الثلاثاء، 12 أبريل 2011

حلب اسطنبول صوفيا ـ 5 ـ

حلب اسطنبول صوفيا ـ 5 ـ

إذن ، هي ثلاث رحلات متتاليات خلال الأشهر الستة الأخيرة من عام 1991 .. لعل رحلتي هذه كانت الأكثر إثارة من السابقات واللاحقات .. وقد جاءت بعد مئة يوم تقريبا من الثانية ..

فبعد عودتي إلى حلب مهزوما ، جَبرَ خاطري صديقي وأستاذي الدكتور فؤاد المرعي " أمدّ الله في عمره " ، حين سردتُ له موجزا عن أحداث الرحلة ، وما تداولته مع صديقي الدكتور علي علاوي حول رغبتي بالتحضير لنيل شهادة الدكتوراه بالمراسلة في بلغارية ، فأبدى كثيرا من التفهم ، وشجعني ، ووعد بتقديم كل مساعدة تقنية وفنية يستلزمها البحث ، وبلا حدود ، وقال :

" إذا هبت رياحك ، فاغتنمها .. وها قد تحقق ما سعيتَ من أجله طويلا .. إذ لم يكن مجديا بناؤك الأفقي في كلية الحقوق ، لأنك لا تفكر بالعمل في أيٍّ من مجاليه الأساسيين ، لا في المحاماة ولا في القضاء .. لذا ، يجب أن تعود إلى الوجهة الأصح التي تهواها أساسا : وهي البناء عموديا في الآداب ، وأنا أعرف أن في صوفيا معهدا عاليا لتدريس اللغات الشرقية ، ويمكن أن تكون هذه فرصتك الثمينة التي لا تعوّض " ..

لامَسَ كلامُه حلمًا طالما صَبَوْتُ إليه ، لكن اليأس منه دفعني إلى التشتت الأفقي في دراسة الحقوق ، وأصاب أبو خلدون عينَ الحقيقة بتوجيهه ، وهو الصديق والأستاذ الذي يعرف جيدا ، تـَوْقي لإنجاز ذاك الحلم .. وسبق أن تناقشنا كثيرا وفكرنا ، وبحثنا معا عن طريقةٍ ما للوصول إليه ، إلا أن وجود " صديقه " د . وهيب طنوس على رأس الهيئة السياسية للتعليم العالي آنذاك ، سدّ عليّ المنافذ ، وأجهض كل محاولاتنا على صعيد إكمال دراستي العمودية محليا أو خارجيا ، حتى ، وأفشل مساعيَ د. فؤاد المتكررة لرأب الصدع بيننا ، على خلفية موقفه السلبي مني ، وتجنّيه عليّ بلؤم ، وبلا مسوّغ ولا وازع ، حين كان وكيلا لكلية الآداب ، وكنت طالبا فيها .. (( وكان بيننا صلات ود سبق أن عرضت بعضها في مقال سابق )) .

واتفقت مع الدكتور فؤاد أن تكون بداية طريق الألف ميل ، بالتأكد من استمرارية المعهد في صوفيا بعد التحولات التي شهدتها بلادهم وقارتهم ، والاستفسار عن وجود الدرجة العلمية المبتغاة وباللغة العربية ، ووجود الأستاذ المشرف وإمكانية قبوله بالإشراف ، والثبوتيات المطلوبة للتسجيل والإجراءات الأخرى اللازمة ...... وكانت كل هذه المسائل منوطة بالأخ الدكتور علي الذي لم يبخل بأي جهد ودعم لوقوفي بثبات على أول الطريق ..

وثمة أعزاء آخرون ، قدَّموا لي مساعداتٍ إدارية سهّلت إنجاز إجراءات السفر في زمن قياسي ، وتحتم عليَّ المثول في المعهد قبل نهاية العام الجاري 1991 لاستكمال التسجيل ، في وقتٍ حرجٍ من عطلات أعياد الميلاد ورأس السنة ..

وبمقدار ما كانت العطلة فسحة مكنتني من الحصول على الموافقات الرسمية للسفر ، لكنها في نفس الوقت ، غدت ـ بعد وصولي لصوفيا ـ عائقا أمام إنجاز مهمتي ..

ولا أعرف ـ حقيقة ـ من الذي اختار هذا التوقيت ، وما هي دواعي اختيار هذا الموعد الذي تأكد ـ فيما بعد ـ أنه غير مناسب أبدا .. لكن الموعد وصلني من كيريل عبر الأخ أبي حسين ، وهما مصدر ثقة أكيدة .. وربما كان توافقه مع عطلتي سببا مهمًّا لقبولي به بلا تمحيص ..

كما لم يعترض د. فؤاد على موعد السفر خلال لقائنا قبله بيومين .. موضّحا فيه تصوره ورؤيته ..

فقال : " إنه يعرف اهتماماتي وقدراتي جيدا ، ويعرف طرقي وممراتي وساحاتي الأمامية والخلفية ، التي يتوقع لي فيها نجاحا وتميزا .. فاختارَ عددا من العناوين التي تصلح أن تكون دراسة معمقة لأطروحتي ، واقترح عليّ ترتيبا تفضيليا لها ، للاتفاق عليها مع المشرف ، وأكد أنه سيقدم لي كل الدعم والمشورة والمساعدة مهما كانت خياراتنا هناك ، وأنه سيكون المشرف الحقيقي هنا " ..

وقبل السفر ، جمعتني صدفة نادرة في مكتب الصديقة عزيزة ، بالأخ أحمد حجو .. وكان عائدا للتو من صوفيا ، بعد أن ناقش أطروحته ، ولم ينتظر صدور قرار منحه الشهادة بسبب العطلات ، فآثر المجيء على أن يعود في مطلع السنة المقبلة ..

لم يبخل عليَّ الأخ أحمد بالكثير من الإيضاحات التفصيلية من خلال تجربته ، وسلمني عنوانَ ومفتاحَ شقته في صوفيا لأقيم فيها خلال وجودي هناك .. وقال : قد تجد فيها زملاء آخرين ، لكني غير متأكد ، لأنهم كانوا يستعدون للعودة ، ولا أعرف قرارهم النهائي .. ذلك لا يعيق وجودك معهم ..

ومرة أخرى ، أجدني عاجزا عن الحمد والشكر لله تعالى ، لِما تهيأ لي من تسهيلات هائلة ومدهشة ساعدتني في ولوج هذا الطريق الذي أرغب .. حتى بت " أخاف " من مزيد منها .. على مبدأ " الله يعطينا خير هالضحك " كما يقال ..

☼☼☼

كانت نهاية عام 1991 قاسيةً وشديدة البرد والعواصف الثلجية في حلب .. فكيف سيكون عليه الحال هناك ؟؟!!

سافرتُ برًّا إلى اسطنبول ، وبالقطار إلى صوفيا .. كان الأبيض يغطي مساحاتٍ شاسعة جدًا من الأراضي التي مررنا بها .. وكانت رحلة القطار هذه المرة مميزة بالدفء الباعث على الخمول ، وبالظرف الذي جمعني في المقصورة مع ثلاثة شبان أتراك رائعين ، بينما كل التسالي بورق اللعب تحتاج إلى أربعة .. ومرة أخرى ، لا يوجد بيننا لغة مشتركة .. ومع ذلك ، علمتهم لعبة أعرفها ، فأحبوها وأتقنوها ، ولعبناها معا حتى وصلنا إلى صوفيا ..

صوفيا مدينة بيضاء متجلدة .. تحوم الطيور في سمائها باحثة جوعى وحيرى ، ويتحرك المشاة على زحافات يتنقلون بها من مكان إلى آخر .. وكثير من السيارات واقفة كيفما اتفق ، لتجلـُّدها ، أو لعدم تمكنها من السير فوق الجليد ، أو لتصادم اضطراري بفعل التزحلق ..

