الاثنين، 21 فبراير 2011

نبليات ـ حكايا حمدو ـ 6

نبليات ـ حكايا حمدو ـ 6

كان يحمل القرطل في ذراعه اليسرى ، مد يمناه إلى جوفه ، تحسس العجورات ، وعدّها ، ثم استخرج أكثرها ذبولا ، مسحها بطرف " سكويته " وقضم العقب وبصقه جانبا ، ثم جسّها بطرف لسانه ، تقزز .. كانت مرّة الطعم ، لعنَها وضرَبَ بها الأرض ، وبصق مرارتها فوقها ..

وحين ظفر بعجورة غير مرة الطعم ، كان قد وصل إلى بيتها ، فقضم نصفها سؤيعا ، ولاكه بين أسنانه النخرة ..

عبَرَ البابَ الخارجي بلا استئذان ، فالممر ، حتى وصل إلى ظل شجرة التوت الكبيرة في باحة الدار .. أنزل القرطل من ذراعه ، واقترب من الجب .. نتح دلوا من مائه البارد ، غسل يديه ووجهه ، ثم مسح كتفي سكويته وصدريها ، قبل أن تنتبه " شعبو " لوجوده في ساحة دارها ، وكانت فوق السّلـّم تنفض الغبار عن زنار من الرفوف الخشبية المحيطة بجدران الغرفة ، فصاحت به من العتمة التي وراء حديد الشباك :

" ريتا سم وهريا في معلاءك يو حمدو .. ليش انضربت عا قلبك ودخلت لهون ؟ اش بدك " ؟؟

لم يتحرك حمدو حتى جفف الماء عن وجهه بحطاطة كانت بيضاء متسخة منذ زمن ، فزادها البلل اتساخا واحمرارا ، ثم التفت مضيِّقا عينيْه الصغيرتين المريضتين برمدٍ أزلي مزمن ، باحثا عن مصدر الصوت .. لكنهما لم تستطيعا التسلل لما وراء حديد الشباك الذي تقف شعبو وراءه ..

فاستسلم ، وجلس مستندا إلى جذع التوتة ، بعدما التقط حباتٍ منها ..

لم تكن شعبو تعرف شيئا عن سرِّ هذه الزيارة المفاجئة .. فخمّنت أن يكون حاملا إليها بعض الأغراض التي اعتاد أخوها أن يرسلها إليها معه .. لكنها استغربت جلوسه ، وأدركت أن شيئا ما وراء هذه " الحركات " غير المألوفة ، وهي الأرملة التي تعيش مع ابنتها الوحيدة ، لاسيما بعد أن بدا لها القرطل فارغا متأرجحا ، تهزه هبات هوائية لاهبة ..

صاحت به : " أوم انئلع برَّا .. ليش إيعد " ؟؟

لم يتحرك ، كأنه لم يسمع ، ولم يكترث لصياحها ، لكنه استطاع أن يراها هذه المرة وراء حديد الشباك بعد أن حدّق مليًّا ، فقال بقوة وبسرعة وبلا تردد ، كأنه ينطق شهادة سَكـَراتِ الموت : شعبو .. بتتجوزيني ؟؟

كان ذلك السؤال آخر ما تتوقع " شعبو " سماعه من رجل " مسخّم معدَم " كهذا ، وهي التي لم يسلم الرجال الحقيقيون من لسانها وتهكمها ، فلا توفر مناسبة دون أن تعلق عليها ، ولا يمر أمام عينيها مشهد دون أن تقلده ، ولا تسمع حديثا إلا وترويه بدقائقه وتفاصيله ولو بعد حين ..

تمتلك ذاكرة وقادة ، وقدرة تمثيلية وتعبيرية هائلة ، ولا ينقصها الوعي ولا النضج ولا سرعة البديهة ولا حضور النكتة ، رغم بساطتها التي تصل ـ أحيانا ـ إلى درجة السذاجة ، وهي الأمّية التي ما عرفت شكل أي حرف من حروف الهجاء ، ولا كيفية فكـّه أو تركيبه ، ولا ميّزت يوما بين الألِف والعصا ـ كما يقال ـ ..

ولأنها كانت تصغي جيدا لأخيها الأكبر حين يقرأ في البيت قصص الزير سالم ، وألف ليلة وليلة ، وتغريبة أبي زيد الهلالي ، وغيرها من القصص الشعبي الذي كان سائدا في ثلاثينيات القرن العشرين ، فقد حفظتها كلها ، وحفظت سيناريوهاتها ، وكثيرًا من أشعارها وحواراتها وأحداثها ومداليلها وعبرها .. فكانت تتندّر بتلك القصص وتسترسل بترديد أشعارها .. وقد تستحضر بعض المقاطع أحيانا للاستشهاد بها في موقفٍ ما إذا لزم الأمر ..

هذه شعبو ، وهذا حمدو الذي جاء يطلبها مباشرة للزواج ..

وحين سمع صوتها العالي يزجره ، ويطرده ، تـَلـَمْلـَمَ ، ونهض مستعينا بجذع التوتة ..

دكّ ذراعه اليسرى يحمل السلة ، ونفض قفاه بيمناه .. وقبل أن يخطو باتجاه الممر ، قال كمن يريد أن ينتقم لنفسه : سوف تندمين .. سوف تندمين ..

فتبعه صوت شعبو الغاضب المستهزئ :

" يندمك عمى يعميلك هالعينين أكتر ما هني معميات .. انئلع ولا بئيت تورّيني طولك هون أبدا .. بدك جازي ومجوزة ما تخليلك ولا عضمي ساغ .. اشباع اللئمي أنت بعدين دوِّر ع كلبة تنئبر معك .. كلابين ياخدك ع الموت هلأ أبل بكرا ..

والله لأكسّر إجليك ان بئيت دست هون يا بيس ولك ..

ولم تستطع أن تصيبه " بفردة المشاي " التي قذفتها عليه ، كما قذف " الزيدي " فردتي حذائه في وجه بوش ..

الإثنين ـ 21/02/2011

الأحد، 20 فبراير 2011

نبليات ـ حكايا حمدو ـ 5

نبليات ـ حكايا حمدو ـ 5

قرر حمدو أن يصطحب معه زوجته كحلا ، في زيارة خارج حدود " الدولة كلها " ، يرافق فيها بعض رجالات الصف الأول من الضيعة ، ليقوم على خدمتهم وتسليتهم ..

وكان لابد من إجراءات كثيرة تسبق يوم السفر ، الذي سيكون نقطة فارقة في حياة حمدو وكحلا ..

فهو لم يفارق الضيعة إلا لضرورات قصوى ، كان أهمها يوم اصطحب كحلا لزيارة حلب تلبية لإلحاحها القاتل ..

