الاثنين، 14 مارس 2011

ترانيم وأقانيم الصداقة

ترانيم وأقانيم الصداقة

تضطر أحيانا أن تلجأ إلى من لا تستطيع تجاهل وجوده في حياتك ، فتطلب منه شيئا أصغر ما يكون ، أو أكبر ما يكون ، ولكنك لا تملك خيارا آخر .. وليس لك حيلة أخرى .. معتقدا أن طلبك هو في متناول يد صديقك الغالي العزيز ، إلى درجةٍ ، تكون فيها متيقنا تمامًا تمامًا ، بأنه لن يتردّد في تلبيتك هذه المرة ، بعكس ما فعل في مرات كثيرة سابقة متذرعا بأسباب وأسباب ، بعضها يمكن أن يُتفهَّم ، وكثيرها ، يصعب قبوله .. لكنك تطنش حفاظا على كل شيء آخر ..

والذي يجعلك متيقنا من عدم تردد صديقك في الاستجابة ، كون طلبك شخصيا جدا يلامس أقرب الناس إليك ، من جهة ، ولوقوعه في متناول يد صديقك أو بما يجاورها قليلا ، من جهة أخرى ..

فتفاجأ بأن تلك الاعتبارات أضعف من أن يكون لها مكان في حيز اهتمام ذاك الصديق العزيز ، ولا يلبث أن يأتيك الرد كلطمة على وجهكَ ، بكفٍّ مخباطية ، تكاد تصرعك ، ليشعرَكَ بأنكَ طلبتَ منه " إحياء العظام وهي رميم " ..

وفوق ذلك ، يتجاهل الآثار الجارحة لتلك اللطمة وتأثيراتها ، ويتذرع لك بأنه يرد طلبك لأنه " يمون عليك " ، وأنه إذا لم تتفهم أنت بالذات ، ظروفه وأسبابه ودواعيه ودوافعه التي دفعته لرفض طلبك ، فأنت بعيد عن موضع ومكانة الصديق الصدوق .. لذا ، يجب ألا تكون كغيركَ ممن لا يتفهمون تلك الحالة ، وليس لهم مكانتك ، وبالتالي ، فهو يضطر لتلبية طلباتهم مهما كانت سخيفة أو تعجيزية ، كي لا يفهمونه خطأ ، وكي لا يأخذون عليه المآخذ ..

أما أنت ، ولأنكما أصدقاء ، فيجب عليك ـ باسم الصداقة ـ أن تتحمل رفضه الغليظ أحيانا ..

وأنه يجب عليك أن تتوقف عند الحدود التي يحددها لك وأن تلتزم بها ..

ويجب أن تظل محتاطا وحذرا من الاقتراب منها أو تجاوزها ولو بسنتيمترات ، لأنه سيسبب " حرجا لصديقك العزيز " و " قد يحشره بين المطرقة والسندان " الوهميين ..

كما ، ويجب عليك ألا تحمّله فوق طاقته .. وألا تدفعه " ليكسر نفسه للي بيسوا واللي ما بيسوا مشان طلباتك اللي ما بتخلص " ..

إن كثيرا من الأخطاء ، يوقِع الصديقُ فيها نفسَه أحيانا ، عندما لا يرى من الصداقة غير جانب واحد ، ولا يكون مستعدا أن يتعاشر على أساس أن الصداقة جزء هام وإيجابي ، من مجتمع نعيش فيه بكل التزاماتنا العائلية وغيرها ، وقد يحتاج أحدُنا الآخرَ لأمر لا تستطيع أن تطلبه إلا من صديقك ..

فيسرد لك صديقك مسوغاتٍ " منطقية " برأيه ، يقدّمها بلـَبوس " العقلانية " و " الممكن " ، ثم لا يجد سوى " عنوان الصداقة " مكانا آمنا يحتمي به ، ليغطي تقصيره تجاهك ، أو تردده في نجدتك أحيانا ..

إنه ، ومهما تكن الأحوال والظروف ، فإنه لا يحق للصديق أن يتمترس وراء " خطوط حمر " واهية ، حتى إذا ما اضطر صديقه للجوء إليه في ظروف خاصة ، أحاله إلى الآخرين ، ليحاجج صديقه أمامهم ، وليضطر هؤلاء إلى تقديم الشهادة التي يرغب بها ، ثم ليقزّم حجم العلاقة بينهما ، وليجعلها موضع تساؤل وشك ، فيتساوى في الواجبات مع هؤلاء ، ويُحرَم من حقوق الصداقة ، إلا ما كان إجرائيا شكليا ..

وكأنه يجب ألا يكون للصديق حق في صديقه أكثر من الآخرين ، وألا يكون للصداقة مكانة مميزة وخاصة بين الأصدقاء أنفسهم ، فيتم التعاطي مع هذه العلاقة كأنها تحصيل حاصل ، أو كأنها خارج السياق الاجتماعي العام الذي يحكمنا ويضعنا ـ في كثير من الحالات ـ ضمن ، أو تحت قوانينه وأحكامه ..

إنه لا يُستقوى على الصداقة بمتانتها ..

ولا يجوز التفريط بحقوقها تحت أي ذريعة ، وفي أي ظرف ..

ومن غير المقبول أبدا ، أن نسوّغ مواقفنا بما يشبه " العذر الأقبح من الذنب " ..

ولا يجوز أن يُصَدّ الصديق ، بالحماقة التي يُصَدّ فيها الملحاحون أو المتطفلون أو المتسلقون ......

إنه ، يجب أن لا تـُنتـَهكَ الصداقة باسمها ، وألا تـُطعَنَ بألسنة حِداد جارحة ..

وباسم الصداقة ، ومن أجلها ، يجب أن يجد الصديق ما يمكن أن يحافظ به على الصداقة والصديق .. وقد يُضطر أن يضحي من أجل ذلك ، بل ، يجب أن يضحي الصديق من أجل الصداقة ، لأنها علاقة إنسانية سامية تستحق التضحية ، حتى إذا ما كان الخيار بين التضحية من أجل الصديق ، والتضحية بالصديق ، وجب على المضحي أن يعرف طريقه جيدا ، لأنه قد يكون متوهما فيقع فيما لا تحمد عقباه ، وقد ينكسر " إبريق الزيت " ..

وبالنتيجة : وبالقياس :

لا يعرفُ الشوقَ إلا مَن يكابده ولا الصبابة إلا مَن يعانيها

عشتم .. وعاشت الصداقة ..

الإثنين ـ 14/03/2011

الخميس، 10 مارس 2011

ظاهرة الشعب العربي

ظاهرة الشعب العربي

قبل تظاهرات الغضب والاحتجاج التي تجتاح الوطن العربي ، على مدى الأرض العربية من أقصاها إلى أقصاها ، لم نكن معتادين على رؤية الملايين من المواطنين ، تغص بهم الشوارع والساحات والأزقة ، وهم يهتفون بصيحة واحدة ، وهتاف واحد ، نحو هدف واحد أيضا ..

وربما كانت مسيرة جماهير مصر في 9 و 10 حزيران / يونيو من عام 1967 أكبر مسيرة عرفتها القاهرة والعواصم العربية الأخرى ، والتي خرجت تتمسك بجمال عبد الناصر ، وتطالبه بالعودة عن تنحّيه ..

