه له قيمة ..
وما زلت أذكر هذه الحادثة : كتبت قصة قصيرة ، ودعوتهم إلى بيتي ، لأقول لهم : ما رأيكم بهذه القصة المترجمة عن تشيخوف ؟؟ فكان الإعجاب شديدا بترجمتي الدقيقة .. وعندما استقر الرأي على أنني مترجم جيد ، قلت لهم : هذه القصة من تأليفي .. فتراجعوا ، وقالوا : نحن أدركنا شيئا من هذا .. فعدت ، وقلت لهم : لا ، هذه لتشيخوف ..
حصيلة هذه الحادثة ، أنه رغم محبتي لتشيخوف ، فيجب ألا أكتب شيئا يمتّ بصلةٍ لتشيخوف أصلا ..
وهذه ، نقيصة للكاتب ، أن تتقمص روحُه روحَ كاتب آخر ..
وهذا الشيء ، هو الذي شجعني أكثر ـ مع الملاحظات السابقة ـ على مزيد من الاستقلالية ..
أن أكتب شيئا ليس له قيمة ، ولكنه يخصني أنا ..
أكبر تجربة رسّخت ثقتي بنفسي ، ما حدث بعد ذلك بكثير ..
كنت قد عدتُ إلى حلب ، وصدَرَتْ مجلة اسمها : ( أدب ) .. وهي مجلة توْأم لمجلة اسمها (شعر ) المعروفة التي تصدر عن دار شعر ..
صدر العدد الأول منها .. اشتريته من السوق .. ومن عادتي ، ومن شبابي الأول ، أن لا أراسل إلا إذا استكتِبتُ .. كنت أحفظ دائما لنفسي ..... إلا أن المجلة أعجبتني ، لدرجة أنني كتبت قصة ، وأرسلتها للمجلة ، فصدر العدد الثاني ـ وهي مجلة فصلية ـ وإذا بقصتي في الصفحة الأولى ، اسمها : ( بعد الظهر الميت ) ، وكتب في تعريف الكاتب : وليد إخلاصي كاتب من حلب .. لأنهم لا يمتلكون معلومات عني ..
وهذه القصة نوقشت في ( خميس شعر ) .. وكان يوسف الخال ـ رحمه الله ـ هو الذي يقود حركة ( شعر ) .. فكان كل خميس ، يجتمع أنسي الحاج ، وأدونيس ، وكان يأتي جبرا إبراهيم جبرا من بغداد بالطائرة ، ليقضي ليلة ويعود ، ويناقشون النتاج الأدبي .. فخصص أحد أيام الخميس لمناقشة هذه القصة ، واعتبرتْ أنها فتح جديد ، وأرسل إليّ كتاب يقول : نحن مستعدون لنطبع لك كتابا .. وهم أول من طبعوا لي كتابا ( دار شعر ) ..
وترجمت القصة إلى الإنجليزية ، ودخلت في أنسوكلوبيديا القصة العربية المعاصرة ، الذي صدر عن دار أوكسفورد عام 1966 ، بعد مرور ثلاث سنوات ، ومن ذلك الحين ، صار الجميع أصدقائي ..
وهذا حفزني أكثر للاعتماد على ذاتي ..
هذه الحادثة ، دفعتني أكثر ألا أفكر في كتابة القصة أو الرواية أو المسرحية .. أن أهيئ الظروف لما بداخلي ، أن يخرج .. التصميم يقوم في العقل .. هذه الولادة الحرة للفكرة ، هي التي أصبحت منهجي في كتابة القصة والرواية والمسرحية، ودرجْتُ على هذا الموضوع ، وأصبح جزءا من عاداتي ..
إنما الكتابة الثانية، وبالذات للرواية , فأنا مثلا : معظم أعمالي الروائية ، الحد الأدنى لكتابتها : ثلاث مرات .. مثلا : أعيد الصياغة ، وقد تعاد الصياغة من جديد ، والتأليف من جديد .. هذا الشيء ، هو الجانب التصميمي في الكتابة .. إنما الكتابة الأولى تنفجر .. مثلا : عندما ولد لي الولد الثاني ، ومات بعد ست ساعات لخطأ ولادي ـ وكان ذكرا ـ وكان غريب الشكل ، فوزنه 5.600 كغ ، وهذا غير طبيعي ، وغير مألوف ، وكان رأسه كبيرا .. وعندما مات ، راقبته من وراء القفص .. طبعا ، عواطفي ليست عواطف أبوة كبيرة .. إنها عواطف دهشة .. بمعنى الموت .. كيف تخلـَّق في تسعة شهور ، ومات في ست ساعات ؟؟!!
وكان شكله هو الذي أوحى لي بفكرة ( محبة الجمر ) بطل رواية ( باب الجمر ) ..
ليس هو ، لكن ابتدأت هذه الحادثة ، عندما بدأت عام 1966 ، وكتبت ( باب الجمر ) في الثمانينيات .. فكان الموضوع يدور في ذهني حوالي 15 عاما .. هذا الكائن الذي يتخمر، ثم تتولد عنه أفكار ..
ازدياد المعرفة ، والتجربة الإنسانية عندما تتعمق .. لكن المحور الرئيسي ، ظل هو ابني ..