أما كحلا ، فكانت تلك " زيارتها الثانية بعد مشوارها السابق إلى حلب ".. كما سبق لها أن خرجت من الضيعة ، إلى سراي اعزاز يوم توجّب عليها تسجيل زواجها من حمدو ..

لكن السفر الآن ، إلى خارج البلاد .. إلى عالم آخر ، لم يكن حمدو نفسه يحلم به .. فكيف الأمر بكحلا ؟؟!!

ثم ، إنه سفر بعيد ، ومضن ، وسيمتد أكثر من شهر ، فلمن ستترك كحلا دجاجاتها " المسكينات " التي لا تملك غيرها من هذه الدنيا الفانية ؟؟

سألتْ حمدو ، فنهرها غاضبا من إشغاله بهذه " الصغائر " ، في وقت يحتاج منه إلى رويَّةٍ وتفكر وتدبير ..

فلجأت لأختها ، وطلبت منها ـ وهي تغصُّ وتشرَق بدمعها ـ أن تهتمَّ بالدجاجات ، وتحميها من " الثعالب والسرقة " ، وأنها لن تنسى لها صنيعها ، وستكافئها عليه بعد عودتها سالمة غانمة من هذا السفر البعيد ..

ولكي يستحصل حمدو وكحلا على جوازي سفر ، اصطحبها إلى حلب ، ليصوِّرها ..

جلست أمام كاميرا المصور ، الذي اتخذ استعداداته لالتقاط الصورة ، وفي اللحظة الفاصلة ، نهق حمار من خلفها ، فأجفلها ، وأجبرها أن تنهض مذعورة ، ركض حمدو لإعادتها ، وتقدّم المصور محاولا بيديه ، تعديل جلستها ورأسها ليواجه العدسة ، فذعرت ثانية قبل أن تهدأ من سابقتها ، وضربت له يديه بقوة وأبعدتهما عن رأسها ، وهي تصرخ به كأنه ارتكب فظيعة ما فوقها فظيعة ، وبدأت السباب والشتائم تتقافز من فمها مع كومة من الرذاذ اللزج ، وهجمت عليه تكاد تفترسه ، لولا أن حال بينهما حمدو ، لكنه ـ وتحت قوة كتلتها الجسدية الضخمة التي هاجمته بها ـ التصق بالجدار خلفه ، فقرقعت عظامه كأنها فخار يتحطم ..

وهنا ، نسيت كحلا المصور الذي فرَّ هاربا مستجيرا ، بجسده النحيل ، ولم يعبأ بسقوط قبعته المميزة ، فصبّت غضبها كله على حمدو ، وهي تصرخ به :

" يا كلب يا ابن الكلب ، أنت متفق معو عليّ ، يا صفتك يا نعتك " يا ... يا ... يا ....

" شلون بمِد إيدو ع راسي وبتجي بتحيميلو بدال ما تاكلو بلا ملح يا واطي يا ندل ؟؟!! لو ما كنت أندل منو ما بتحيميلو " ..

تجمّع بعض المارة ، وانفضوا غير عابئين ، وجلس حمدو على كرسي التصوير واضعا رأسه بين كفيه :

كيف السبيل إلى تهدئتها ؟؟

فلا بد من الصورة للحصول على جواز سفر ..

لم يمر سوى دقائق قليلة ، كانت كحلا قد ألقت بجسدها فوق الأرض ، مستندة إلى الجدار ، متهدجة الأنفاس ، وقد تصببت عرقا ، وتهدّج صوتها حتى صار بالكاد يسمع حمدو سبابها وتمتماتها التي لم تتوقف ..

كان حمدو يزفر أنفاسا متلاحقة متهدجة ، ويحوقل ويستعيذ بالله ، عندما جاء رجل وامرأة يسألان عن المصور ..

نهض حمدو متلفتا وباحثا عنه .. فوجده في الصيدلية القريبة .. اعتذر منه لما تسببت به زوجته المسكينة الجاهلة " اللي ما بتفهم شي " ، وهي لا تقصد إهانته أو الإساءة إليه ، ثم قال له :

" في رجال ومَرَة عميسألوا عنك .. دخيلك خلصنا من هالشغلي ،وبترجاك تحرّك راس المَرَة قدام كحلا ، بلكي بتقتنع بأني غير مذنب على الأقل " ..

عاد المصور مرتعدا ، حذرا ، ومتجاهلا كل ما جرى ..

وحين جلست المرأة على كرسي التصوير ، بالغ المصور قليلا في تحريك رأسها ، وكحلا تنظر ، وتنفخ أنفاسا أهدأ من ذي قبل ..

كان حمدو يراقب ذلك جيدا ، وقد أيقن أن الخطة نجحت ..

استكانت بعدئذ كحلا ، وقبلت أن تجلس أمام الكاميرا من جديد .. لكن المصور آثر السلامة ، وبدأ يحركها بالكلام والإشارة ، من بعيد ، حتى التقط الصورة ، وانتحى جانبا يظهّرها بوعاء مليء بمحلول خاص ..

المهم .. استلم حمدو الصور المائية الباهتة ، وتمتم : " تفو ع الصور وع اللي بقا يعيدا " ..

في الصباح الباكر من يوم السفر ، ساعد حمدو معاون البوسطة في تحميل الأغراض على ظهرها ، وجلست كحلا وحيدة في كرسي مزدوج لا يتسع لغيرها ، وسط مشهد وداعي مؤثر ..

وفي وقت متأخر من الليل ، وصلوا مركز الحدود البرية ، سلم حمدو للمعاون ، الجوازات التي جمعها من المسافرين ، ونزل الركاب يبحثون عن دورة مياه ، وأمكنة يريحّون فيها أبدانهم بالاستلقاء ، بعد يوم طويل من المخاض الذي أنهكهم طيلة أكثر من خمس مئة كيلو متر ، في مثل هذه البوسطة التي تفتقد لكل أسباب الراحة والأمان ..

لكن الجود من الموجود ..

كان ثمة عدد من الغرف المتواضعة شكلا وأثاثا ، دفع المقتدرون أجرا باهظا ليقضوا فيها بقية ليلتهم ، أما حمدو ، فقد اصطحب كحلا خارج سور السلك المعدني المحيط بالغرف ، واستلقى وهو يقول لها : انقبري هون ..

احتجت : " ليش ما منام جوّا ؟؟ مو أحسن من هالنومة المبهدلة " ؟؟

أجابها وهو يزفر : " بعرف جوّا أحسن .. بس جوّا التيل المانع بفلوس وهون ببلاش .. وين الفلوس ؟؟ معك " ؟؟!!