وشتان بين تنحّي جمال عبد الناصر ، وتنحّي حسني مبارك ..

فقد خرجتْ مصر كلـُّها تطالب ببقاء عبد الناصر رئيسا ، رغم ظروف النكسة التي مُنيت بها مصر وسوريا والأردن وفلسطين عقب عدوان الصهاينة عليها في 5 حزيران 1967..

بينما خرجتْ مصرُ كلها ، متمسكة بكلمة واحدة ، تطلب من " مبارك " تنفيذها : ارحل .. ارحل ..

حتى أعلن " نائبه " تنحّيه ، وهو يتكرّم به مِنـَّة على الشعب المصري ..

وقبل هذه المظاهرات الهادرة ، رأينا في لبنان مسيرات مليونية ، حين بدأت معركة تكسير العظم بين فريقي السياسة اللبنانيين ، عقب اغتيال الحريري ، وخروج القوات السورية من لبنان :

فريق 14 آذار ، بما يمثله من التزام بالمشروع الأمريكي وبالتالي : الصهيوني ، وهو مشروع " الشرق الأوسط الجديد " ..

وفريق 8 آذار ، بما يمثله من تمسكٍ بخيار المقاومة والتصدي لذاك المشروع ، الذي تبعثر مع فشل عدوان الصهاينة على المقاومة اللبنانية عام 2006 ..

وقد تجاذب الطرفان أطراف لعبة " الحشد الجماهيري الأكبر " و " الزوم التصويري البؤري الأوسع " .. في محاولةٍ استعراضيةٍ من الطرفين ، لإظهار مدى قدرة كل منهما على الحشد ، والتأييد ، والتهديد " إن لزم الأمر " والتصعيد " إن اقتضت الظروف " ..

وبالتالي ، شاعَ في تلك المرحلة مقولتان هامتان دالتان معبرتان عن رأي أصحاب كل منهما :

ـ الأغلبية الشعبية أو " الحقيقية " ..

ـ والأغلبية البرلمانية أو " الوهمية " ..

واختلط الحابل بالنابل ، فلم نعد قادرين ـ أحيانا ـ على التمييز بين الحقيقي والوهمي ، بفعل قوة وسطوة " البروباغندا " المستخدَمة والمسخّرة للترويج والهجوم ، بوجهيها أيضا : الحقيقي ، والوهمي ..

أما أن تخرج كل هذه الجماهير العربية ، وفي كثير من العواصم والمدن ، مضحية بالآلاف من الشهداء ، لتطالب بالتغيير الجذري ، تحت بريق شعار سحري أخاذ :

" الشعب يريد إسقاط النظام "

فهذه سابقة ليس لها نظير في التاريخ العربي الحديث على الأقل ، وهي المَطالب غير المسبوقة أيضا ، وبهذا الوضوح والإصرار والتأكيد والعزيمة والتخطيط والتنظيم والإعداد و ......

فإذا كانت مسيرات لبنان انتصارا لفريق على فريق ، أو تأييدا لمشروع ضد مشروع ، وإذا كانت مسيرات حزيران في مصر 1967 ، طالبت جمال عبد الناصر بالبقاء على رأس الهرم رغم هزيمته ، فإن كل التظاهرات الآن تطالب برحيل الأنظمة ، ولا تقبل حوارا ولا نقاشا أجوف معها ، ولا مساومة على حقوقها ، ولا أنصاف حلول ..

فما جرى في تونس بعد الثورة ، يوضّح حقيقة النضج الثوري الذي تحرّكَ بهديهِ الشعبُ التونسي ، ولم يهدأ حتى رضخ الساسة " المخضرمون المتخضرمون " لمطالبه ..

وكذلك في مصر .. فقد أصر ثوارها على تحقيق كل مطالبهم تباعا ، بنفس الصبر والأناة والعزم ، بعد أن كادت أن تؤول الأمور والحكم والحكومة والحاكم العسكري ، إلى الطغمة نفسها من أذيال وأتباع ومخلفات النظام السابق ..

ومع التجاوب الذي أبداه المجلس العسكري لمتطلبات الثورة ، بإسقاط الوزارة ، وتكليف أحد المتمردين على النظام السابق رئيسا لوزارة جديدة ، ثم حل جهاز أمن الدولة ، كل ذلك ، يوحي بنيل المطالب حقيقة ، وليس بالتمني ، تحقيقا لمقولة الشاعر أحمد شوقي :

وما نـَيْلُ المَطالِبِ بالتمني ولكنْ ، تـُؤْخَذ ُ الدنيا غِلابَا

كما استردَّ الشعب العربي المصري وعيَه المُغيب منذ مرحلة حكم السادات ..

وكان كذبا ووهما وغشا وتدليسا رخيصا ، مارسَه توفيق الحكيم ، ونجيب محفوظ ، عندما عَدّا " عودة الوعي " ترافقت وتمّت مع عصر السادات وكامب ديفيد ، فطبّلا وزمّرا لإنجازاته ، ثم رقصا فوق جثث مئات آلاف الشهداء ، حتى نال نجيب محفوظ " جائزة نوبل " " للاستسلام " وليس للسلام كما يزعمون ..

الآن .. ومن ميدان التحرير ، انطلقت الدعوة المشروعة لاستعادة الوعي الحقيقي ، التي نرى إنجازاتها تتبلور وتنجلي يوما بعد يوم ..

لكننا ما نزال نسمع نشازا منغما حول " اعتراف المجلس العسكري ، ورئيس الحكومة الجديد " بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية ، في إشارة تطمينية لأمريكا والصهاينة ، أن " معاهدة كامب ديفيد " ما تزال سارية المفعول ، وكذلك معاهدة بيع الغاز المصري للصهاينة ..

فإلى متى سيبقى الشعب العربي في مصر أسيرًا لتلك الاتفاقيتين المجحفتين بحقوقه وحقوق الشعب العربي كله ؟؟!! ، هذا إذا لم يكن ثمة اتفاقيات سرية أخرى ، يكون لها ما لها ، من تأثير سلبي على قضايا الشعب المصري ، خاصة ، والشعب العربي ، عامة ..

وربما ما يجري في اليمن ، ليس بعيدا عما جرى قبله في تونس ومصر .. وكذلك في البحرين والأردن والعراق وموريتانيا وعُمان والمغرب ..

فقد اختار الشعب اليمني طريقه بوضوح ، وأعلن رغبته بالاستمرار في التظاهر السلمي حتى إسقاط النظام اليمني الحاكم .. لكن طريق الثورات لا بد أن ترويه دماء الشهداء الذين يسقطون يوميا ، حتى صار التفريط بالدم العربي أهونَ وأرخصَ على الأنظمة من النفط والغاز ..

ومع بروز ملامح تكرار السيناريو التونسي والمصري ، في كثير من أهدافهما ومراميهما وصورهما وأشكالهما ، فقد أعلن الرئيس اليمني تمسكه بالبقاء في السلطة حتى نهاية ولايته الحالية ، وهذا تماما ، هو ـ ربما ـ الفصل الأخير من مشاهد السيناريو التي شاهدناها في الشهرين الماضيين ..