أحمل في جيبي مفتاحا وعنوانا وحيدا أوصلتني سيارة إليه .. طرقت الباب قبل أن أفتحه .. ففُتح عن شاب بلباس صيفي ، وكأنه لا يحس بالبرد الذي أرتجفُ منه .. نقل بصره بين الحقيبة وبيني فأسرعت بتقديم نفسي ، وأخبرته بالمفتاح الذي بيدي ..

كان الفارق الحراري بين البيت وخارجه يزيد على ثلاثين درجة ، لأن التدفئة في صوفيا مركزية كلها .. والماء الساخن متوفر دوما ويقترب من درجة الغليان .. وكنا نضطر لفتح النوافذ أحيانا كي نقلل هذا الفارق ..

في البيت ، سمير ومحمد ، شابان ظريفان في متوسط العشرينيات من العمر .. شرحت لهما بالتفصيل طبيعة زيارتي واللقاء الذي جمعني بزميلهما أحمد في حلب ، فتقبلاها بود ورحابة ، وكانا مثال الكرم والضيافة .. وعبرت لهما " أني لم أكن لأثقل عليهما لو أكد لي أحمد وجودهما في البيت " ..

ومع ذلك ، فقد اتصلت فور وصولي بكيريل " الذي سيتولى تنفيذ إجراءات التسجيل " ، فقال : إنه آتٍ غدا بعيد الظهر لإنجاز عمل يخصني في صوفيا ، واتصلت بـ " خريستوف الذي كان قنصلا في حلب " ، فاستمهلني عشر دقائق ليصل إلي ..

يتميز خريستوف بحميميته وحرارة استقباله ولطفه الدبلوماسي الجم .. "" وكان لنا في حلب لقاءات وسهرات لا تنسى ، ربما يأتي الوقت للحديث عنها ""

اصطحبني إلى بيته ، وأمضيت عندهم ومع أسرته وقتا لطيفا خلال تحضيراتهم لأعياد الميلاد .. ثم أعادني في وقت متأخر من الليل ..

ومع تهافت المصادفات العجيبة عليّ ، تبين أن خريستوف على علاقة صداقة مميزة مع البروفيسور بويف مدير المعهد ، فاتصل به بحضوري ، وأخبره عن رغبتنا بلقائه ، واتفقا على موعد في صباح الغد نوافيه في بيته لأن المعهد في عطلة رسمية ..

البروفيسور بويف ، رجل وقور ودود بسيط .. استقبلنا باهتمام لائق ، وبوجه يكاد الدم ينفر من وجنتيه ، وطمأنني على أن الأمور ستكون في غاية السلاسة ، وأجابنا على كل ما سألناه ، ووعد بتقديم ما يستطيع لتحقيق ما جئت من أجله ..

بعد اللقاء ، ألححت على خريستوف أن يعفيني من الذهاب معه لأنني سأنتظر كيريل ، فاستجاب وأوصلني للبيت ..

قال سمير : اتصل بك شخص اسمه كيريل ، وقال إنه سيأتي هنا بعد الواحدة ..

وصل في الموعد .. ودعت محمدا وسميرا ، وشكرتهما على ما خصّاني به من رعاية ومودة ..

وبسبب عطلة المعهد ، كان على كيريل أن ينجز معاملة بسيطة ، أفوضه قانونيا في متابعة إجراءات تسجيلي بعد انقضاء عطلة الأعياد .. ومع المساء ، أخذتْ سيارة كيريل تطوي بنا طرقات متنوعة التضاريس ، زادها الليل والثلج وعورة وقسوة ..

" في حلب ، كان صديقي محمد بلوي قد طلب مني ـ إذا سمحت ظروفي ـ أن أحاول زيارة ابن أخته عباس المقيم في بلوفديف لأطمئن عن أحواله ، وأنقل لهم صورة عنها ، بعد أن تضاءلت وتضاربت معلوماتهم عن أحواله .. اتصلت به قبل مغادرتنا لصوفيا ، واتفق هو وكيريل على عنوان بيت قريبنا " مطيع " لنلتقي فيه معهما ..

كان الليل قارسا حين وصلنا .. لم يدم اللقاء أكثر من نصف ساعة .. ولم آخذ منه أكثر مما أعطاني .. المهم : أنني وجدته بخير وبعافية .. وباقي أموره لا علاقة لي بها ..

في فارنا ، هيأ كيريل مكانا لي في بيت قرب شركة كوندور ، وصلناه في ساعة متأخرة ، فتحت لنا البابَ سيدة ضئيلة الحجم أحنت السنون ظهرها ، فصعدت أمامنا الدرج المؤدي إلى الغرفة ..

كان الفارق الحراري بينها وبين الخارج صفرا .. فقط .. أشعل كيريل مدفأة الحطب ، وجلبت السيدة مزيدا من الأغطية ، وحضّرت لنا كوبين من الشاي فيما بدأت المدفأة تنشر حرارتها في المكان .. وقبل أن يغادر كيريل ، قال : سأتصل بك صباحا قبل أن آتي لأصطحبك ..

قضيت شطرا من الليل مستلقيا على أريكة بجانب المدفأة التي تحتاج لتلقيم دائم كي تحافظ على توهجها في ليلة كانونية لم آلف مثلها ، وفوقي سقف مائل من الآجر غير المبطن ..

قال كيريل ونحن في السيارة : لم أكن أتصور أن الغرفة شديدة البرد إلى هذه الدرجة .. وأضاف وهو ينظر إلي بدعابة بانت على حمرة خديه : هل أتصل لك بالبيت الذي كنت تسكنه صيفا ؟؟ لعله أكثر دفئا !!

وعندما لم أجبه ، اعتذر وقال : إنه مزاح ، ليس إلا ..

في الحقيقة لم يزعجني كلامه بمقدار ما حرك مشاعر كانت غافية .. وما زلت غير راغب في إيقاظها ولا تأجيجها ..

في المكتب ، أحضر موظفة تجيد لغتينا ، ترجمت لي بدقة ما يجب عليّ فعله ليستكمل ـ بناء على توكيلي له ـ إجراءات التسجيل في المعهد ، والرسوم السنوية المترتبة ، والمستندات المطلوبة ، ومدة الإقامة في كل عام دراسي ... وأن كل ذلك متوقف الآن إلى ما بعد رأس السنة الجديدة .. وأنه بإمكاني أن أسافر مطمئنا في أي وقت ، والمكتب سيقوم بمتابعة الإجراءات وإعلامي أولا بأول ..

لم يعد لبقائي في بلغارية أي ضرورة حاليا .. لكن كيريل وزوجته فانيا أصرا ـ قبل مغادرتي ـ أن يودعاني يوم 27/12/1991 بسهرة خاصة وعشاء احتفالي في أحد مطاعم المدينة .. وبالفعل كانت سهرة مميزة جدا ، وكانا فيها شديدي الاهتمام بضيافتي وراحتي في جو من الصداقة الدافئة ، ضحكنا خلاله كثيرا على تعليقات فانيا عليّ وعلى مآل قصتي مع غالا متحدثة عن فوارق بين طبيعة العلاقات العاطفية بين الشرق والغرب ..

ليس ثمة عمل ما ينتظرني في حلب ، فقررتُ الوصول إليها على مهل ..

وفي مساء اليوم التالي لتلك الليلة ، أخذت القطار إلى صوفيا .. ومن محطتها ركبت قطارا داخليا يوصلني إلى الحدود البلغارية التركية ..

استغرق الطريق وقتا طويلا ، حيث توقف القطار في كل المحطات ، حتى وصلنا مساء إلى آخر نقطة قرب المعبر الحدودي البلغاري ..