ارتمت مستلقية قربه ، وهي تسب وتلعن " هالعيشة وهالسفرة مع هالأندبوري المفلس " ..

ومع خيوط الصباح الأولى ، كانوا ينادون عليه للمثول أمام موظف الجوازات .. لكز كحلا ، وطلب منها أن تتجهز هي أيضا للمثول معه ، وقال :

" اش ما قالولك قولي : إي .. وإن قالولك اسمك كحلا فحلا نحلا بحلا محلا ، قولي : إي .. لا تقولي هادا ما هو اسمي .. اصحي منيح واعرفي اش تحكي أحسن ما يرجعوك " ..

نهضت كحلا تنفض ثيابها وتسوي غطاء رأسها ، ومشت خلفه ، تتمايل على ساقين منهكتين مثقلتين بما تحملان من كتل لحمية لدنة رجراجة ..

وقفا أمام الموظف أغبريْن متعفرّيْن ، كأنهما خارجان من تحت حطام زلزال مدمر ، نظر إليهما الموظف باشمئزاز ، وسألها وهو يتفرس وجهها وصورتها في الجواز :

أنت نحلا ؟؟

انتفضت كحلا ، وصرخت بوجهه : كحلا .. كحلا .. أنا كحلا .. ضيربك العمى ؟؟ ما بتعرفني ؟؟

أسرع حمدو والحاضرون ، يرجون " جناب الموظف " ألا يرد عليها سوء كلامها :

" مشان ألله يا طويل العمر ، لا تواخزنا ..هَيْ مرَة كبيري وما بتعرف غير هيك ... وهَيْ أول مرّة بتطلع من بيتا .. الله يوفقك امسحا بدقنا ولا تنزعج منا .. مشينا ع خير الله يخليلك ولادك " ..

غضب الموظف ، وأرغى وأزبد ، وأقسم ألا يختم جوازها ، وأن تعود إلى قبرها الذي جاءت منه ..

وحاول الحاضرون ثنيه ، لكن جهودهم وتوسلاتهم ودعاءهم له ، باءت بالفشل ..

انتصف النهار وهم يحاولون معه ومع غيره من زملائه لعلهم يقنعونه .. لكن بلا فائدة ..

فاسمها في الجواز مكتوب " نحلا " وهي تقول : إنها " كحلا " .. ولا سبيل لها إلا العودة ..

جلس حمدو يندب حظه العاثر برفقتها وبعيشته " السودا " معها .. ماذا سيفعل الآن ؟؟

لا يمكن أن يتركها هنا ويتابع مشواره ، ولا أمل بأن تكمل طريقها معهم .. فليس سوى أن يعودا معا ..

بكت كحلا .. وشاحت وناحت ، واستجارت .. لكن " مابتعرف أنو قلوبن حجر " ..

وبعد يومين حين وصلا إلى ساحة تحت الجامع ، التف الناس حولهما يستفسرون عن " المصيبة الكبيرة التي أودت بحياة الجميع ، ولم ينج منها إلا حمدو وكحلا " ..

ولم يهدأ نحيب الناس إلا بعد أن روى لهم حمدو " حكاية كحلا ونحلا " ..

الأحد ـ 20/02/2011

السبت، 19 فبراير 2011

فيتو .. فيتو .. فيتو

فيتو .. فيتو .. فيتو

آخر ما طالعتنا به سياسة الولايات المتحدة الأمريكية ، استخدامها " الفيتو " ضد مشروع قرار عربي يدين ، فقط يدين " استمرار الصهاينة بسياسة إقامة المستوطنات في الأراضي العربية المحتلة ، خلافا لاتفاقياتهم مع الفلسطينيين ، وخلافا لكل ما اتفق عليه في المباحثات التي دارت رحاها منذ اتفاقيات " أوسلو " الشهيرة ..

من أين ، ومتى بدأت حكاية " الفيتو الأمريكي " ضد الحقوق العالمية والعربية ، لصالح الصهاينة ؟؟

إبان الحرب العالمية الثانية ، أنشئت منظمة عصبة الأمم ، ثم تحولت إلى هيئة الأمم المتحدة ، التي كرست الولايات المتحدة الأمريكية منتصرا أكبر في العالم ، وتمت سيطرة الدول العظمى على القرار الأممي العالمي ، من خلال استحواذها على ما يسمى " الفيتو ـ حق النقض " ..

وكانت الدول التي تمتاز بهذا الحق ، هي الأربع الدائمة العضوية في مجلس الأمن ، وهي : أمريكا ، وبريطانيا ، وفرنسا ، والاتحاد السوفييتي السابق " روسيا اليوم " ..

لكن ، وبعد الزيارة الشهيرة للرئيس الأمريكي الأسبق " نيكسون " للصين الشعبية عام 1972 ، صارت عضويتها في مجلس الأمن دائمة " مثل هؤلاء " ، وصارت الدولة الخامسة التي تتمتع بهذا " الحق ـ السيف المسلط " ..

ورغم حدوث تغييرات هائلة في العالم ، وخرائطه السياسية والجغرافية والديمغرافية ، منذ سقوط جدار برلين ، لإلا أنه لم يتغير شيء في تلك الحقوق الجائرة ، ولم تدخل أي دولة أخرى نادي " الدول العظمى الدائمة العضوية " في مجلس الأمن ، كونه مسلوب الإرادة لصالح أمريكا ، التي تتحكم به شر تحكم ..

وكان آخر أكبر تلك الجرائم ، ذلك التلاعب الأمريكي والكذب ، الذي مارسه في مجلس الأمن " كولن باول " وزير خارجيتها ، لاستصدار قرار غزو العراق واجتياحه ، تحت كذبة " حيازته أسلحة دمار شامل " تهدد " بإفناء بريطانيا " خلال 45 دقيقة ، على حد مزاعم رئيس وزرائها آنذاك ، في تواطئه مع " بوش " ..

وفي سنوات السبعينيات من القرن الماضي ، كنا نعتقد أن أمريكا هي أكثر الدول العظمى استخداما لهذا " الحق " ، فتبين أن الاتحاد السوفييتي السابق ، هو الذي كان له " شرف " السبق والريادة في استخدامه ..