على أساس : كل شهر ، نظام .. " ما شاء الله " ..

و " مساكين هؤلاء المساكين : بن علي ومبارك والقذافي وصالح " فقد بدت صورتهم التي تتناقلها وسائل الإعلام مبشرة لهم بسقوطهم المتتالي ، في أيام مشهودة متلاحقة " ..

فلم تنفعهم أجهزتهم ولا جيوشهم ولا أسلحتهم ولا أرصدتهم ولا أبناؤهم ولا أنسباؤهم ولا أعوانهم ولا بلطجيتهم ولا حلفاؤهم ولا أصدقاؤهم ولا أصدقاء أصدقائهم ..

كل ذلك ، ساوى ويساوي وسيساوي صفرا على الشمال إزاء إرادة الشعب وتصميمه وتضحياته ..

وربما ـ قياسا على ما جرى في ثورتي تونس ومصر ـ كان ما جرى فيهما كووووم ، وما يجري في ليبيا ، كوم آآآآخر ..

فهذا حلقة أخرى جديدة من خِزي النظام وجرائمه ، لم نشهد لها مثيلا أيضا ، بوحشيتها واستخدامها كل أنواع القوة ومعداتها ضد المواطنين الآمنين ..

وإذا كان القذافي قد أعلن في خطابه الأول : " أنه لا يملك أي منصب ليتنازل عنه ، وأنه لا يملك إلا بندقيته وسيقاتل بها حتى آخر قطرة من دمه " ، إلا أن الوقائع أثبتت أنه يمتلك أكثر بكثير جدا من ذلك ، بدليل القوة التي يستخدمها في مواجهة الشعب الثائر ، وباعتقاده الباطن أنه يتملك ليبيا كلها بسند تمليك أبدي لا يحول ولا يزول ، حرّره بنفسه ولنفسه ، حتى إنه مستعد أن يدمرها ويحرقها على رؤوس شعبه إذا لم يستكينوا له ولأولاده ..

فلا بأس عنده ، من أن تكون الأرض خالية من السكان ، لكنه لن يتنحى استجابة لمطالبهم ، ولن يكف عن قتلهم واغتيال ثورتهم وشبابها ..

وإذا كان العالم قد استنكر ، وتداعى لقمم متنوعة ، وإذا كان العرب قد تداعوا لاجتماعات باهتة خجولة عاجزة ، كونهم مشغولين بما لديهم من تحركات داخلية ، أو هموم أو احتجاجات مشابهة ،

وإذا كان بعض العرب أصدروا بيانا يطالب القذافي ببعض المَطالب " الدبلوماسية " ،

فإن كل ذلك لا يرقى إلى أصغر صغائر جرائم الإبادة الجماعية التي يتعرض لها الشعب الليبي على يد النظام العنتري المفلس ، وما يتهدد وحدة التراب والشعب الليبيين ، على المدى المنظور على الأقل ..

إن ما يجري أكبر وأخطر بكثير جدا مما يقابله من ردود أفعال من هنا أو هناك ، لا تغني ولا تسمن ، وهي مجرد ردود لم تستطع أن تقدم أي شيء يذكر للشعب الليبي وللثائرين منه ..

إن الأمة العربية وحكوماتها مدعوون لتحمل مسؤولياتهم أما ما يجري في ليبيا ، ومدى جسامة الأخطار التي يتعرض لها كيان الأرض الليبية وشعبها ، وليس أقله ـ على ما يبدو ـ " صوملة ليبيا " ..

لكن ، ألا ترون معي أيها السادة القراء ، أنه :

(( من المضحكات المبكيات أيضا ، التحدث عن الصومال وكأنه ليس دولة عربية بمقدار ما هو عبء ووصمة ، وأننا لا نذكره إلا في معرض التشبيه والقياس على حالته المزرية وأوضاعه السيئة ، المحزنة والموجعة )) ؟!..

فحتى الآن ، أثبتت " ظاهرة الشعب العربي " ، أنها دليلُ صحة وعافية استردَّهما الجسد الشعبي العربي بعد طول سَقم ، وبعد الكثير من العاهات والتشوهات التي عانى ، وما زال يعاني من الكثير الكثير منها ..

وهذه التشوهات شأنها شأن التشوهات التي تصيب الجسد الآدمي ..

فمنها تشوهات أو عاهات خـَلقية ، ومنها طارئة مكتسبة ، ومنها مفروضة ..

وفي كل الأحوال ، هي : عاهات .. ويجب التخلص منها ، أو التغلب عليها في أسوأ التقديرات ..

ولا غنى لمجتمعنا العربي عن تجاوز هذه المرحلة الصعبة جدا ، بعد أن سبقتنا الأمم والشعوب الأخرى ، وتقدمت علينا بما لا يقاس إلا بالسنين الضوئية ..

إننا أمة تستحق الحياة الحرة والكريمة ، والحرية التامة بكل أشكالها ..

وإذا كانت المرحلة السابقة موصوفة ومحكومة بنظم سياسية هي أقرب ما تكون إلى " شكل من أشكال الاستعمار الجديد " ، كونها مرتبطة به أهدافا ومصيرًا وغاياتٍ ، ومتحالفة معه ضد شعبها وأهلها وإخوتها ، فإن الثورة على هذه الأنظمة هي بحق :

انتصار للشعب من جلاديه ، وانتصار للحق من مغتصبيه ، وانتصار للحرية من المستعبدين المأجورين ..

عشتم ، وعاش الشعب العربي ..

الخميس ـ 10/03/2011

الثلاثاء، 1 مارس 2011

ما رأيك لو قلت لك : أنا أحبك ؟؟ صفحة أخرى من دفاتري العتيقة

ما رأيك لو قلت لك : أنا أحبك ؟؟

صفحة أخرى من دفاتري العتيقة

قلت : ماذا تريدين أن تعرفي بالضبط .. فلقد طلبتِ مني ما يصعب تلبيته في هذه العُجالة ..

قالت : لا تقلق .. إننا لسنا في عجالة .. قل ما تشاء .. أنا أريد أن أسمعك فقط ..

اختفت الشمس وراء جبل الجوشن ، وبدت الحديقة المترامية عند أقدامه كتلة من الخضرة الداكنة والجمال .. والشارع الذي بينهما خال دوما من المارة ، تعبره سيارات نزقة مسرعة في الاتجاهين ، وتناهى صفير القطار منذرا بدخوله المجال المأهول ، يتهادى فوق سكة عرشه المنصِّفة للمدينة ..

مشينا على رصيفها العريض .. تحدثتُ عن مفردات متناثرة من حياتي ، لم أستعرضها بالترتيب المفيد ، كنت أتقافز فوق السنين والأحداث والمفاصل ، ببهلوانية تختزل في أحشائها ماضيًا كثيفا كغابةٍ استوائية ، دون أن تفجّر الدمامل المتقيحة ..

كنت في سباق مع نفسي ، أريد أن أصمت لأسمع ردَّها ورأيَها .. لكنها كانت تكتفي بالاستزادة ، وبأنها لم تصل إلى المحطة المبتغاة ..