ليس هناك من إشارة في الرواية .. لكني الآن ، أتكلم عن فكرة : كيف تلد الشخصيات ؟
المؤثرات الحقيقية للكاتب ، قد تكون المعرفة ، والكبت ، والكتاب ، والأحداث ، والسياسة ، والقضية العربية ... كلها مؤثرات .. لكن أهم مؤثر فيها ، هو الشخصية الأساسية في العمل ، التي تملي إرادتها عليك .. ولكن .. كيف تملي إرادتها عليك ؟؟ لماذا تـُصطفَى هذه الشخصية من دون الآخرين ؟؟ وأنا أفكر في شخصية محبة الجمر ـ طبعا سُمّي فيما بعد ذلك : محبة الجمر ـ كنت أولا أكتب أعمالا أخرى ، وكانت الشخصية هذه تنمو ببطء في اللاشعور ..
طبعا ، هذا الأمر اكتشفته وأنا أكتب الرواية .. فمواصفات الشخصية تنطبق على مواصفات الولد الذي عاش ست ساعات فقط ..
والذي أثر بي كثيرا ، أن والدي ووالدتي ، رفضا ـ بعد موته ـ إلا أن يغسّل كالميت ، ويُصلى عليه ، فاستغربت ، لأنه طفل لا يعي ، فقال : هذا الكائن يمثل الخلق كله .. فعملية الخلق كلها ، تمثلت في هذا الكائن .. كيف ولد ؟ النطفة الأولى .. الفكرة الأولى ، ونما بشكل طبيعي ، دونما تدخل منك ، ثم مات دونما تدخل منك ..
هذا المسار الفلسفي المبسط ، كان هو الجوهر الأساسي للرواية ..
ولد هذا الكائن بشكل عشوائي ، لأن الطبيعة اختارته ..تمثلت في فكرة الخلق الكبرى .. وعندما أعود إلى ذاكرتي العلمية ، أجد الأزهار النادرة لا تعيش كثيرا .. إن ذلك سرّ من أسرار الطبيعة .. فمثلا : زهرة التوليب لا تعيش كثيرا .. من أجمل زهور العالم ، زهرة الصبار ، تعيش 24 ساعة فقط ، ما بين وجودها كبرعم ، ثم تتفتح وترسل رائحة عجيبة ، ثم تنغلق وتموت في 24 ساعة ..
بينما أزهار نباتات كثيرة ، تعيش أياما وأسابيع ، فصار هناك شيء من اليقين غير العلمي : بأن عظمة الفكرة ، أن تولد كبيرة ، ولكن يُقضى عليها .. ومن هذه الزاوية ، اتسمت كثير من أعمالي ..
وقد اتـُّهمْتُ : كيف تقتل ( محبة الجمر ) ؟؟!!
كيف اخترعَت المخيلة الإنسانية بعض الأساطير الدينية أو الميثولوجية ، مثل أسطورة أدونيس ؟؟
الولادة الخارقة ، والموت الخارق الذي فيه تضحية من أجل الآخرين .. هذا الشيء ، لعب دورا في تكوين هذه الشخصيات ..
لذلك ، إذا سُئلت : من هي الشخصيات الحقيقية التي أثرت بك ؟؟
أجيب : إنها الشخصيات المُختَرَعَة التي كتبتُ عنها .. وهي مخترعة ، لأنها لا تمثل الواقع ، ولكنها تختزل الواقع ، وتجد في كل شخصية تيارات كثيرة من الأفكار والأشخاص الحقيقيين .. فهذه الولادة المُرْبِكة للشخصيات ، التي تتم في المعمل الذي بداخلي ـ وكذلك عند كتّابٍ آخرين ـ هي التي تؤثر بي أكثر مما أؤثر بها أنا ..
هناك تبادل قائم .. لكن تأثيرها عليّ أكبر .. ولذلك ، إذا سُئلتُ عن أعظم امرأة قابلتها في حياتي ، أقول : وهوب ، بطلة رواية زهرة الصندل .. وهوب : صديقة .. لا أخفيك سرا .. إنها ما تزال تعيش بداخلي .. وهذا كلام ليس علميا ..فأنا حين أدخل مكانا ما ، أراها فيه أمامي لثوان تنتظرني .. فأصاب بالرعشة .. موجودة ما تزال .. فأقول لنفسي : ألم تكتملْ في كتاباتي ؟! أما زالت تعيش ؟! هل يجب أن أكتب عنها أكثر ، لأقضي عليها ، وأنتهي منها ؟؟!!
هذا الشيء، ليس مصمَّما سلفا .. أنا أحلله بعد أن انتهيت منه .. وقد يكون هذا الكلام وهما .. هذا ما حدث فعلا ..
فالكتابة ، ليست أدبا .. الكتابة : فن ..
ليست صناعة لغوية .. إنما هي خلق حقيقي ليس له وجود في الواقع ، وهي أقرب شيء للواقع ..
وهذا يعيدنا للنظرية التي تقول : إن الحياة كلها من أجل الفن .. الحياة تخلق مَثلها الأعلى كي تستمر .. وإذا فقدت قوةَ الخلق ، تكون قد أعلنت عن موتها ..
لذلك ، فإن إحدى وظائف الفن ، أنه يلعب دور ( أنتي بيوتيك ) مضاد حيوي ، من أجل الاهتراء والتآكل .. فالموت الفيزيائي ، موت زمني .. أما الموت المرعب ، فهو موت الإبداع .. موت القدرة على خلق المثل العليا ..
قريبا .. الساعة الثالثة من الحوار ..
الاشتراك في:
الرسائل (Atom)