وعقب تلك الحرب ، بدأ نجم الإمبراطورية البريطانية العظمى ، يأفل ويتلاشى رويدا رويدا ، لصالح الولايات المتحدة الأمريكية ، بعد أن " أدت واجبها " تجاه الحركة الصهيونية ، بتكريسها قرار تقسيم فلسطين ، وإنشاء الكيان العنصري العدواني الاستيطاني الصهيوني على الأراضي العربية الفلسطينية ، فوجد الصهاينة أن بريطانيا قدمت كل ما بوسعها في سبيلهم ، وباتت خالية الوفاض ، وشبه عاجزة عن نصرتها في " تطلعاتها واعتداءاتها التوسعية " ، فأعادوا برمجة مصالحهم من جديد ، ليجدوها في أحضان أمريكا كقوة عظمى منتصرة ، لم تتأثر أراضيها ولم تتدمر كما حصل في الحرب الكونية الثانية مع بقية الدول العظمى " بريطانيا وفرنسا والاتحاد السوفييتي " .. فتحولت الحركة الصهيونية لتتغلغل في مفاصل السياسة الخارجية والاقتصادية لأمريكا ، لابتزازها دعما لا محدودا ، وتأييدا دائما في كل حروبها الإجرامية ضد الدول العربية المحيطة ..

وربما ، ومنذ ذلك الوقت ، لم يستطع مجلس الأمن الدولي اتخاذ أي قرار حاسم بإدانة الكيان الصهيوني وملزم التنفيذ ، كأن يكون تحت البند السابع مثلا ، على غرار القرارات الخاصة بالعراق ، أو بالمحكمة الدولية في لبنان ..

وكان صدور القرار 242 ، بصياغته البريطانية " الإشكالية الملغومة " ، ما يزال يثير نزاعا حول تطبيقه ، فيما يخص الانسحاب الصهيوني من " أراض " عربية ، أم من " الأراضي العربية " ..

وقد ارتكب الصهاينة عشرات المجازر بحق الشعب العربي الفلسطيني ، والشعوب العربية المحيطة بفلسطين ، وصولا إلى تونس ودبي ومالطا وفرنسا وألمانيا وغيرها ، ورغم كثير من الاعتداءات التي شنها الصهاينة على البلدان العربية ، والحروب التي شنوها في أعوام :

1967 على سوريا ومصر والأردن ..

و1978و1982 على لبنان واحتلالهم مدينة بيروت ..

و2006 على لبنان مرة أخرى ، مع آلاف الانتهاكات الجوية اليومية ، والخروقات الحدودية ..

و2008 على غزة .. حربا وحصارا قاتلا ..

مرورا بعدوانها على سفن أسطول الحرية ، الحامل للمساعدات الإنسانية لمحَاصَري غزة ، وعدم إدانة ذلك العدوان السافر الذي روّع وقتل المتضامنين المدنيين ، فمارس الصهاينة " قرصنة الدولة " في عرض مياه البحر الدولية ..

إلا أنه لم يصدر إي قرار أممي ، بإدانة ذلك العدوان القرصني ، أو تلك المجازر أو الاعتداءات أو الحروب التوسعية العدوانية ، وذلك بسبب معارضة أمريكا ، أو استخدامها " الفيتو " ضد صدوره ، كونها متعهدة الحماية الدولية للصهاينة ..

وإن كانت حرب تشرين ـ أوكتوبر 1973 قد شنها العرب ، فلأن أراضيهم محتلة بعد عدوان الصهاينة عليهم عام 1967 ، ومع ذلك ، استطاعت أمريكا أن تلتف على نتائج حرب " التحريك الساداتية " ، من خلال سياسة مفاوضات " الخطوة ـ خطوة " التي ابتدعها الصهيوني " كيسنجر " وزير الخارجية الأمريكي الأسبق ، ونفذها مع السادات وبيغن ، باتفاقيات كامب ديفيد التي ما يزال الشعب المصري والعربي يعانيان من نتائجها إلى اليوم ، رغم الثورة المصرية وإفرازاتها ، إلا أن قيادة الجيش التي تسلمت الحكم من " الفرعون المخلوع " أعلنت التزامها بهذه الاتفاقية المذلة ، وبغيرها من الاتفاقيات المعقودة مع الصهاينة في ظلها ، ولاسيما ، اتفاقية بيع الغاز المصري للكيان الصهيوني بأسعار " رمزية " ، " تأييدا ودعما " لعدوانيتهم ضد العرب والفلسطينيين ..

وفي كل مرة ، كان يُقدَّم مشروع قرار لمجلس الأمن ، لإدانة الصهاينة عقب قيامهم بالمجازر أو الاعتداءات أو الحروب ، كانت تتصدى له الولايات المتحدة الأمريكية " بالفيتو العظيم " ، فيسقط ـ رغما عن إرادة بقية دول العالم ، والعظمى منها بشكل خاص ـ مشروعُ القرار ، ولا يتبقى للدول العربية ومشروعات قراراتها ، سوى وضع الملح على الجرح ، واللجوء إلى الجمعية العامة المهيضة ، التي ليس لقراراتها سلطة التنفيذ ، وقوته ..

فهذه القرارات تكتب بالحبر " السري " على ورق وهمي ..

ولم يحدث أن نفذت الدولة العنصرية الصهيونية أي قرار ، لا للجمعية العامة ، ولا لمجلس الأمن ..

بل ، كانت تزداد صلفا وعنجهية وعدوانا ، بعد كل مشروع قرار ، يقدمه العرب أو غيرهم ، للمجلس المذكور ..

وربما سينبري " هنا " من يزعم أن الصهاينة نفذوا القرار 425 الخاص بانسحاب القوات الصهيونية من جنوب لبنان ، لكن تلك كذبة كبرى وخديعة مضللة ، أراد الصهاينة منها أن يتستروا ، بجبنهم وخوفهم ، خلفها لإعلان انسحابهم من لبنان ، بفعل ضربات وقوة المقاومة الوطنية اللبنانية وصمودها ، على مدى قرابة عشرين عاما من الاحتلال ..

فانسحبوا مدحورين مهزومين منكسرين مخذولين ..

إلا أن صلفهم وغرورهم الأجوف ، يأبيان عليهم أن يعترفوا بالهزيمة النكراء لجيشهم ..

لكن هزيمتهم في حربهم على لبنان عام 2006 ، تؤكد هزيمتهم واندحارهم للمرة الثانية ، وتؤكد أنهم لم ينسحبوا عام 2000 من الجنوب اللبناني تنفيذا للقرار الأممي المذكور .. إنما أجبروا على الانسحاب والهزيمة ..

ولو كان حقا ما يدعونه ويزعمونه ، لوجب عليهم تنفيذ جميع قرارات الشرعية الدولية الأخرى ، التي تخص :

عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم وتعويضهم ، والانسحاب من الجولان المحتل والضفة الغربية ، والسماح بقيام الدولة الفلسطينية المستقلة القابلة للحياة على الأراضي العربية الفلسطينية وعاصمتها القدس العربية ، وعدم استخدامهم القوة العسكرية في ارتكاب المجازر واحتلال أراضي الغير بها ..