لم أخمّن تماما ماذا تريد .. فهي تعرف إحداثياتي الأساسية من خلال ظروف تعاملنا الرسمي وغير المغلق .. وتعرف نمطي وطريقتي في التعامل مع المحيط ، وتعرف كثيرا عن سلوكي العام وتفكيري ، وربما ، وعلى مدار اجتماعات العمل الأسبوعية ، تفرّست شخصيتي ، وسبرتها من بعيد ، بعينيها الحادتين المختبئتين وراء خصلات شعرها الأسبل الكثيف الناعم ..

كان في عينيها ما يسمى " حولة الحسن " ، تبرزان فوق جسد يتكور كحبات الفِطر الأبيض الربيعي ليونة وطراوة .. وحين تضحك ، تضحك من قلبها ، فتضحك عيناها ، وتحمرّ الوجنتان ، وتتلون الصورة بكل ألوان الطيف ، بين بشرة بيضاء متوردة ، وشعر أسود مصفف بعناية ، ليخفي شيئا من تطاوُل الوجه المكلثم ..

كان حضورها في اجتماعات العمل طاغيا ، رغم تجنبها التظاهر أو التزاحم على المقاعد الأمامية .. وكانت تجلس حيث تجد مكانا شاغرا ، تضع رجلا على رجل ، غير آبهة بضيق بنطال الجينز الأزرق ، مسندة رأسها إلى إحدى يديها المنعقدتين فوق الصدر ..

قلما تتكلم ، أو تسأل ، أو تعترض .. كانت تصغي باهتمام ، حتى إذا ما سُئلت ، أجابت بدقة ونضج ، ينمّان عن سعة أفق مستمَدّ من امتداد انتمائها لحقول الجزيرة الشرقية .. فإذا تكلمت ، كانت واضحة ، مباشرة ، حاسمة .. وإذا كلـِّفتْ بعمل ، أدتـْه بسرعة وكفاءة ..

وعندما عرفتْ أننا ندرس الاختصاص الجامعي نفسه ، شعرتُ بأن ذلك أثار اهتمامها ، فصارت تتأخر بعد انتهاء الاجتماع ، بذريعة تبادل الخبرة في نماذج من أسئلة الامتحان ، والأمالي والملخصات ، رغم أننا في جامعتين مختلفتين ..

وحين سافرتُ لأداء الامتحان ، كانت في الأسبوع التالي ، مبكرة في الحضور ، متلهفة ، " لتطمئن " .. كما قالت .. وأضافت : إن لها صديقة لبنانية تدرس في نفس جامعتي واختصاصي ، ويمكنني الاعتماد عليها في تأمين ما يغنيني عن السفر إلا وقت الامتحان .. أسعدني عرضها ، خاصة مع استمرار تأزم الأوضاع اللبنانية في أوائل العقد الأخير من القرن الماضي ..

كان مرور القطار بجانبنا فرصة توقفتُ فيها عن الكلام ، فيما لم يبدُ عليها أنها ستكف عن استزادتي ..

وإذ بدأت أصوات الضجيج تتلاشى وراءنا ، حجبتْ غلالة من الضباب أضواءَ الشارع ، فتوقفتْ أمامي وجها لوجه ، وقالت : ما رأيكَ لو قلت لكَ : أنا أحبك ..

لم يكن كلامها مفاجئا لي ، وكنت أدرك أنها تختبئ وراء إصبعها ، لكني لم أشأ أن أسرق رغبتها بتنفيذ خطة مسبقة الإعداد ، أو أن أفوّت عليها نشوة الاعتراف ، أو أن أمنعها من الارتماء في أعماق بحيرتي العذبة الباردة ..

قلت لها متظاهرا باللامبالاة : هذا شأنكِ ، وتلك قضيتك .. لم تعلـِّقْ ، بل تأبطت ذراعي واستدارت للعودة ، وقالت :

تريد أن تسمعني ؟

قلت بفرح : أتمنى ..

قالت : مصيبتي أنني فهمتك أكثر مما تعتقد ، وأحببتك أكثر مما تتصور ، وتعلقت بك وأنا أرقبك في كل مكان جمعنا ..

وكنت أسمع تعليقاتٍ وهمهمات وهمسات مختلفة عنك ، حاولت أن أجعل منها حاجزا يفصلني عنك ، لكن كلمة واحدة أخرى ، كانت كفيلة باجتياح حواجزي ..

أتعبتـَني .. وتعبتُ منك .. لكني غفرت لك حين لم ألحظ عليك انحيازا واحدا تجاه جميع الآخرين ..

كنت أبحث عن هفوة منكَ أدعّم بها حواجزي ، لكني لم أوفق ..

فهل كنتَ شديد البراعة حتى أخفيتَ عني ما لم أستطع اكتشافه ؟؟!!

أم كنت فعلا تتعامل معنا بنفس الروحية ، محافظا على مسافةٍ وديةٍ متساويةٍ مع الجميع ؟؟

في الحالتين .. أنا أقدّرهما لك ، ومن أجلهما ازداد تعلقي بك ..

قل فيني ، وعني ما تشاء .. لقد صبرت وفكرت وانتظرت طويلا حتى تأكدت من مشاعري ، وأنا متأكدة أنك ـ الآن على الأقل ـ لا تحمل لي مقدار ما أحمله لك ، لكني سأجعلك تهيم بي رغما عنك .. فلن تستطيع النجاة من شباكي .. لقد نسجتها بعناية وحرفنة وأناة .. وأنا أثق بأنك تتفهم حالتي ، ولن تجعلني في لحظة أندم على اعترافي ..

فلقد تابعت حواراتك مع الآخرين بكثير من التوق والشغف ، وذلك أيضا زاد في تعلقي بك ، ولا سيما بعد أن عبّرتَ عن كثير من المواقف التي ـ ربما لم تكن توجهها لأحد ـ لكنها وصلتني على الهواء مباشرة ، واستلمتها بعناية وفرح ، وفسرتها وفهمتها كما يجب ، وبنيت عليها قصوري وأحلامي معك ..

ولقد عارضتْ صديقاتي علاقتي بك ، وتحديتهم ، وشرحت لهن كثيرا من أفكارك ومواقفك التي شهدتها أو سمعتها .. وليس لهن عليك أي ملاحظة سوى أننا ننتمي لطائفتين مختلفتين ..

ولأننا كذلك ، كنت مصرة أمامهن على متابعة مشواري معك .. ولن يمنعني ذلك من أن أصغي لنداء قلبي .. وقد طلبت منهن أمس أن تضع كل واحدة منهن نفسَها في مكاني .. وتحكم عقلها ، وتعطيني قرارها ..

اثنتان منهن قالتا : لن تنصاعا لعواطفهما ، واثنتان ، ذرفتا دموعا ساخنة وهما تعانقانني وتباركان موقفي ..

قلت لهن بعدئذ : لقد فزت بالأغلبية .. فنحن ثلاثة والمعارضات اثنتان ..

ولم يتوقف الجدل بعد تفرقنا إلى بيوتنا ، فأكملناه عبر الأسلاك حتى الفجر ، وبقيت كلٌّ منا عند موقفها ..