خرجت من الحدود البلغارية ، وتقدمت ماشيا بين نقطتي الحدود .. حركة التنقل شبه معدومة ، ولا أحد يمشي غيري ، ولا سيارات تمر .. والسيارة الوحيدة التي تبعتني ، توقفت إلى جانبي ، وفتح السائق نافذتها ليكلمني ، فلفحني منها دفء لذيذ ..

خاطبني الرجل بالتركية ، وأجبته بالإنجليزية : أني لم أفهم لغته .. فدعاني بالإنجليزية للركوب معه ، وقال إنه ذاهب إلى اسطنبول ..

لم أتردد طبعا .. كما لم أكن أعلم أن مشوارا كهذا سينتج عنه كثير من الآثار والمصادفات الجديدة ..

☼☼☼

" في صيف 2009 ، قال لي صديقي أبو حسين : إن خريستوف اتصل به يسأله عن رقم جوّالي ليعطيه لابنته روسيتسا التي انتقل عمل زوجها إلى قنصلية بلادهم في دبي ..

" وإذ لم تتصل روسيتسا بي بعد عودتي ، خشيت أن تكون فقدت الرقم .. استحصلت على رقم هاتف القنصلية واتصلت .. قدمت اسمي ، وبالإنجليزية طلبت روسيتسا .. فرحب بي بالعربية بعد أن عرف كنيتي ، وقال : أنا زوجها .. ويمكنك أن تكلمها على البيت ، وأعطاني رقم هاتف البيت وجوّالها ..

" كانت هي أيضا تجيد العربية .. فلم أجد مشكلة في الاسترسال معها ، وأجابت على استفساري قائلة : أنا وزوجي تخرجنا في جامعة دمشق ..

" وبعد مدة ، لاح اسمها على شاشة جوالي .. قلت : أهلا روسّي .. قالت من خلال ضحكة فرح كبيرة : أنا لست روسّي .. أنا مايا .. تعانقنا بالكلام .. وقالت : أنا وأمي هنا ، ونريد أن نلتقي ..

" تم اللقاء بعد ثمانية عشر عاما من آخر لقاء لنا في صوفيا ..

" وقتذاك كانت روسيتسا في الثامنة عشرة ، وأكبر من مايا بثلاث سنوات ..

" حصل لبْسٌ في عنوان المكان الذي سنلتقي فيه قرب بيت روسيتسا ، فتأخرت في الوصول ، وكنت أخشى ألا نتعرف على بعضنا في مكان مزدحم من حي جديد وراق وحيوي من أحياء دبي ، إلا أن الأمر كان أبسط وأسهل مما توقعت ، واعتذرت للأم وهي تنتظر انتهاء عناقنا ، ثم تحلقنا حول طاولة في شارع يكتظ بمقاهي الرصيف وروادها ، وكانت سعادتنا باللقاء أكبر من الوصف وأنا أستذكر لهن أحداث تلك الليلة في طريقي إلى حلب بعد لقائنا الأخير في صوفيا ، والتي استدعتها اللحظات المشابهة لها هنا ..

" وحدها الآم ، لا تعرف سوى البلغارية .. فكانت روسيتسا غالبا ما تقوم بالترجمة لها وهي التي تعرف ثلاث لغات ، بينما تواصلت مايا معي عن قرب بالإنجليزية ، وهي تتابع بشغف حكايتي في تلك الليلة ، وأنها الآن " businesswoman " كما قالت مداعِبَةً ، وتعيش مع زوجها في بريطانيا ..

" كنت أتحدث لهن بالعربية المشوبة بالإنجليزية حسبما تقتضيه ضرورة التوصيل .. وكانت الأختان تستجليان من بعضهما ما صعب عليهما فهمه مني ..

قلت :

وضعت حقيبتي في صندوق السيارة ، وركبت جانبه .. وبعد أن عبرنا نقطة الحدود البلغارية التركية ، وتجاوزنا مدينة إدرنة ، صارت التسلية مشروعة بحوار تعارفٍ بدأه قائلا :

أنا " جاني " من يوغسلافيا سابقا ، وأعمل في التجارة ، وأجيد التركية والإنجليزية والفرنسية ..

وأنا قدمت اسمي وعملي وظروف وجودي هنا ، وسألني عن بلدي ومدينتي ، وتبين أنه يعرف كثيرا عنهما .. وعبر عن سروره بمرافقتي له في هذه الليلة ذات الظروف المناخية الصعبة والخطيرة ربما ..

كانت السماء تمطر وتثلج حسب المكان الذي نمر فيه ، وهو يصغي للمذياع محاولا التعرف على جاهزية الطريق إلى اسطنبول ، معبّرا عن خشيته من أن تكون العواصف الثلجية قد قطعتها ، لأننا لم نتقابل مع أي سيارة قادمة من اتجاه اسطنبول .. لم أنتبه كم قطعنا ، لكننا لم نتوغل كثيرا في الأراضي التركية حين قال : سنتوقف بعد قليل في فندق أعرفه في " لوبر غاس " نشرب قهوة ، ونستوضح عن أحوال الطريق قبل أن نتابع ..

توقف في ساحة فندق كبير .. دخل أمامي ، إلى اليسار ثمة صالة ، ليس فيها سوى الموظفين وشابين على طاولة ، ورجل خمسيني أسمر البشرة يتحدث بالعربية على الهاتف ، بدا غاضبا وهو يخاطب محدثته باسم : ليلى .. بينما تقف بجانبه فتاة أصغر منه بكثير ، ذات شعر فوضوي مصبوغ بألوان غير متناسقة ، غربية الملامح ، عادية في كل شيء ..

طلبنا قهوة أنا وجاني ، ثم ذهب إلى موظف الاستعلامات وعاد ليقول : الطريق مقطوعة إلى اسطنبول بعد مئة كيلو متر من هنا ..

كان الرجل الأسمر يضج ويهدأ ويتهدج صوته كالمرعوب ، وهو يؤكد لليلى ويقسم أنه يحبها وأنه مسافر لوحده وأن " كيم " ليست معه ولا يعرف شيئا عنها ..

ومع القهوة ، رحت أشرح لجاني معلومات بسيطة عن سورية ، من خلال مطبوعات سياحية كنت أحملها معي ، ذاكرا أسماء المدن والمناطق ، فاقترب الرجل على استحياء من طاولتنا ، وبدا أنه يعتذر بالفرنسية عن مقاطعتنا ..

أجبته بالعربية : أنا عربي .. تفضل ..

انفرجت أساريره ، وكأنه تخلص من حالة الحرج التي أحسَّها وهو يقاطعنا ، ثم قال : أكرر اعتذاري ، لم أقصد مضايقتكما ولم أتوقعك عربيا .. لكن الأسماء التي كنت تلفظها تناهت إلى أذني وشدتني رغما عني لأقطع عليكما حديثكما .. هل يمكنك أن تجيبني على بعض الأسئلة لأنني أرغب أن أزور أهلي فيها وأتعرف إليها ؟؟

دعوته للجلوس ، فقال وهو يشعل سيجارته : أنا زامل من فرنسا .. وتلك صديقتي كيم .. (( انحنت من بعيد ولم تقترب )) أسمع من أبي أن جدي ـ الذي هاجر إلى فرنسا قبل سنين طويلة ـ أصله من مدينة يبرود ، لكني لا أعرفها ، ولم أزرها .. أحب أن أعرفها وأزورها .. هل سمعتَ بها ؟ هل تعرفها ؟ كيف سأحصل على تأشيرة لزيارة سورية ؟ هل ذلك ممكن ؟ كم يحتاج من الوقت ؟ ومن أي مكان سأحصل على التأشيرة ؟ هل يمكن من هنا مثلا ؟

كان يسألني كمن يودع شخصا عزيزا على النافذة الأخيرة من العربة الأخيرة في قطار تهيأ للرحيل ..