وكل تلك ، قد صدرت فيها قرارات متتابعة من مجلس الأمن ، وكان يجب أن يكفل المجتمع الدولي ، وذراعه العسكرية ، تنفيذها بالقوة ..

إلا أن من كانت أمريكا تقف وراءه ، داعمة له ، يستسخف تلك القرارات ، ويضرب بها عرض الحائط ..

إن استخدام الولايات المتحدة الأمريكية ، بجلالة قدرها وعظمتها ، " حقها غير المشروع في نقض " مشروع قرار يدين استمرار الصهاينة باستمرار سياستهم الاستيطانية ، إنما يشكل إصرارا على سياستها المنحازة كليا للصهاينة ..

وهو أمر ليس جديدا ، ولا مجهولا من قبل القيادات العربية والفلسطينية ..

ولا أعرف سببا وجيها يجعل القيادة الفلسطينية " العباسية " ملتزمة بهكذا " وسيط منحاز ومتمسك " بالباطل الصهيوني ، ضد الحق العربي ، وضد الحق الفلسطيني وخياراته المشروعة ..

بينما تنازلت تلك القيادة عن كل أوراق القوة التي كانت تمتلكها ، وتنازلت عن أهم وأقوى خياراتها التي يمكن أن تقودها لتحقيق أهدافها .. إنها المقاومة .. والمقاومة .. والمقاومة .. فتبا لهكذا قيادة ..

السبت ـ 19/02/2011

الأربعاء، 16 فبراير 2011

بين التحريض وشرف المهنة

بين التحريض وشرف المهنة

يقال : لكل امرئ من اسمه نصيب ..

ويقال : كل إناء بما فيه ينضح ..

ومن المؤسف المخزي ، أن تكون كلمة " العربية " اسما ، ليس لمسمّاها منه ، أي نصيب ..

إن هذا المسمى " فضائية العربية " إناء صدئ ، مليء بالحقد والتعصب ، وينضح مما في أعماقه ، وينفث سموما قاتلة ، لكنها تتميز بأنها غير مغلفة بالعسل ولا بالسمن ولا بأي شيء آخر ، إنها نقيع من السم الخالص الذي جعل الشعب العربي السوري يسميها باسم تستحقه تماما ، وعن جدارة .. فهي بالنسبة لهم " الفضائية العبرية " ، ولو استبدلت اسمها بهذا ، لما كان من حقنا أن ننتقدها ، أو نوجه اللوم لها مهما تطرفت ، لأنها ستعامل ـ حينها ـ معاملة الإعلام المعادي .. وذلك شأن العداوة الدائم ..

أما مع اسمها الحالي ، فالأمر لا يستقيم أبدا .. وقد صار ينطبق عليها قول أشقائنا المصريين : " اللي اختشوا ماتوا " ..

واللافت : كيف ؟ ومن أين ؟ ولماذا كل هذا الحقد الذي لا ينال الآخرون ـ كل الآخرين ـ جزءا يسيرا ، بسيطا منه ؟؟!! فلو قسمنا ـ فرضا ـ ذلك الحقد حسب توزيعه من قبل أصحابه ، لوجدنا أن 95% منه يخصّون به سوريا وحلفاءها ، والبقية الباقية ، تتوزع على شرور العالم كله ، بكل ما فيه ، من أعداء وحروب وانتهاكات وأخطار وظلم واضطهاد ...

فهل حقا هي الأمور كذلك كما ترينا إياها هذه القناة " الموضوعية ، المهنية ، الناطقة بالعربية " ؟؟!!

من هنا ، سأمضي لتوصيف حالة خارجة عن السياق الخاص السابق ، لكنها ليست بعيدة عنه ..

فلقد دأبت قناة " العربية " الفضائية ، على اتخاذ موقف سلبي أقرب إلى العداوة والتشفي والتصيد من سورية كلها ..

فلا يعجبها منها العجب ، ولا الصيام في رجب .. ولو أشعلت أصابعها العشر .. ضاربة عرض الحائط بالمبدأ المهني الأهم في الإعلام ، حين لا يريد الإعلام أن يكون طرفا ، أو ، يريد أن ينأى بنفسه عن التزام وجهة نظر مسبقة محددة ، تخدم مشروعا سياسيا معينا ..

وإذا كانت قناة العربية تسمى في سوريا " بالعبرية " ، فإنها تستحق هذا الاسمَ وخصوصياته اللصيقة بفكرها ومهاتراتها وادعاءاتها وتحريضها الدائم ، على كل توجُّهٍ وطني أو قومي ، ولاسيما إذا كان معاديا للصهاينة وللمشروع الأمريكي المهزوم المتداعي في المنطقة ..

وقد باتت " العربية " على يمين قنوات العدو ، والقنوات الأمريكية التي ولدت بعد احتلالهم العراق ، في تبنيها للأفكار الشاذة عن قضايانا الوطنية ، جهرا ، وفي الترويج للأفكار التي تنال من تلك القضايا ، وتنحاز بشكل سافر وواضح للأعداء دوما ..

(( " ربما أستطيع أن أستثني من ذلك ، تغطيتها لثورة مصر ، وهذه تحسب لها ، لا غير " ..

" وهنا ، ربما ينبلق عليّ أحد الموظفين المعلقين الدائمين ، ليقول : إنني أناقض نفسي بنفسي .. وكأنه لا يريد أن نعترف للقناة المذكورة بأي فضيلة على الإطلاق " )) .. لا بأس ..

أما الأمثلة ، فكثيرة جدا ..

1 ـ فمنذ تأسيسها ، كانت " العربية " البوق الأمريكي الناعق في المنطقة ، الذي مهّد لغزو العراق وتدميره ، وبشّر " بالديمقراطية الأمريكية وبالأمن والسلم " اللذين " سينعم العراق " بها بعد إسقاط نظامه ..

وتصديقا على تلك المزاعم ، هذا هو العراق الآن يرفل ويتبختر بتلك " الديمقراطية الأخاذة ، ساحرة الألباب " ..

2 ـ وانحازت " العربية الساحرة " إلى تيار 14/آذار في لبنان بعد مقتل الحريري ، وشنت على سورية حملة مسعورة شعواء ، متناغمة في ذلك مع الحملات الأمريكية الصهيونية ، التي اتهمت سوريا باغتيال الحريري .. " وتبين فيما بعد ـ بقدرة قادر أحد ـ أن سورية بريئة ، وأن المتهم حزب الله ..