صمتت بينما كنا نقطع الشارع المؤدي إلى بيتها ، ثم قالت وهي تومئ إلى كنيسة مجاورة :

هل تعتقد أن علاقتنا هذه ليس لها منعكسات سلبية داخل الطائفة ، لو شاع الخبر ؟؟ لكني لن أتراجع ، ولن أتردد ..

توقفنا عند مفترق بيتها ، أمسكتْ بيديها يديّ الاثنتين ، وقالت : عِدني أن لا تتخلى عني مهما كانت الضغوط كبيرة ..

هززت رأسي موافقا ، ثم قلت : لن أتخلى ..

الثلاثاء ـ 01/03/2011

قمة أوربية لأجل شمال إفريقية ، فمن سيبقى ليحضر قمة العرب تحت الاحتلال ؟؟

قمة أوربية لأجل شمال إفريقية

فمن سيبقى ليحضر قمة العرب تحت الاحتلال ؟؟

من السخرية بمكان أن تتداعى الأمم الأوربية لقمة طارئة تتدارس فيها أوضاع " الشمال الإفريقي " .. بينما لم نسمع ـ حتى ـ تأكيدا عربيا على انعقاد قمة العرب العادية الدورية ولو في موعدها في أواخر الشهر الحالي ..

فقد أعلن القذافي باعتباره رئيس القمة النازل ، عن تأجيل عقدها منذ الأيام الأولى لثورة شعبه ضده .. وأعلنت " مؤسسة الجامعة العربية " أنها ستنعقد في زمانها ومكانها المحددين منذ نهاية القمة السابقة أي في أواخر الشهر الحالي وعلى أرض العراق الشقيق ..

ثم انشغل العالم ـ والعرب خصوصا ـ بتسارع الأحداث ، ونسي الناس القمة ومؤسساتها وعمرو موساها ..

وثمة استفسار عندي لم أجد له تعليلا ، ولا تسويغا :

أليس العراق ما يزال دولة محتلة ، عرفا وقانونا وواقعا ؟؟؟

فكيف يقبل الزعماء العرب التئام شملهم على أراض محتلة ؟؟

ألم يبق أرض عربية غير محتلة لتلتئم القمة العربية فوقها ؟؟

إن قولهم : إن انعقاد القمة دعم للعراق ، غير مفهوم ، لأن أغلبهم ساهم في احتلال العراق وتدميره ..

فهل صار دعم العراق مهمّا لهم الآن ؟؟!!

أم إنه رغبة " خارجية " نجهل نحن أصحابها ودوافعها ؟؟ ..

ومع ذلك ، إذا لم تنعقد قمة عربية ، وفي مثل هذه الأوقات ، فمتى يمكن للقادة العرب أن يجتمعوا ؟؟

لكن ، ثمة سؤالا آخر وأهم :

مَن مِن القادة العرب يمكن أن يكون متفرغا لمثل هكذا قمة ؟؟

ومن سيحضرها إن انعقدت في أواخر الشهر الحالي ؟؟

فالقمة الأوربية الطارئة ستتدارس نتائج وانعكاسات ثورتي تونس ومصر ، وتداعياتهما على المنطقة والعالم ..

وكذلك إرهاصات ما يجري الآن في ليبيا ، وموريتانيا ..

أما ، عما يجري في غرب آسيا ، فلم تشر الأخبار الواردة عن القمة الطارئة إلى شيء من هذا القبيل ، وإن كنا نعتقد أن ما يجري في غرب آسيا الآن ، أهم لأوربا مما جرى ويجري في شمال إفريقية ، على المديين البعيد والقريب ، لوجود " الصهاينة قلب أمريكا وأوربا النابض " في قلب هذه المنطقة اللاهبة ، والعكس ليس صحيحا ..

لكن الأسباب المعلنة ـ على الأقل ـ لم توضح المزيد ..

إن ما يجري في غرب آسيا ، في البحرين واليمن وعُمان والأردن والعراق ، إنما هو تحت عيني المجهر الأمريكي والأوربي والصهيوني ، وفي المدى المجدي لتلسكوباتهم بكل تأكيد .. إضافة إلى وجود أمريكي بري وبحري هائلين ومباشر في المنطقة ..

وإذا لم تفصح الأخبار الواردة عن حقيقة ما ستتداوله القمة الأوربية الطارئة ، فهو ليس جهلا بها ولا تجاهلا ، بمقدار ما هو رغبة أكيدة بإعطاء فرص أخرى للأنظمة الحاكمة فيها ، لعل وعسى أن يستطيع الحكام استعادة السيطرة على الأزمات المنفلتة ، والتي صارت السيطرة عليها ضربا من المستحيل ، بعد أن هدرت دماء كثيرة ، وبعد أن ملّ المتظاهرون الثائرون من مماطلة وتسويف الأنظمة ، ومن رشرشة الرشى فوق الرؤوس ، وتحت المداس ، بمسميات مختلفة ..

لكن المتظاهرين أدركوا ، قبل أن يتظاهروا ، أن حكامهم لن يرضخوا طوعا ، وها هي الأحداث تثبت ذلك يوما بعد يوم ..

الثلاثاء ـ 01/03/2011

الاثنين، 28 فبراير 2011

صفحة نيجاتيف من دفاتري العتيقة

صفحة نيجاتيف من دفاتري العتيقة

كأنك حين تكون برفقة صديق أو صديقة ، حبيب أو حبيبة ، تبدو لك الأشياء لماعة براقة مزهزهة على غير حقيقتها ، وتتحول أمام ناظريك ملامحُ وصورٌ كثيرة لم تكن تأبه لها ، أو لم تكن تعني لك شيئا .. وفجأة .. تحس بوجودها لصيقة بك ، بل ، وتحسّها هامّة في لحظةٍ ما ، وقد تندفع للاحتفاظ بها لو كان بالإمكان ذلك ..

لماذا ؟؟

ما السبب التي يجعل كيمياءك تتغير بهذه السرعة ؟؟

وما السر الذي تتلطى خلفه وأنتَ تغيّر موقفك مما لم تكن تحسه أو تراه ؟؟

وهل هذا التغير طبيعي أم مصطنع ؟ دائم أم مؤقت ؟ مستحسن أم مذموم ؟

وهل في العلاقات الإنسانية الحميمية كيمياء خاص بها أو فيزياء مثلا ؟؟

في الحقيقة ، أنا لا أعرف الجواب عن هذا السؤال ..

ولا أريد أن أدخل في تلك الزواريب التي تشبه مضائق الشرايين ..

فالمسألة ـ برأيي ـ في غاية البساطة ..

ولأضرب مثلا ..

كنا نسمع لمغن شعبي جدا بعض مواويله وعتاباته ، فأعجب صديقي به .. وأخذه .. وبعد أن سافرت وعدت ، إذا به يقول : ما هذا الشريط ؟؟ لم أستطع أن أسمعه بعد ذاك اليوم ..

أحيانا ، تـُعجَبُ بلوحةٍ أو منظر أو وجهٍ أنثوي ، لتفاجأ بعد مدة أن اللوحة التي أعجبتَ بها ، عادية ، وأن المنظر الذي أدهشك ، يبدو الآن أقل من عادي .. وأن الوجه الأنثوي الذي سحركَ في لحظةٍ ما ، يثير فيك الآن مشاعرَ نقيضة تماما لتلك ..