قلت : أعرف يبرود جيدا وزرتها مرات .. لكن أسئلتك كثيرة وسأجيبك باختصار عنها ، لأننا يجب أن نتابع طريقنا .. فقد صحبني جاني بسيارته من المسافة الفاصلة بين الحدودين ، ولا بد من أن نصل معا إلى اسطنبول ..

تحمّس بفرحٍ ضحكتْ له عيناه ، وقال كأنه متحضّر لهذه اللحظة ، بحيث يضعنا تحت الأمر الواقع : هل أنتما مضطران للمتابعة ؟ وتابع قبل أن أجيب : لا يمكنكما ذلك .. فالطريق مقطوعة بالثلج والحمد لله .. ثم إنني أدعوكما لقضاء الليلة هنا ، وغدا صباحا نكمل الطريق معا إلى اسطنبول ..

وثانية ، وقبل أن أجيبه تابع بذات الحماس : أرجوك لا ترفض طلبي .. إن كان هو سيغادر ، فليغادر .. ابق هنا أرجوك .. ستكون ضيفا عزيزا علي .. أنا مشتاق أن أعرف الكثير الكثير عن وطني وأهلي .. أرجو أن تعذرني ، فقد تلصصت على ما كنتَ تقوله له .. لقد جذبني لذلك اسم سورية ودمشق وحلب .. أنا لا أصدق ما أسمع .. أرجوك اقبلْ دعوتي .. لن تكون إلا سعيدا معنا .. ثق بكلامي أرجوك ..

كان يتكلم بفرح وبأسى ، وبرغبة شديدة في استضافتي .. ترتعش سيجارته بين إصبعيه وبين شفتيه ، وارتجفت شفته السفلى أكثر من مرة ..

كان ينظر إلي كأنه يستجدي بقائي واستضافتي .. أحسست بخجل حقيقي من نفسي ، وهزني بقوةٍ شعورُه الصادق ، وصرتُ على استعداد تام للبقاء ، فحسمت أمري ، وربّتُّ له على كتفه : لك ذلك عزيزي .. اهدأ من فضلك ..

نظرت في وجه جاني .. كان يقلب صفحات المنشورات غير آبهٍ لنا ، وقد أنهى قهوته ..

خاطبه زامل بالفرنسية عارضا عليه البقاء إن أراد ، لأنه متمسك باستضافتي ، وأخبرَه بموافقتي ..

لم يجبه جاني حتى أومأتُ له برأسي موافقا على قوله ..

خرجنا معا إلى السيارة ، أخذت حقيبتي شاكرا له صنيعه ، وعدت ..

كان زامل وكيم واقفيْن في البهو ، وقريبا منهما عامل يحمل مفتاحا ، تقدّمَ فأخذ حقيبتي ومضى بها إلى الغرفة ..

حيّتني كيم بفتور وبعكس زامل ، وسارا معي حتى افترقنا عند غرفتهما المجاورة لغرفتي ، بعد أن قال : أرجو أن تتجهز لسهرة على شرفك الليلة بعد ساعة ..

قلت له : لن يكون ذلك بلا نرجيلة .. أرجو أن تبلغهم بتأمينها مسبقا ..

حين دخولي إلى صالة المطعم ، وقف زامل يخيرني في انتقاء طاولة نجلس إليها .. قلت له : لا شيء سيختلف ، المكان كله لنا وحدنا كما ترى .. لكن : هل أوجدوا نرجيلة ؟؟ استل من جيبه علبة سيكار ، قدّمها لي ، وقال : اعتذروا وأعتذر لك .. ليس سوى هذه .. أخذتها وقد تناقص منسوب تفاؤلي بسهرة لا تنسى ..

(( ما الذي جعلني أروي هذه القصة لروسيتسا ومايا وأمهما ؟؟

" بالتأكيد ، ليس فقط لأنني لم أرَهُنَّ منذ ذلك الوقت .. وليس لمجرد التسلية أيضا ..

إنما ، ثمة تشابه في اللقاءين ، نتج عن ضرورات التواصل اللغوي فيهما )) ..

فهنا أيضا ، كنا نجيد ثلاث لغات ، ليس بينها لغة واحدة مشتركة نتفاهم بها جميعا ..

زامل : يتكلم الفرنسية ، ويتكلم العربية دون أن يعرف القراءة والكتابة بها ..

وكيم : تتكلم الفرنسية والإنجليزية ..

وأنا العبد الفقير لله ، أتكلم العربية وشيئا من الإنجليزية ..

زامل يضطر ليترجم لها حديثنا بالعربية ، وتترجم له بالفرنسية حديثها معي ..

(( هذا التشابه في الحدثين ، قادني لسرد الحكاية على مسامعهن .. فكانت روسيتسا على الخط مباشرة ، تتابعني وتترجم لهما من العربية أو الإنجليزية بسرعة فائقة ، وبخبرة أهّلتها لاعتمادها ترجمانا رسميا لقنصلية بلدها )) ..

قال الشيف لزامل : إن تراكم الثلج وسوء الأحوال الجوية ، وانقطاع الطرق ، وصعوبة التنقل ، أسباب جعلت المطعم يخلو اليوم من الرواد على غير المألوف .. لكن شبانا حجزوا ليحتفلوا بصديقهم العريس ، وسيأتون بعد الحادية عشرة ..

الصالة أوسع مما كنت أظن ، والفرقة الموسيقية من ثلاثة شبان تدوزن آلاتها وتتجهز خلف صورة كبيرة ملونة للمطربة " دِلارة " ..

لم يصدق زامل أنني لا أتعاطى الكحوليات ، فطلب عددا من الأنواع والزجاجات ، وأصر أن أضع كأسا أمامي ولو لم أذقه .. واستفرد بنا عمال المطعم ، فأنزلوا على الطاولة ما طلبه زامل وكيم وما لم يطلباه ، ثم جاؤوا بشمعدان كبير مُزَيّن ومُضاء بالشموع والإكسسوارات المتنوعة ، وجاءت المغنية إلينا تمحضنا عناية خاصة لا حيلة لها بها ، بعدم وجود غيرنا .. وحين سمعتنا نتكلم بالعربية ، أوقفت الموسيقا بإشارة من ذراعها المكتنزة ، وطلبت من الفرقة عزف أغنية " صيدلي يا صيدلي " ، ولم تبرح الطاولة حتى دفعتنا أمامها إلى حلبة الرقص ..

ولأنني جاملتها بترديد بعض كلمات الأغنية ، صار لزاما علي أن أشاركها بداية ، ثم تنازلت لي عن الميكروفون ، وراحت ترقص بانسجام كاد يلهب العمال والكراسي الفارغة ..

لعبت الأبخرة في رأسيْ زامل وكيم ، فشاركاها الرقص ، ثم جرّت كيم إلى الحلبة أحدَ العمال المتفرجين ـ كأنها استلطفته على ما يبدو ـ وصارت تراقصه بحركات خليعة سقطت إثرها على الأرض .. حاول الحاضرون حملها ، فرفضت وتحاملت على زامل إلى الطاولة ..

ومع دخول الشبان بعراضة العريس ، كان كل شيء طبيعيا في المكان ، فأضفوا على السهرة نكهة تركية شعبية رائعة ، وكانوا لطيفين جدا ، فأرسلوا لنا ضيافة خاصة ، ثم جاؤوا جميعا لتحيتنا ، والتفوا حولنا لدقائق في رقصة الدبكة على أنغام المزمار والطبل .. وما إن رفعتُ يدي أشكرهم حتى انسحبوا يحيوننا بانحناءة تترافق مع ختام الدبكة عادة ..