3 ـ وحين شن الصهاينة عدوانهم على لبنان صيف 2006 ، لم تترك القناة " إياها " سترا مغطى على المقاومة وقيادتها ، لأنها " ورّطت لبنان ، وتصرفت لوحدها بقرار الحرب " ، حسبما كان التيار الأمريكي يروّج ويسوق لمشروع " الشرق الأوسخ الجديد " في المنطقة ..

4 ـ ولم تنس القناة أن تطنطن للموقفين السعودي والمصري في عدائهما لسوريا التي " قتلت الحريري " ، وللمقاومة " المغامِرة " ، وكانا الداعميْن الأكبريْن لشن العدوان الصهيوني على لبنان ، ماديا ومعنويا وسياسيا .. ضمن ما سمي وقتذاك " محور الاعتدال العربي " الذي لم يكن ـ أيضا ـ له من اسمه أي نصيب ..

وقد سقط هذا المحور نهائيا حتى قبل انتصار الثورة المصرية على " عرّابه الأكبر " ، مثلما أسقِط هو ومشروع " الشرق الأوسخ الجديد " الأمريكي النشأة ، الصهيوني العقيدة ..

والنتيجة ، أن العدوان الصهيوني على لبنان ، فشل رغم تآمر العالم كله على المقاومة اللبنانية ..

وشكـّل الصهاينة لجنة فينو غراد ، لا للتحقيق في جرائم الحرب التي ارتكبها جيش الصهاينة في عدوانه ثلاثة وثلاثين يوما ، إنما للتحقيق في أسباب فشلهم واندحارهم وهزيمتهم أمام حفنة مقاتلين ، وفشلت أمريكا في فرض إرادتها على لبنان ، وسقطت حكومة السنيورة ، والبقية ليست خافية على أحد ..

5 ـ ثم ، وحين تحولت بوصلة الاتهام عن سورية إلى المقاومة اللبنانية ، استدارت " العربية البهلوانية " معها ، بلا وجل ولا حياء .. ووجدتها فرصة أخرى ، سانحة لها ، لتنال من جديد من المقاومة اللبنانية ، متناسقة أيضا ، مع الإعلام العبري في الانتقام من المقاومة بتوجيه تهمة اغتيال الحريري لها ، والظهور بمظهر البريء الذي ليس له مصلحة في كل ذلك !! ..

وماذا كانت النتيجة ؟؟ سأترك الجواب للقارئ الكريم ..

6 ـ وشمتت في سورية ، وشنـَّعت بها وعليها ، حكومة ونظاما وشعبا ، حين اعتدت إسرائيل على ما زعمت أنه " مفاعل نووي " في دير الزور ، وصارت القناة تتصيد أخبارًا من هنا وهناك ، وتستمطر لجان التفتيش الدولية لتبحث عن " أسلحة كيماوية ودمار شامل " وكادت تقول لهم : تعالوا فتشوا ، وأنا أدلكم عليها ، ولفـَّق محرروها أخبارًا أخرى ، بهدف التحريض العالمي على سورية ، والتهويل من برامجها النووية " المزعومة " .. دون أن تلتفت ـ إلا على استحياء وخجل ماجن ـ إلى ما يمتلكه الصهاينة من ترسانة نووية عصيَّةٍ على التفتيش الدولي ، وعلى المنظمات الدولية الأخرى المعنية ..

وهو نفس الكلام الذي لا يصدر إلا من الإعلام العبري والأمريكي ومن يدور في فلكهما ..

7 ـ ولم يكن موقفها من عدوان الصهاينة على غزة عام 2008 أفضل من مواقفها السابقة كلها ، إنسانيا أو وطنيا أو قوميا ..

فكانت قناة " العربية " بأخبارها وتغطيتها المنحازة كليا للعدو ، تتمنى لو تنام وتستيقظ ، فلا ترى أثرا لغزة ، كما كان يتمنى " رابين " رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق قبل أن " يغتاله حزب الله وحماس " ..


8 ـ لم تتخذ قناة " العربية " قبل الآن ، موقفا سلبيا من نظام " مبارك " تحديدا ، رغم امتلاكها كل المعطيات التي بثتها عن النظام في الأيام السابقة على سقوطه واللاحقة أيضا .. وقد بدا مما بثته لاحقا ، أنها تمتلك كمّا هائلا من المعلومات ، وليس أقلها حجم ثروة الفرعون الساقط ، وجغرافية توزعها ونوعيتها ...

فالنظام السوري ، بزعمها ، كله " عورات " ، بينما هناك كثير من الأنظمة العربية الأخرى ، تعيش حياة التعري الكامل والعهر السياسي العميل ، لكنها تتستر عليها ولا ترى من عهرها وتعرّيها شيئا .. إلا بعد سقوطها أو إسقاطها ..

فكل البرامج والأخبار والتقارير والتحقيقات الإعلامية الصادرة عن قناة " العربية " ، والتي تتناول فيها الأوضاع السورية ، إنما هي ذات وجهة نظر واحدة وحيدة ، تتصف بالتشفي والعدائية والتحريضية والانتقامية ..

وهي تفتقد للموضوعية والنزاهة التي حافظت عليها قنوات إخبارية أخرى كسبت قلوب وعقول المشاهد العربي عموما ، فهي ليست صديقة ، لكنها ليست معادية ، وهي ليست مداهنة ، لكنها ليست متسترة أيضا ..

تلك هي مسؤولية الكلمة والصورة ، وتلك هي العناوين الأخلاقية والمهنية المشرِّفة للإعلام ورسالته الحقيقية ..

الأربعاء ـ 16/02/2011

الثلاثاء، 15 فبراير 2011

رسالة أمريكية غرامية ساخنة للمواطن العربي

رسالة أمريكية غرامية ساخنة للمواطن العربي

يجب عليك أن تعلم ، أيها المواطن العربي ، أن جميع مواقفنا تجاهك ، إنما هي فوق كل الشبهات والانتقادات والتعليقات والتلميحات والغمزات واللمزات و ...

وعليك أن تعلم ، أن تعاطيك مع كل تلك المواقف يجب أن يكون بلهجة " تعظيم سلام خذ " ..

فلا يحق لك أن تنتقدها ولا أن تقرأها ولا أن تكتبها ولا أن تكتب عنها ولا أن تنقلها ولا أن تنقل عنها ولا أن تتحدث عنها ولا أن تتحدث بها ولا أن تسمعها ولا أن تفهمها ولا أن تعيها ولا أن ... فقط ، عليك أن تنفذها ..

وعليك أيها المواطن العربي ، أن ترى الأشياء والألوان حسبما يلونونها لك ، وحسب الحالة الخاصة لكل زمان ومكان ..