ولو بحثتَ عن الأسباب ، لوجدتَ عددا منها ، فإن جمعتـَها إلى بعضها ، لم تكن كلها كافية لتفسير الحالة .. ويبقى شيء آخر غامض هو الذي ، ربما ، يكون وراء هذا التناقض الذي وقعتَ فيه ..

وقد مررتُ بكثير من هذه الحالات ، إلى درجة أنني ألوم نفسي أحيانا ، عندما أتذكر أنني في لحظة من اللحظات أعجبتُ بهذه اللوحة أو بهذا المنظر أو بهذا الشخص أو تلك " الشخصاية " ..

فأسارع إلى محو الصورة من تلافيفي ومن خيالي ..

قبل سنوات طويلة ، كنت في مكتبي عندما رن الهاتف .. جاءني صوت سيدة تسأل عن شخص قالت إنه قال لها : سيكون عندي وعلى هذا الرقم بعد ساعة .. وقد حان الوقت ، ويجب أن يكون الشخص قد وصل إلى مكتبك ..

وكان واضحا من كلامها أنها تعرف اسمي وعملي .. وأن الشخص الذي تسأل عنه قادم إليّ في زيارة ودية .. وحين فوجئتُ باسمه وعمله ، ونفيتُ لها معرفتي به ، شكرتني ، وقالت : هل يمكن أن أعطيك رقم هاتفي ليتصل بي من عندك حين يصل ؟؟ قلت : لا بأس ..

وبعد وقت ، اتصلتْ ثانية تسأل عن الرجل الذي لم يأتِ ..

في الحقيقة ، ساورتني شكوك عما يكون وراءها ، وبدأت أخمن ظروفا وأحداثا ، وأستعرض سيناريوهات يمكن أن تكون على جدول أعمال من سيزورني بلا سابق معرفة بيننا ..

في النهاية ، لم يأت الرجل ذاك اليوم ، ولا فيما تلاه ، واستمرت تلك السيدة بالاتصال بذرائع واهية ، ممزوجة بشيء من الشطط النسوي الناعم والطري أحيانا ، مما أجج فضولي لمعرفة ما وراء ذلك ..

إلى أن اتصلت مرة ، وقالت : إن فلانا سيكلمك ..

حاول الرجل أن يذكـّرني بنفسه ، وبدا أنه بالفعل ، يعرفني عن قرب ، وقال : إننا التقينا مرات متعددة في عيادة صديق مشترك ..

جاملته ورحبت بزيارته لي في أي وقت يشاء .. لكنه أصر أن أتناول القهوة معه الآن في البيت الذي يتكلم منه .. ولم يتوان في إعطائي تفاصيل العنوان ، وأنه سينتظرني على الشرفة بعد نصف ساعة ..

ذهبت .. كانت سيدة بانتظاري على الشرفة في الطابق الخامس المطابق لإحداثيات العنوان .. قلت لعله في الداخل .. كانت على الباب حين وصلت لاهثا ، فتسمرت قدماي ، لم أعد قادرا على الدخول ، ولا على التراجع .. لكني استطعت مصافحتها ، فشدتني برفق إلى الداخل بما لا يشبه اللقاء الأول ..

وقفت قرب الباب وأنا أحاول التقاط أنفاسي ، واستعادة توازني ، بعد أن شعرت أن " كمينا ما " وقعت فيه برجلي ..

سألتها : أين أبو الفوز ؟؟

قالت وهي تدعوني ، وتمشي أمامي إلى الغرفة المطلة على الشارع : لقد اتصل بمكتبه فقيل له عنده ضيوف مهمون من الشام ، فاضطر للذهاب ..

قلت في سرّي : جاءني الفرج .. سأجد عذرا ينقذني ..

كان في الغرفة رجل مسن يجلس على كرسي متحرك ، رحب بي ودعاني للجلوس ، وهي تقول لي : أبي ..

صافحته ، وجلستُ على أريكة مواجهة له ، وجلستْ هي بجانبه ..

كان ودودا ولطيفا .. وطلب لي منها شرابا باردا وهو يرى العرق يتصبب مني ..

ذهبتْ وعادتْ بسرعة ، تحمل كوبين فيهما ماء غازية شفافة ، يتصاعد الرذاذ منها ، وقالت : ما رأيك أن نجلس على الشرفة ، فالجو ألطف هناك ..

استأذنت أباها ونهضت خارجا .. تنفست بعمق ، وبقيت واقفا رغم إلحاحها علي بالجلوس ..

شربت الكوب دفعة واحدة ، وسألتها : هل أستطيع إجراء مكالمة هاتفية ؟؟

تبعتها إلى مكان الهاتف ، أجريت اتصالا خلبيا ، وبدأت أتكلم على مسمع منها ، مدعيا أن ثمة ضرورة تستدعي وجودي في البيت ، لأن أمي في حالة صحية صعبة تستوجب نقلها للمستشفى ..

بدا عليها الإحباط لوهلة ، لكنها شاركتني بالحالة القلقة التي اصطنعتها ، وتركت لي تقدير الظرف حسبما يريحني .. وكان هذا غايتي تماما ، إلا أنها لم تفسح لي الطريق ، قبل أن تأخذ مني وعدا بالاتصال لطمأنتها عن حالة أمي ، وأن هذه الزيارة الخاطفة غير محسوبة ، ولا بد من تكرارها بأسرع وقت ، وفي أي موعد أراه مناسبا لي ..

فهي مستعدة لاستقبالي على مدار الساعة ..

كنت أهز برأسي موافقا على كل ما طلبت ، إلى أن تنحّت عن الباب ، وخرجت أقفز على الدرج ثلاثا ثلاثا ، يلاحقني صوتها بضرورة الاتصال بها عاجلا ..

تنفست الصعداء عند الباب الخارجي للمبنى ..

كان شارع محطة بغداد قد بدأ يكتظ بالمتمشورين على رصيفيه قبيل غياب الشمس ..

تساءلت : هل قصد أبو الفوز توريطي بشيء ما ؟؟

لم يبدُ على حركاتها ، ومن حديثها أنها تضمر أو تتعجل تصرفا سيئا تجاهي ..

لكنكَ أن تكون مع أنثى ليس فيها من الأنوثة سوى صوتها ، يجعلك تتعلق ولو بخيط العنكبوت للتهرب مما أنت فيه .. فكيف إذا اجتمع ذلك الشكل المخيف المرعب بأحداث مبهمة منذ لحظتها الأولى ، وحتى غياب أبي الفوز المفاجئ !! ..