لم ينقص شيءٌ يذكر من المائدة سوى الشراب .. وبُعيد منتصف الليل ، طلبت كيم من زامل أن يرافقها إلى الغرفة .. وحين عاد ، كان قد غسل رأسه وأعاد تمشيط شعره الكثيف الأسود الطويل .. فاسترد بذلك بعض النشاط ، فقال : الآن بقينا وحدنا .. وما دمتَ سمعتني وأنا أتكلم مع ليلى ، فلا بد أنك فهمتَ قصتي .. قلت له : لا تكترث ، فأنا سمعتك عرضا ، ولم أكن أتابع ما تقول .. هي خصوصياتك ، ولا تهمني في شيء .. قال : كنت أتحاشى الفرنسية كي لا تفهمها كيم ..

صمتنا قليلا .. حاولتُ أن أتململ وأتذرع بالنعاس كي لا أضطر للاستماع لما لا يعنيني ، لكنه بدا مُصِرًّا ، وكأنما ليتخلص من عبء ثقيل يجثم فوق صدره ..

قال : ليلى زوجتي الثانية بعد أن ماتت الأولى ، وهي لبنانية وتملك مطعما في مكان بين فرنسا وسويسرا ، وكانت كيم عاملة مؤقتة عندها ..

ولأنه تزامن غيابنا عنها ، ساورتها الشكوكُ بأنها ترافقني ، فلم تردّ على مكالماتي من الموبايل طول الطريق من فرنسا حتى هنا .. ولما طلبتها عبر سنترال الفندق .. تردّ وتصرخ وتبكي وتشتمني وتتهمني بالخيانة وتقفل الخط .. طلبتها اليوم أكثر من عشرين مرة ، فكرّرَت الموشحَ نفسه في كل مرة ..

أقسمتُ لها أن كيم ليست معي فلم تصدق .. ماذا أفعل ؟؟ ما رأيك ؟؟

قلت له : بماذا ؟ قال : تكلمها وتؤكد لها أن كيم ليست معي كي تهدأ ، لأنني أخاف عليها من عصبيتها ، أن تفعل شيئا سيئا بنفسها .. قلت له : ما دامت لم تفعل شيئا حتى الآن غير العويل ، فلا تخفْ .. لن تفعلَ شيئا آخر قبل عودتك إليها .. ومادامت لا تصدقك ، فهي على حق .. أليست كيم معك ؟!! غمغم قائلا : معي .. نعم .. لكن لم تعطني شيئا ..

انتهى احتفال زفة العريس منذ أكثر من ساعة ، وانفض عقد الفرقة الموسيقية ، ولم يترك زامل على الطاولة أي أثر لأي مشروب .. لكنه لم يرتو .. فطلب من عامل يراقبنا من بعيد ، أن يحضر له مشروبا آخر ، فغاب وعاد ليعتذر ..

لم يعد الحديث مجديا لا شكلا ولا مضمونا .. واشتد ألم صداع في رأسي لا يطاق .. نهضت ، فقال : أرجوك .. عشر دقائق فقط ..

أخرج الموبايل من جيبٍ في صدره ـ وكنت سمعت عنه ولم أره إلا في الصحف والتلفاز ـ وأسمعَني صوت رنين الجرس .. ولمّا لم ترد ، اغتمّ أكثر ، وقال : لن أعود إليها أبدا ..

كنت متأكدا أن معظم مواقفه هذه لن يتذكر تفاصيلها بعد صحوه من تأثير الكمية الهائلة التي شربها ..

طلب ورقة وقلما ، فكتب لي أرقاما قال إنها " لهواتف ثابتة في عدد من الدول الإفريقية التي يتحرك بينها متاجرا بالخشب والحديد عبر أسطول من السفن والسيارات الناقلة الكبيرة " ..

ثم مزقها ، وقال : الموبايل يغني عن كل ذلك ، فهو موصول بالأقمار الصناعية ، ويعمل في أي مكان من العالم ، وتستطيع أن تجدني فيه حيثما كنت .. لا أريدك أن تتصل بي عليه .. يمكنك فقط أن ترن رنة وتفصل الخط ، فيظهر رقم المتصل عندي ، فأتصل أنا بك .. إن مكالماته مرتفعة الثمن ولا ينبغي أن تتحملها .. أعطني رقمك لأحفظه هنا ..

أنا بالأساس لم أستطع تصور أغلب الكلام السابق عن حدود تجارته عبر البحار والمحيطات .. لكن الاتصال الذي أسمعني رناته أعاد لي شيئا من الثقة بكلامه ، وإن كنت عجبتُ لما ذكره عن اتصال الموبايل بالأقمار الصناعية واستقبال المكالمات أينما كان ، وظهور رقم المتصل .... تلك كانت رجما بالغيب بالنسبة لي في ذلك الوقت ..

نهضت مبتعدا عن الطاولة ، فتحامل وتعلق بذراعي ، وخرجنا من المطعم إلى البهو الخارجي .. جلس على أقرب كنبة ، وقال : أرجوك اجلس قليلا .. لقد انقضى الليل ولم أسألك الأسئلة التي كانت في رأسي .. اللعنة على كل المشروبات .. سأقلع عنها وعن التدخين أيضا .. لن تراني بعد الآن أتعاطاها ..

" قلت في نفسي : بالتأكيد لن أراك بعد اليوم أبدا " .. وأضاف كأنه يصحو : كيم هي السبب في كل ما جرى .. لم أكن راغبا بالسفر الآن .. لكنها لعبت في عقلي وأغوتني بكذا وكذا ، فحققتُ لها مطلبها بالسياحة نحو الشرق .. لن أذهب إلى اسطنبول .. سأتركها وأعود ..

أشعلَ سيجارة ، ثم قال : لا.. لا .. يجب أن أذهب ، فأنا تعهدتُ لكَ بذلك .. أخبرني أرجوك : هل يوجد في سورية فنادق ومطاعم فخمة ؟ كم مطارا يوجد ؟ كم يبعد المطار عن يبرود ؟ أين تقع يبرود ؟ كم عدد سكانها ؟ ماذا يعملون ؟ كيف سأزور سوريا ؟ هل يجب الحصول على تأشيرة ؟ من أين ؟ هل يمكن أن أذهب إليها برا ؟ لو أردت أن أستثمر بعض أموالي ، ما المشروع المجدي الذي تقترحه علي ؟ هل هناك صناعات خشبية ممتازة ؟ أين تتركز المدن الصناعية ؟؟ هل يوجد قطارات للشحن ؟ ما حجم أسطول النقل البري في سورية ؟؟

كانت إجابتي مبسترة كأسئلته ، وأحيانا لا ينتظر الجواب .. إنه يسأل وكفى ..

هدّني تعب يوم طويل ، وهدته ليلى من هناك ، فلم يطل عنبَ الشام ولا بلحَ اليمن .. استبدَّ به الرعبُ على بُعده ، فلم تغبْ صورتها الغاضبة الحانقة ، واستحال الوعد الخلبي سرابا في مفازاتٍ لا ظلال لها ، ولا ماء فيها .. لقد خاب الرجاء ، وبارت التجارة المنتظرَة .. بدا محبَطا ، ضعيفا ..

كان كمن يهذي أو يهلوس .. بالكاد أفهم كلماته ، لكنه مصرٌّ أن أسمعه ، ولم أشأ أن أكسر خاطره ولو كان على هذه الحال .. فقد كنت أؤمل أن تكون سهرتنا حول طاولة نتحدث فيها عما سألني عنه في بداية اللقاء ..

أيا يكن .. لا فائدة من أي شيء الآن سوى النوم ..

غفوت بعمق .. لكني وجدتهما مستيقظين قبلي .. استقبلاني على مائدة الإفطار بلطف لا يعكس حالة الجو التي تعصف بهما .. تجاهلت ، وسرحت ببصري إلى الشمس الساطعة من خلال الزجاج الأغبش ..