واعلم : أن الألوان التي يستخدمونها لتلوين سياستهم تجاهك ، إنما هي ألوان مائية ، وهي بفضلهم وعنايتهم الفائقة ، وحرصهم الأكيد ، يسهل إزالتها وتغييرها ، حسب تغير مصالحهم منك ، أما الألوان التي يستخدمونها في تلوين سياستهم تجاه عدوك ..

فهي ألوان زيتية ثابتة وطويلة الأجل ، لا تؤثر فيها العوامل المناخية العالمية ولا تقلبات الفصول ولا الطقوس ، وهي ذات تلوين أوتوماتيكي ، مقاومة لحرارة الشعوب وغليانها ، بما يوافق موقفها الدائم والثابت في دعم عدوانهم عليك واتهامك بكل ما لذ وطاب من " تهمهم المباركة " ، والجاهزة .. ولأنهم ديمقراطيون ، فقد سمحوا لك أن تختار طريقة موتك ، وأن تنفذها كما تشاء ، وحسب التهمة المحببة لديك ، وهي محصورة بين ثلاث :

ـ تصنيع وحيازة أسلحة دمار شامل ..

ـ إرهاب الدولة ..

ـ الجرائم ضد الإنسانية ..

أيها المواطن العربي :

يجب عليك أن تتفهم ما يُسَوَّق لك من مفردات ومصطلحات دون أن تفكر فيها بعقلك المتحجر ، ثم أن تبتلعها دون أن تلوكها بأسنانك النخرة ، وأن تهضمها جيدا ، ولو كانت عصية الهضم حتى ، ثم عليك أن تتمثلها ذَوْبًا سَلِسًا يسري في عروقك بدل دمك النتن ..

فعليك أن تفهم جيدا ، أيها المواطن العربي ، وأن تعلم جيدا ، وأن تعلـِّمه لأولادك وأحفادك وللنطف في أرحام النساء ، أن الإرهاب هو ما يمارسه حزب الله ضد معارضيه في لبنان ، وأن العدوان هو الذي مارسه الحزب على " أصدقائنا " في تموز ـ يوليو عام 2006 ، هذا من جهة ..

ومن جهة أخرى ، فإن حركة حماس أكثر تفظيعا من حزب الله في مواقفها السياسية تجاهنا وتجاه رئيسهم الشرعي وأصدقائنا .. وقد حفرت أنفاقا لتهريب الخبز والطحين والدواء والهواء للإرهابيين الذين تصدوا لأحبتنا الميامين أثناء حرب 2008/2009 ..

وهم الذين زوّروا الانتخابات التشريعية ضد حلفائنا الفلسطينيين الآخرين ..

لذا ، عليك ، أيها المواطن العربي ، أن تسمِّيَ الأشياء بمسمياتها الواقعية ، فتلغي من قاموسك السياسي بعض المفردات والتعبيرات السخيفة الشائعة التي لا تعبر عن حقيقة المواقف السياسية ..

وإليك بعض الأمثلة على ذلك :

ـ فما تسمّيه أنت " مقاومة وطنية مشروعة " إنما هو الإرهاب بعينه الذي يفتك بالعالم ، ويروِّعه ، ويجعل العيش في " المستوطنات " غير آمن ولا مرغوب ..

ـ والدول المتحالفة معنا والصديقة لنا ، تسميها أنت : دول العمالة والتخاذل ..

كلا .. هذا ممنوع ، ولا يليق أبدا .. هي دول " محور الاعتدال " أوجدناها في مقابل دول " محور الشر " التي كان لها دور عظيم في مساعدتنا في حروبنا المظفرة ، وفي القضاء على المخربين والإرهابيين في أفغانستان والعراق ولبنان وغزة ..

وكذلك أيها المواطن العربي : فإنك يجب أن تنتبه لنفسك وأنت تتكلم عن " دول محور الشر " التي تخالفنا رأينا وسياساتنا في العالم ، فهي لا تصدق أننا نريد الخير والحرية والسلام للعالم ، رغم كل ما نفعله من أجل حماية العالم منها ..

فانظر ماذا فعلنا لردعهم وتدميرهم : زرعنا قواتنا وأسلحتنا وقواعدنا في كل مكان من الكرة الأرضية وفي الفضاء الخارجي ، لنتصدى لهم لو حاولوا التمرد علينا ولو بمقدار درجة واحدة على مقياس بوش ..

ثم إنك أيها المواطن العربي ، تتهمنا بأننا احتللنا العراق وأفغانستان ..

تبا لك من أحمق ناكر للجميل ..

إنها الحرب الاستباقية يا فهمان !!

نحن فعلنا ذلك من أجل البشرية جمعاء ، وحرصا عليها ..

فلقد ذهبنا إلى أفغانستان لننقذه من براثن أصحابه ، ونقتلهم ونبيدهم حتى يتحرروا من فقرهم وجوعهم ..

ولا تزعم أيها الفهمان ، أننا احتللنا العراق ودمرناه من أجل ثرواته التي لا طمع لنا بها أبدا أبدا ، ولا لنقتل الآلاف من علمائه ومفكريه ، ولا لنزرع أرضه الواسعة المعطاءة بالسجون والمعتقلات أو للتمثيل والتشنيع بهؤلاء المجرمين ، ولا لنُسَوِّرَ العراق بالقواعد العسكرية التي ستحميه من خطر جميع إخوته وجيرانه ، ولا لأننا نريد أن ندمر العراق لمصلحة أصدقائنا الإسرائيليين ونيابة عنهم ، ولا من أجل أن نفرض مشروع الشرق الأوسط الجديد ، ولا لنضغط على سوريا وإيران أو نهددهما بالخراب والتدمير الذي أنجزناه في العراق .. كل ذلك هرطقة في هرطقة ..

لقد جئنا لنحرركم ، ولنخلصكم من أسلحة الدمار الشامل التي كادت تدمركم وتبيدكم قبل أن تصل إلينا ..

انتهينا من هذه أيها المواطن العربي ..

والآن ، قل لي : كيف لا تريد أن تفهم أن أصدقاءنا الإسرائيليين نفذوا كل حروبهم ضدكم " دفاعا عن النفس " ؟؟!!

وأنت تعلم أن الدفاع عن النفس حق مشروع كفلته المواثيق الدولية وإعلان حقوق الإنسان العالمي ..

وعليه ، يجب أن تعرف جيدا ، وتتأكد من أن حرب 2006 على لبنان كانت دفاعا مشروعا عن النفس ..

وإذا لم تصدقني ـ أيها المواطن العربي ـ اسأل رئيس أكبر دولة عربية .. هل يمكن أن يكذب عليك أيضا ؟؟!!

هو يعرف الحقيقة تماما ، وهو الذي أصرّ وطلب من أصدقائنا المشترَكين " بني عمكم " أن يدافعوا عن أنفسهم أمام أولئك الإرهابيين في حزب الله وحماس ..