ومع شعوري بالنجاة من ورطة متوقعة ، تذكرت قول الشاعر بشار بن برد :

يا قوم ، أذني لبعض الحيِّ عاشقة والأذنُ تعشقُ قبلَ العين أحيانا

الإثنين ـ 28/02/2011

الأحد، 27 فبراير 2011

جامعة الدول العربية " ما في حدا لا تندهي ما في حدا "

جامعة الدول العربية

" ما في حدا لا تندهي ما في حدا "

ـ 1 ـ

ـ لقد أسْمَعْتِ إذ نادَيْتِ حيًّا ولكن لا حياة لِمَن تنادي

ـ لا خيلَ عندَكَ تهديها ولا مال فليُسْعِدِ النطقُ إنْ لم تسعِدِ الحالُ

ـ فإذا كان حاصل جمع القوى المشكلة للجامعة يساوي صفرا ، وعلى الشمال ، فما المأمول ، يا رعاكم الله ؟؟ ..

ـ 2 ـ

أوصافها :

1 ـ هي من الأيامى الثكلى ، أنثوية الشكل ، لكنها لا تمتلك " لا صوتا حنونا ، ولا مؤخرة ناعمة " .. فما الذي يرتجيه الآخرون منها بعد ذلك ؟؟!!

2 ـ هي مؤسسة خرافية قائمة بقدرة قادر ، ولها أذنان :

واحدة من طين ، والأخرى من عجين ..

3 ـ تتجسّد كقط خشبي .. لا يسمع ، ولا يرى ، ولا يموء ..

4 ـ هي جامعة " دول " و " عربية " ، فكم بقي مما يسمى " دولة " ، وكم بقي مما يسمى " عربية " ؟؟!!

5 ـ إن الجامعة بما تمثل ، تحمل في أحشائها كل متناقضات الكون ، مع نفسها ، ومع بعضها ، ومع الآخر ..

ـ 3 ـ

أرتيريا ـ وما أدراك ما أرتيريا ـ تأنف من الانتساب إلى جامعتنا العتيدة :

على ما أذكر ، فإن أرتيريا دولة نالت استقلالها في أوائل تسعينيات القرن الماضي ، وكانت جبهة تحريرها ، منذ الستينيات ، تتلقى دعما سوريا ملموسا ، على صعد مختلفة ، في نضالها لنيل الاستقلال ، وربما كانت تتلقى دعما مماثلا من دول عربية أخرى ، على أساس أن أرتيريا أرض عربية محتلة ولا تتجزأ من الأراضي العربية ، وأنها ستكون عضوا جديدا في جامعتنا " العتيدة " بعد استقلالها ..

وغالبية الشعب الأرتيري شعب عربي ، ويتكلم العربية ، ويدين أغلبه بالدين الإسلامي ..

وعندما نالت أرتيريا استقلالها ، رفض رئيسها الانضمام لجامعة الدول العربية ، " لإيمانه بأن الجامعة العربية أضعف من أن تقدم لهم دعمًا يحتاجونه " ، بينما استطاع الكيان الصهيوني أن يتسلل إلى نسيج السلطة الأرتيرية ، فأقيمت علاقات دبلوماسية وودية بينهما ، وصارت تل أبيب مربط خيل " أسياسي أفورقي " الرئيس الأرتيري ، يقصدها للراحة والاستجمام والعلاج وغيرها ..

سؤالي للرئيس الأرتيري :

أنا أوافقك أن الجامعة العربية أضعف من أن تقدم لكم يد المعونة التي تحتاجها بلادك ..

لكن ، ما الذي قدّمه الصهاينة لشعبك حتى الآن ، غير حروبك مع جيرانك ، لصالحهم ، ونيابة عنهم ؟؟

وهل هذا يستحق أن تسلخ شعبكَ من جلده العربي ؟؟!!

" وبيني وبينكم أقول أحيانا :

معه حق ، فماذا قدمنا جميعًا : للصومال وجيبوتي وجزر القمر وموريتانيا ... مثلا .. " ؟؟

فهو مهما نادى واستجار ، فلا أحد من دول الجامعة يسمع ، وإن سمعوا فلا خيلَ عندهم يهدونها ولا مال .. وبالتالي : ليس لهم صوت حنون ، ولا مؤخرة ناعمة ..

فهل ثمة ميت يحمل ميتا ؟؟!!

وما الذي سيجعل من " أفورقي " عضوا في مؤسسة هزيلة لا حول لها ولا قوة ، كهذه ؟؟!!

لقد اختصر الرئيس الأرتيري الطريق .. وارتمى في أحضان الصهاينة ، ناسيا أنه ، أيضا : كالمستجير من الرمضاء بالنار ، ومن قفا النمس لا يمكن أن يلحس الدبس ..

ـ 4 ـ

ربما لم يستلزم الأمر ، في الثورتين السابقتين " التونسية والمصرية " أن نستنجد ـ نحن المواطنين العرب ـ بالجامعة العربية ، نظرا لعدم وصول الأمر إلى هذا الدرك الإجرامي الذي وصلت إليه أحوال الثورة الليبية ، بفضل " ملك الملوك " ..

ولأن مشاعر المواطنين العرب جميعا ، تتحرّق ألمًا مما يشاهدونه على الشاشات ، من جرائم يرتكبها " ليكهم وأباؤه البررة " بحق " عبيدهم " العزّل ..

فقد اقترح " شاهد عربي " وهو أحد المعلقين على مقالي السابق : بأن يتم تأسيس جامعة باسم " جامعة الشعب العربي " لتكون بديلا عن جامعة " الدول العربية " ..

ومن الطريف ، أن المعلق المذكور أعطى " مهلة 24 ساعة " لتنفيذ هذا الاقتراح ، في إشارة إلى مدى فقدان ثقة الجماهير العربية كلها ، بالمؤسسة الحالية ..

وكذلك جاء تعليق الأستاذ عبد الباقي فكايري ، ناعيا مؤسسة الجامعة العربية منذ بداياتها ، وآخذا عليها عجزها الدائم في نصرة جماهير أعضائها أمام كل ما مرّ بهم مؤخرا ، على هَوْله وفظاعته ، مثل :

الاحتلال الأمريكي للعراق ، والعدوان الصهيوني على لبنان وغزة ، والتعسف الصهيوني في مفاوضاته مع الجانب الفلسطيني ، رغم أن الجامعة لعبت دورا سلبيا في رعايتها المفاوضات المباشرة التي لم يستطع الفلسطينيون " أن يلحسوا ولا لحسة دبس واحدة ، من قفا النمس الصهيوني " ..

وكذلك جاءت المقالة الافتتاحية لجريدة الخليج الإماراتية يوم أمس ، تؤكد أن الجامعة أعجز من أن تقدم أي شيء لأي أحد .. وعلى الشعب العربي أن يقلع شوكه بيديه ، وألا ينتظر العون من الجامعة .. لأنه لن يصل أبدا ..

وهذا أرحم من موقف الجامعة حيال الشعب الفلسطيني وقضيته ، حين اتخذت الجامعة قرارا شملت برعايتها استمرار المفاوضات مع سلطة عباس مجانا تماما ، وعبثا تماما ..

ـ 5 ـ

إنه من طبيعة الأشياء والحياة ، أن يلجأ الناس للاستعانة بأقرب الناس إليهم ، أو الاستنجاد بهم في المُلمَّات والمصائب والكوارث ، وخاصة عندما تنسدُّ الآفاق أمامهم ، ويسند الناس ظهورهم إلى آخر جدار ، وهم يدافعون عن أنفسهم أمام مهاجميهم " الأشاوس " الشرسين المجرمين ..