طلب زامل فاتورة الحساب ، فاستهول المبلغ المطلوب ، ومضى قليلا ثم عاد أكثر تبرما ، وهو يلعن الاستغلال والسرقة المفضوحة ..

في الساحة الخارجية ، لم أر أي سيارة صغيرة .. أين يمكن أن تكون سيارته التي سنسافر فيها ؟!

ولم تظهر على وجهيهما آثارُ غيابِ سيارةٍ لهما ، يُفترض أن تكون في ساحة الفندق .. لكن اتجاه محور سيرنا نحو السيارة الوحيدة الباقية في الساحة فك الشيفرة المفقودة ..

إنها رأس شاحنة قاطرة ..

لا بأس .. وضعَ العمالُ حقائبنا على السرير داخل المقصورة ، وتعمشقت كيم ، فتمددت على السرير خلفي ، وجلستُ جانب زامل وهو يستعد للانطلاق ..

قال : لم ينفعني مجيئي بهذه السيارة في إبعاد الشبهة عني .. بل حوّلتْ شكوكَ ليلى إلى يقين .. لا يهم .. في النهاية سأترك السيارة للسائق ، وسأعود بالطائرة إلى فرنسا وحيدا .. وستذهب كيم في البحر إلى مصر ..

توقفنا في استراحتين على الطريق إلى اسطنبول ، حتى وصلناها في الرابعة مساء .. طلب من سائق سيارة أجرة أن يسير أمامنا إلى محطة الحافلات ، وأصر أن يدفع ثمن بطاقة الركوب إلى أنطاكية ، لكني رفضت قطعا ، وشكرته ، وودعتهما وهو يقول : سأنتظر اتصالا منك تطمئنني ..

كان ذلك يوم الثلاثين من كانون الأول / ديسمبر .. وبعد ثلاثين ساعة من تلك اللحظة ، وصلت إلى البيت ، كأني على موعد مع أسرتي ..

سهرنا ـ رغم إرهاقي ـ محتفلين بعام جديد ..

سألت مايا : ألم تتقابل بعدئذ بزامل ؟؟ قلت : ولا اتصلت به .. ليس ثمة مشترك بيننا ..

قالت : إذا كنت تحتفظ ببعض الصور التي التقطتها في بيتنا في صوفيا ، هل يمكن أن ترسل لي نسخة منها ؟

قلت : بالتأكيد .. وسأرسل أيضا صور جاني وكيم وزامل والمطربة دلارة .. ما رأيك ؟؟

ولأول مرة ألتقي " بَالمِن " زوج روسيتسا .. أحسسته قريبا جدا من قلبي ، بدماثته ولباقته وبساطته ، وإتقانه العربية باللهجة الشامية ، فأضفى حضوره ألفة أذابت حدود التعارف في أول لقاء ..

ثم مشينا باتجاه بيتهم القريب " كي أعرفه لأزورهم كلما سنحت لي الفرصة " ..

ولم تسنح لي حتى الآن .. لكننا نتواصل إليكترونيا .. أدام الله علينا كلَّ نِعَم تلك المواقع ، التي لولاها لكان الواحد منا الآن في غياهب المجهول ..

الثلاثاء ـ 12/04/2011

"" صودف أن كنت عائدا من تركيا في 31/12/2010 ، وكان مضى على تلك الليلة تسعة عشر عاما بالتمام والكمال ""


الأربعاء، 6 أبريل 2011

نبليات .. بين الوشم والحناء

نبليات .. بين الوشم والحناء

هي إحدى ثلاث .. مَن استأثرتْ بواحدةٍ منها ، كأنما أسرَجَتِ الخلودَ ، وَرَكِبَتـْهُ بُراقا إلى المجرَّة العليا ..

لم أعد أذكر بالضبط :

كيف كان الترتيب المفضل ؟

ومتى أولِجَ النهارُ في الليل ؟

ومتى ينبلج النهار من أحداقنا ؟

فتساءلت من جديد :

أهيَ العاشقة ، أم المعشوقة ؟؟

أم تكون هي العشق المندسّ في غفلةٍ منا بين الحنايا والشغاف ؟؟

كل التفاصيل التي رَضعْتـُها من ثغور من عشقت ، لم توصلني إلى بَرِّ إجابةٍ بتـّارةٍ ..

ولأنَّ الغموضَ يَكتنِفُ مُحَيَّاها المُتوهِّجَ ألـَقـًا ، وخفـَرًا ، فإن منْ يجري وراءَها يَعيا قبل أن يُشبعَ فضوله من نعيم الدفء ، وفِتنةِ الربيع الذي لا ينتهي ..

تلوي الذراعَ المتجبِّرَ ، وتقبّل جبينَ العاشق الغافي بين سنديانات جبالٍ شمّ .. تأتزر بأوراق القصب البري ، وتفلُّ جدائلها المحناة ، وترتعش الأنامل وهي تدغدغ شفة طفلة ارتوت من صدر الأمومة الدفّاق ، في هنيهة ما بعد النحيب ..

ولأنها الموؤودة فينا عشقـًا ، نحسّها ارتعاشة َصلاةٍ ، وترانيمَ من آس ٍمُمَلـَّح ، ومن زنجبيلِ الولادة ..

أقول للمدى الوردي ، بعد التشهّي ولعْق ثمالة فناجين القهوة :

" أنهكني القهرُ .. وأتعبني هواكِ كقمر جريح .. وامتلأ القلبُ بصديدٍ مُتحَجِّر نـَزَّ من مساماتِ حبٍّ ، تجلدُني سياطه ، بكل ما للحقيقة من وجوهٍ ملوَّنة ، وسطوح عاكسة " ..

" كيف انوأدَت فينا تلك السحابة الولهى ، ونحن نغني أفراحَها ، وأهازيجَ الدّمى والبيارق ؟؟

" كيف تمَرّدْنا على صباحاتها الكانونية الضبابية ؟؟

" ولماذا تلاعبَتْ رياحُها في أشرعتنا ، حتى تمزَّقـْنا وافترقنا ولجأنا إلى نزيفٍ نسْتفُّ منه الخيبة ، وزيوان قمح متعفن ، ونغفو هُنيْهة ، على قارعة العمر المقيت ، وذؤاباتِ الريح المجنونة ؟؟

" تكاد المرأة تلد أخاها " .. لكن .. لا ، ولم ، ولن تلده ..

أليست المسافة بينهما سنين ضوئية ؟؟

فالبلاغة في الحياة هي .. هي .. لا تشبه نفسَها ، ولا يشبهها شيء ..

وخير من الحياة وما فيها ، غفوة بين أهداب سِفر الوطن المقدس ..

الأربعاء ـ 06/04/2011

الاثنين، 4 أبريل 2011

حلب اسطنبول صوفيا ـ 4 ـ

حلب اسطنبول صوفيا ـ 4 ـ

في الوداع ، صدَقتْ فينا أغنية السيدة فيروز :

" كان الوداعُ ابتساماتٍ مبللةً بالدمع حينا ، وبالتذكار أحيانا ..

حتى الهدايا وكانت كل ثروتنا ، يوم الوداع ، نسينا هدايانا " ..

قبلئذٍ ، طلبتْ مني غالا أن تحتفظ بشريطٍ مسجلٍ ، فيه مقطوعات موسيقية ناعمة ، كثيرًا ما آنسَ سهراتنا .. وأوصتني أن أقتنيَ نسخة منه " لنستمعَ إليها معًا ، وأن أرسلَ لها رسالة تطمئنها ، مع نسخة من الصور التي جمعتنا " ..

في الطريق إلى مدينة برغاس ، لم نتكلم أنا ودوبريه سوى بضع كلمات ، أحسَّ بعدها أني غيرُ راغبٍ بالمزيد ..