ثم عندما ثار شعبه ضده ، تمسك به أصدقاؤه ، وقاوم ، وقاومنا معه ، لكنه كان مضحكا جدا حين قال في خطابه الأخير : " إنه لا يقبل إملاءات من أحد " ، ومع ذلك ، تمسكنا به قدر ما نستطيع ..

لكن ، ـ ومع الأسف الشديد ـ كان الشعب المصري أقوى منا جميعا ، فاضطرنا أن نميل إليه على مضض ، كي لا نكون محرَجين أمام شعبنا ..

ويجب أن تعلم ، أننا كنا شديدي الدعم له طيلة سنوات حكمه الثلاثين ، وساندناه ووقفنا إلى جانبه ، كونه لم يقصر مع أصدقائنا في أي شيء يحتاجونه ، ولو على حساب لقمة عيش أهله وشعبه ..

لقد كان كريما محبا للجود والعطاء لأصدقائه ..

كما حاصَرَ الحمساويين وشعبهم الهمجي ، وشدد عليهم الخناق وهدم أنفاقهم فوق رؤوسهم كي لا يصل لهم لا غذاء ولا دواء ، حسبما وَعَدَنا ، وبالفعل ، فقد كان وفيا بكل وعوده ..

وظل ملتزما بمواثيقه معنا ، إلى درجة أن المجلس العسكري الأعلى بعده ، أعلن التزامه بها فور تسلمه زمام الأمور ، لأن في ذلك ضمان أمن وسلام العالم كله ، وأصدقائنا الإسرائيليين ضمنا ..

لقد خسرنا خسارة فادحة بتنحيته ، قد لا نستطيع تعويضها لأجل طويل .. لكن ، ما باليد حيلة ..

وانظر ـ أيها المواطن العربي ـ إلى بعض أبناء جلدتك ، الذين يعملون في مكاتبنا المنتشرة فوق أراضيكم ، وهم يجهدون ـ بإخلاص متناه ـ في تجميل صورتنا ، وتلميعها مما يعلق بها من شوائب تتطاير علينا من أفواه بعض الحمقى منكم ، بغية تشويه إنجازاتنا لكم ، فهم لا يقصرون في ملاحقة أنفاسكم وزفراتكم وكتاباتكم ، ليردوا عليكم كيدكم ، وتهريفكم بما لا تعرفون ، كما يلتزمون ـ بأمانة وشرف ـ في تسفيه أفكاركم المزعجة ، واتهاماتكم المغرضة والمشبوهة ، ولا يتوانون عن نشر تصريحاتنا وتسويقها لكم عبر الشبكة العنكبوتية ، كي تتعرفوا إلى الحقائق الجلية لسياساتنا ومواقفنا الإيجابية معكم ..

وفي الختام :

نحن نريد لكم الخير كل الخير ، من خلال دعمنا اللا محدود " للإسرائيليين " ، نمدهم بكل ما يلزم ليبقوا أسياد المنطقة بلا منازع ، ولتبقى ذراعهم الطويلة العسكرية قادرة على الوصول إلى أقصى رؤوسكم وأراضيكم ، لحمايتكم من أنفسكم ، كونكم لم تبلغوا سن الرشد بعد ..

فلا تخافوا ، ولا تفزعوا بعد اليوم .. لأننا نحميكم بمظلة نووية " إسرائيلية " قوية وفعالة وذات تصويب دقيق تجاه كل منشآتكم ومدنكم وقراكم ، لحمايتها جيدا ممن تسول له نفسه العبث بأمنكم وسلامكم واستقراركم وهنائكم ..

كونوا مطمئنين ، وآمنين .. أيها المواطنون العرب ، فأنتم بحماية أيدٍ أمينة جدا ، وقوية جدا .. وبريئة جدا جدا ..

ومن لا يصدقنا ، فلينظر إلى جليل أفعالنا في أفغانستان والعراق ، وإلى جليل أعمال أصدقائنا في لبنان وغزة والضفة ..

فكونوا عاقلين ، أيها المواطنون العرب ، واتعظوووووووووووووا ، يرحمكم الله ..

الثلاثاء ـ 15/02/2011

الأحد، 13 فبراير 2011

مروءة عشية الثورة المصرية

مروءة عشية الثورة المصرية

" ليس الآن هو وقت الشماتة أو التشفي أو الطعن في الظهر .. هذا غير وارد عندي أبدا .. وليس الآن وقت الحديث والتبجح عن المواقف والأحاديث والبطولات التي سيدّعي كثيرون أنهم فعلوها ، فكانت تمهيدا لسقوط النظام من جهة ، ولانتصار الثورة من جهة أخرى ..

هذا كلام غير منطقي أبدا ، وليس وقته ..

ولست في مقام توجيه المواعظ في وقت قدّم فيه شباب مصر نموذجا فريدا ..

فما انتهى ، صار من الماضي ، والآن هو وقت العمل والنظر إلى الأمام .. إلى المستقبل " ..

هذا المقطع ، هو ما جاء في ختام مقابلة متلفزة مع السيد محمد حسنين هيكل ، عشية انتصار ثورة الشعب المصري في 11/02/2011 ..

وهذا الموقف من هيكل ، هو موقف رجل نبيل ، وقامة سامقة ، كونه من أكثر الناس تضررا بشظايا النظام الذي كان قد انهار للتو ..

لكن هيكل بدا كبيرا جدا هذه المرة ، وهو الكبير دوما ..

فلم يتصيد حين سقط خصمه في شر أعماله ..

ولم يثأر لا لنفسه ولا لفكره ولا لماضيه ..

ولم يتشف بسقوطٍ حر لرجل طيار ، قـُذِفَ من طائرته في وقت عصيب ..

ولم يحرّض خصومه والمتضرّرين من نظامه ..

ولم يهاجم ، ولم يذم ، ولم يمدح ، ولم يطعن ، ولم ينتقم ، ولم يلم ، ولم يؤنب ..

ولم يدّع لنفسه دورا أو مساهمة لا من قريب ولا من بعيد ..

ورغم كل ما يمتلك من خبرة تؤهله لتوجيه نصح أو رأي ، إلا أنه رفض ذلك ، ولم يرتض أن يمارس دور " الحكيم الواعظ " ، الذي يتهافت عليه ويتمناه كثير من الأقزام ..

فقد نأى هيكل بنفسه عن كل ذلك ، بما يمتلكه من تواضع وحنكة ورجاحة عقل ، وبعد نظر ..

وهذا هو ، حقا ، ما نحتاجه دوما وأبدا ..

الأحد ـ 13/02/2011