وقد حدث هذا كثيرا ، في العالم كله ..

لكننا في ظروف دقيقة تحتم علينا وضع النقاط على الحروف ، والشعب العربي الشقيق في ليبيا ، يواجه " ظلم ذوي القربى " وذئبيتهم وفجورهم وطغيانهم ، وهو الأعزل المسالم ، الذي خرج على جلاده ، بعدما طول صبر عليه ، دام كواحدٍ من أطول فترات الحكم المستبد عبر التاريخ ..

فكم من الطغاة ـ عبر التاريخ الحديث على الأقل ـ حكموا مدة تتقارب مع اثنين وأربعين عاما أمضاها هذا القذافي في الحكم المطلق ، ولم يشبع ؟؟!!

ربما لا يجاريه في هذا ـ حاليا ـ سوى الرئيس الكوبي فيدل كاسترو ، الذي تنحى لأخيه قبل سنوات ، بسبب ضعف قدرته الصحية واعتلالها .. ولا نعرف كيف كان سيتصرف لو أن صحته تسمح له بمتابعة الحكم ..

والعلة في هذا القذافي ، أنه لم يشبع من الحكم والخيلاء والنهب وسفك الدماء ، ولم يُصَبْ بأي ملل ، كالذي أصيب به شقيقه الرئيس اليمني ، حين زعم أنه " ملّ من الحكم " ، لكنه " لن يتنازل عنه " ..

وإن كان الرئيس اليمني لم يَرْقَ في بربريته إلى درجة القذافي ـ حتى الآن على الأقل ـ ، لكن ، ألا يستحق شعبُ كلٍّ منهما أن تستيقظ عيناه ذات صباح على صورة حاكم آخر ، قبل أن يلاقي وجه ربه الكريم ؟؟!!

ولعل من الغريب العجيب ، أن الحكام المستبدين يتمسكون باستبدادهم ويستشرسون أمام مطالب شعوبهم المحقة ، فتراهم يزدادون تعلقا بالتسلط والعنجهية ، ويتظاهرون بأنهم (( تأبى عليهم أنفسهم وكرامتهم التنازل عن حقهم " المشروع ، الإلهي " في الحكم الأبدي )) ، وهم ـ في حقيقة الأمر ـ مجرد أرانب جرباء صغيرة في حظيرة أمريكا أو الصهاينة ، ومع ذلك ، يتمسكون بأذيال السلطة ، ويرتكبون الجرائم الفظيعة ضد شعبهم الأعزل من أجل عروشهم ، لمجرد أن شعبهم طالبَهم " ببعض حقوقه " المهدورة المقموعة ..

هذا ما لمسناه في تونس مؤخرا ، ثم في مصر ، وهذا ما نلمسه الآن في كل من ليبيا واليمن ..

وتحت وطأة ما يلاقيه الشعب العربي في ليبيا من جلاده المجنون ، وإزاء عجزنا كشعب عربي ، في تقديم الدعم لأشقائنا ، نقف حيارى ونحن نشاهد صور الفظاعة بإخوتنا يقتلون بدم بارد على أيدي جلاوزة النظام ومرتزقته ، فلم يبقَ لنا إلا أن نستجير بالمنظمات الدولية والعربية لمحاولة تقديم أي عون ، مهما كان نوعه ، لوقف حمام الدم الذي ما يزال يجري في ليبيا " مدينة مدينة وبيتا بيتا وشارعا شارعا وزنكة زنكة " كما هدد القذافي في خطابه الأول ..

وإن كنا ندرك أن كل المنظمات الدولية والعربية أعجز عن أن تقدم أي خدمة حقيقية للشعب الليبي ..

لكننا لا نستطيع أكثر من ذلك ، أمام عجزنا ..

فماذا فعل مجلس الأمن عبر تاريخه ، سوى أنه كان ، وما يزال ، وسيبقى ، أداة في يد الدول الكبرى ، يتبادلون عَبرَه مصالحهم ، ويتقاسمون العالم وخيراته وشعوبه وأراضيه ، ويفعلون ما يحلو لهم في سياسة تمييزية خبيثة لا تراعي ذمة ولا إلاًّ ولا حقا ..

وعندما يتعلق الأمر بالصهاينة يتباكون ويرفعون أصواتهم عاليا ، ويدفعون باتجاه استصدار أقسى القرارات ضدنا ، ويمنعون أي قرار يمس شعرة من قفا صهاينتهم ..

فإلى هذا الحد يستهينون بشعبنا وبمصالحه وبحقوقه ، ويدافعون عن المجرمين ويحمونهم ويربّتون لهم على أكتافهم إعجابا ومديحا " بحضارتهم وديمقراطيتهم النموذجية " ؟؟ ..

وما الفيتو الأمريكي الأخير في مجلس الأمن إلا صورة من صور سياسة الكيل بالمكاييل التي تناسب مصالحهم ، ومصالح ربيبتهم " دولة الكيان الصهيوني " ..

بذريعةٍ أسوأ من ذنب ، تقول : " إن مجلس الأمن ليس المكان المناسب لمناقشة هذه الأمور " ..

ما هذا التلفيق الفج ؟؟ وما هذه الاستهانة والاستخفاف ؟؟ وما هذه الحقارة والازدواجية ؟؟

فمجلس الأمن ليس مكانا يلجأ إليه المظلومون لاسترجاع حقوقهم ، إنه المكان " المناسب " لفرض إراداتهم واحتلال دولنا وأراضينا ، والطمع بنهب خيراتنا ..

وليست " جامعة الدول العربية " بأقل عجزا من مجلس الأمن ..

أليس الذين أسّسوا مجلس الأمن ، هم مَن أسّسوا الجامعة العربية ؟؟!!

وكما مارست أمريكا " بوش " الترغيب والترهيب على أعضاء مجلس الأمن ، لدفعهم للموافقة على مشروع قرار يجيز لهم استخدام القوة العسكرية ضد العراق ، مارست " دول الاعتدال العربية " نفس الدور على " أعضاء الجامعة العربية " لتقوم الجامعة بتغطية المؤامرة الصهيونية الأمريكية التي تستهدف الشعب العربي الفلسطيني وحقوقه المشروعة ..

فأصدرت قرارا تدعم فيه السلطة " الفلسطينية العباسية " في مفاوضاتها المباشرة مع الصهاينة ، والتي صار شأنهم فيها ، شأن الرئيس الأرتيري ، وكل العملاء ..

وربما يكون ذاك قد فعل ما فعله العميلان " ابن علي ومبارك " ، حيث انتفخا وَرَمًا بالمليارات ، وبقي الشعبان في حالةٍ اقتصاديةٍ يُرثى لها ..

وهذه هي مقاصد السياسة الصهيونية مع عملائها ..

لكن الصهاينة لو توقعوا في يوم من الأيام أن يحصل في مصر وتونس وليبيا ما حصل ، لما راهنوا على الجلادين إلى هذا الحد ..

لأن مراهنتهم على الأحصنة الخاسرة ، جعلت أزمات الشعب تتفاقم حتى وصلت إلى حد الانفجار الذي لم يبق ولم يذر ..

الأحد ـ 27/02/2011