وفي المحطة بعد أن استكمل لي الإجراءات في المكتب المختص .. عانقني وودعني ..

لم تنطلق الحافلة إلا قبيل المساء .. كانت الطريق ضيقة ، تحفّها الأشجار العالية الكثيفة والأعشاب المرتمية عند أقدامها ، كأن الطريق في غابة .. وحين حلَّ الظلام ، وصلنا إلى نقطة الحدود مع تركيا ، ولبثنا ساعاتٍ لسببٍ لا أعرفه ، نمتُ خلالها وقتا لا بأس به ..

بعد وصولي إلى حلب بأيام قليلة ، اتصلتُ بغالا ..

فرحتْ حتى غصَّت بالبكاء .. ثم تمالكتْ ، وقالت : أريد أن أراك .. تعالَ من فضلك ..

أرسلتُ لها الصور فيما بعد ، وكتبت : " رغم أني مشتاق لك ، إلا أن ظروفي الآن لا تسمح لي بالسفر " ..

لكن ، كان للقدر قرار معاكس ..

زارني صديقي أنور برفقة أخيه أبي شادي المقيم في إيطاليا ، وقال : ألا ترغب بزيارة بلغارية ؟؟ سيسافر أبو شادي بسيارته بعد أيام .. فإن كنت راغبا ، استعد .. ستترافقان وتتسليان وتتعاونان على طول الطريق ..

لم أكن أتصور أن أستكمل إجراءات السفر بهذه السرعة والسهولة ، على صعوبتها وتعقيداتها .. لكن .. بما أن القرار كان متخذا ، فقد أزيلت كل العقبات تلقائيا ..

وحين انطلقنا من حلب ، لم يكن قد انقضى عشرون يوما على وصولي إليها ..

أحبُّ السفر برا ، وأستمتع به ، فكيف إذا كنا في سيارة جديدة ، وبصحبةٍ نوعيةٍ كأبي شادي !

طوينا الطريق بسرعة ومتعة .. توقفنا طويلا في مدينة إدرنة على الحدود التركية البلغارية .. تجولنا في أسواقها الأثرية التي تشبه إلى حد كبير أسواق حلب القديمة ، كونهما تنتميان إلى ذات الحقبة التاريخية ..

ومما أدهشنا في المدينة ، ملامح الجمال الأخاذ التي تتصف بها وجوه وقدود صباياها .. وقد سبقني أبو شادي بالتعبير عن ذلك ، فقال : رغم أني تجولت في أكثر من ثلاثين دولة ، ما رأيت جمالا كالذي أراه الآن .. وأضاف : سمعت عن جمال أهل مدينة إدرنة ، لكني لم أتخيله إلى هذا الحد ..

بعد أن عبرنا إلى بلغارية ، عرض أبو شادي أن أرافقه إلى صوفيا بدل أن آخذ الطريق الساحلي الذي سبق أن عبرته في رحلة العودة ، مرورا ببرغاس إلى فارنا ، لأساعده في قيادة السيارة فأجَنّبَه قضاء ليلة أخرى على الطريق لو أكمَلَه وحيدًا ..

تبادلنا الأمكنة ، فالطريق إلى صوفيا لا تقل عن أربعمئة كيلو متر ، ولم تسبقني ، بل لا يمكن أن تسبقني أي سيارة في بلغارية آنذاك .. ولم نتوقف إلا في بلوفديف ، منتصف الطريق تقريبا ، أحضر أبو شادي كوبين من القهوة ، وتابعنا إلى صوفيا .. وصلناها مساء .. ذهبنا من فورنا إلى محطة القطار ، حجزتُ سريرا في قطار إلى فارنا سيتحرك بعد ساعتين ، أمضينا جزءا منهما في مطعم قريب ، ثم ودعت أبا شادي والتحقت بالبوابة المحددة إلى العربة ..

كان القطار بطيئا وكثير التوقف في المحطات المنتشرة على طول الخط ، ويستخدمه السكان كواسطة نقل شبه وحيدة ، تمخر المدن والقرى والمزارع والحقول ..

بزغت خيوط شمس الصباح من عيني بعد ليلة متعبة قلقة .. وقفتُ على النافذة المشرفة على حقول عبّاد الشمس الفسيحة التي سبق أن شاهدتها يوم زيارتنا لصديقتيْ غالا ..

" بالتأكيد ستفتح الأمُّ الباب .. ستُفاجأ بي .. لكن .. كيف سيكون وقْعُ المفاجأة على غالا ؟؟ كيف ستستقبلني وهي التي أرسلت إليّ ترجو زيارتي ؟؟ هل ستكون في البيت ؟؟ ربما لم تستيقظ بعد ، وربما ذهبت إلى عملٍ ما .. هل سأجد مكاني في الغرفة شاغرا ؟؟ الأهم أن يكون مكاني في قلبها محفوظا ولا يهم بعدها أين أقطن .. "

كثيرة هي التساؤلات التي تواردت على مخيلتي ، فيما بدأ القطار يتسلل إلى المدينة عبر بيوتها النائمة ..

أعطيت سائق التكسي عنوان البيت على ورقةٍ أحتفظ بها في محفظتي ، فأدرك أني لا أعرف لغته .. مضى دون أن يكلمني .. وعندما وصلنا ، عرضت عليه نقودا ، فاستل منها وحاول أن يساعدني في حمل حقيبتي .. شكرته وأعفيته ..

البيت في الطابق الأول .. توقفتُ مترددا .. فالساعة قبيل الثامنة صباحا .. هل استيقظ أحدٌ ؟؟

كبستُ زرَّ الجرس ، سمعت صوت باب ينفتح في الداخل ..

اتسعت عينا الأمّ دهشة بالمفاجأة ، وتكلمت بما لم أفهمه ، وأومأت إلي أن أدخل .. توقفت في الممر وأمامي ثلاثة أبواب : غرفة مايا ، فغرفتي سابقا ، فغرفة غالا ..

دخلت الأم إلى غرفة غالا وأغلقت الباب وراءها ، لينفتح ثانية بعد لحيظات عن غالا بثوب النوم الفضفاض والشعر الفوضوي ، عانقتني بحرارة وهي تتمتم بالبلغارية من خلال عينين نائمتين وصوت دافئ أبح ..

طال عناقنا فيما غادرتنا الأم إلى الصالون ..

جلستْ إلى جانبي غير مصدقة .. دعكتْ عينيها بكفيْها مرات وهي تنظر إليّ بين اللحظة والأخرى ، وتتساءل : أحقا أنت هنا ؟؟ أم مازال حلمي مستمرا ؟؟ كنت أراك في الحلم قبل أن توقظني أمي .. أنا لا أصدق .. ما أجمل أن تستيقظ على حلم تحقق للتو !!..

خاطبتْ أمَّها وهي في المطبخ ، فخرجت الأم مبتسمة ، وفهمتُ من حوارهما أن غالا ـ التي تمسك بيديّ ـ تسأل أمها إن كان هذا حلما أم حقيقة !!

سألتْني : لِمَ لمْ تخبرني بمجيئك ؟

قلت : ألم تعجبْكِ المفاجأة ؟؟

قالت وهي تذهب إلى المطبخ : إنها أروع وأسعد حلم يتحقق لي ..

خرجنا إلى الشرفة مع القهوة .. قالت : لم أذقها بعد ذاك اليوم أبدا .. ليس لها طعم إلا معك ..

زفرتْ دخان سيكارتها ، وقد بدا عليها شيءٌ من الحيرة والضيق .. دنت مني .. أسندت رأسها إلى كتفي وقالت : ما العمل ؟؟

قلت : ما الأمر ؟؟ قالت : غرفتك عندنا مشغولة بشاب سوري منذ ثلاثة أيام ، وسيبقى ثلاثة أخرى ..

" لم أحسب حسابا لهذا ، فلم أجد ما أقوله " .. ساد صمت ثقيل وقصير ، قالت بعده : سأتدبَّر الأمر .. لا عليك ..

وعندما صارت طاولة الإفطار جاهزة ، قالت غالا : سأوقظ مايا ، وأدعوها للإفطار ، لكني لن أخبرها بوجودك ..

دخلت مايا تمسح آثار النوم عن وجهها ، وتوقفت في الباب مرتعشة حين لمحتني على الطاولة .. دعكتْ عينيها من جديد ، ثم صرخت كالملدوغة ، واندفعت نحوي ..

دار بينهن حديث مطول لتأمين مكان قريب لي ريثما يغادر الشابُّ الغرفة ، وأجرت غالا اتصالين هاتفيين ، ثم اصطحبتني إلى بناء مجاور ، قالت إن ثمة غرفة معدّة للإيجار فيه .. قادتنا امرأة مسنة إلى الغرفة ..

ليست كغرفتي هناك .. لكنها مناسبة لثلاثة أيام ..

قالت غالا ونحن عائدان بحقيبتي : لا تقلق .. هذه مؤقتة وللنوم فقط .. وكل شيء آخر سيكون عندنا .. لو أنك أخبرتني بمجيئك !!..

☼☼☼

لم يكن لديَّ ما أقوم به في فارنا .. جئت بقصد الزيارة فقط .. وكان لا بد من زيارة كيريل في شركة كوندور ..

معالم البهو متغيرة .. " فقد تخلت فانيا عن استثمار الكافتيريا " كما قال كيريل ، ففقدتُ ملاذا أقضي فيه شطرا من الوقت الضائع .. وكانت مفاجأته بوصولي ، لا تقل عن مفاجأة غالا .. تعانقنا بحرارة ، وتفرَّغ لي ، وسأل عن مكان إقامتي ، وإذا كنت أريد مكانا آخر ، وعرض أي مساعدة أحتاجها في أي وقت من الليل والنهار .. واعتذر عن غيابه في وداعي لانشغاله في صوفيا ، وسألني مطمئنا عن قيام دوبريه بمهمته على الوجه الأكمل ..

لكني كنت ألاحظ ارتباك السكرتيرة وهو يرفض دخول أحد عليه ، أو الرد على الاتصالات ، فشفطت قهوتي سريعا ، واعتذرت منسحبا لارتباطي بموعد هام "" وهمي "" ..

" تصبح الغربة مضاعفة الوطأة حين تحسّ بوحدتك ، وبافتقادك لمن يؤنسها .. ولاسيما إذا لم يكن لك عمل تقوم به ، أو هدف ذهبت من أجله ..

" كما أن مرور الوقت يغدو ثقيلا ، وليس أخف منه أن تفرض نفسك ـ وأنت المتسكع ـ على أشخاص لديهم عمل يقومون به ، ويحتاجون لكل دقيقة كي ينجزوه ..

" تستطيع أن تتجول ، وأن تجلس على مقاهي الرصيف ، أو تتسوق أو تأكل أو ... لكنك تقوم بذلك مُكرَها ، وقتلا للوقت ، لأنك لا تملك شيئا آخر أكثر إلحاحا منه في اللحظة الراهنة .. وأنت في مكانٍ ، خياراتك محدودة فيه جدا ، ومتواضعة جدا ..

" إن اللغة حاجة ضرورية للتواصل ، واللغتان اللتان تعرفهما ، غريبتان مثلك عن المكان الذي أنت فيه ..

فانطبق عليك القول : لا تقسم الرغيف الصحيح .. ولا تأكل من الرغيف المقسوم .. وكُلْ ، كُلْ حتى تشبع ..

" حتى د. ترايكوف ، لم أجد أي وسيلة للتفاهم معه بغير الإشارة ، فقد زرته بعد أن اتصلت به بناء على رغبة أبي حسين ، لكنه لا هو ولا زوجته يعرفان غير البلغارية والروسية .. وشتان ..

" وترك غيابُ ولده عن بلغارية أثرًا سيئا آخر ، حرمني من قضاء الوقت مع مَن يمكن أن أتفاهم معه بانسجام وودّ ..

أنهت غالا قبل أسبوع دورة اللغة الإنجليزية ، وبدأت تعمل مع صديقتها في كشك لبيع الصحف والمجلات ، تتبادلان أوقات الدوام حسب ظروف كل منهما ، " وهو عمل مؤقت ريثما تردّ عليها الشركات التي راسلتها " كما قالت ..

وأضافت : إن هذا العمل يؤمّن نفقات داني حاليا .. وستكون فرصتي في الحصول على عملٍ جيدٍ ، أفضل مع إلمامي باللغة الإنجليزية ..

انقضت الأيام الثلاثة بتثاقل عكرته ظروف عمل غالا ، وانفرادي في كثير من الأوقات سواء في غرفتي أو في تجوالي .. وكنت أتناول طعامي خارج البيت ، إلا بوجود غالا ، حيث تتصل بي أو نكون متفقيْن مسبقا لنلتقي على موعد الطعام ..

زارتني غالا مرتين في غرفتي ، وشاركتنا فيهما صاحبة البيت في تناول القهوة ، وقد تلذذتْ بها ، فتركتُ لها كمية بعد دفع الحساب ومغادرتي بيتها ..

قالت غالا : إن الشاب السوري حزم حقائبه وسيغادر اليوم ..

وما إن انتهينا من طعام الغداء حتى عاد الشاب ليقول لي مغتبطا : لقد تأجل سفرنا للغد .. لكن بإمكانك أن تشاركني في الغرفة وهي بثلاثة أسرة كما تعلم ..

كان يكلمني بالعربية ، فانتظرتْ غالا حتى انتهى حديثنا لتستفهمَ مني .. شرحت لها ظروفه ، فرفضتْ أن أشاركه الغرفة قائلة : " إن ليلة واحدة يمكن أن نقضيها معًا على الشرفة .. ما رأيك ؟؟

بعد الغداء ، خرجت أنا وغالا ، تسكعنا ، ثم ذهبنا إلى الكشك فغادرته زميلتها ، وجلسنا على كرسيين بداخله ..

جاء شاب ، قدمتنا لبعضنا ، وقالت لي : إنه زميلها في دورة اللغة .. تكلما طويلا ، وغادر المكان غاضبا ، ولم تفلح هي في إخفاء اضطرابها .. ولم أسأل عن السبب ، ولم تقل لي شيئا .. ولم يكن في الأمر ما يحتاج إلى شرح ..

ومع المساء دبّت الحركة في الشوارع .. انضممْت إلى الجموع ، مشيت ومشيت .. استرجعتٌ مواقفَ لم تكن ذات مغزى قبل الآن .. لكن ، لا بد من ربطها بما شاهدته منهما اليوم ..

عدتُ إلى البيت بعد العاشرة ، فتحتْ غالا ، وأخذتني من يدي إلى الصالون .. قالت : سنسهر معا ، وتنام هنا الليلة .. كانت تحاول أن تبدو طبيعية ، لكن آثار ذاك اللقاء كانت لا تبرح وجهها وعينيها ، كما تهدج صوتها بشدة أثناء الرد على مكالمة هاتفية ، وبكت في نهايتها وهي تلتصق بي وتتمتم بالبلغارية .. ولم تجبني في النهاية عن سبب ذلك ..

خرجتُ إلى الشرفة أدخن ، فتبعتني مع القهوة ..

جلستْ وراحت تدخن وتتكلم طويلا بلغتها ، مجهِشة بين الفينة والأخرى ..

جاءت أمها ، قالت لها شيئا ، فمسحتْ دموعها وقالت : داني مستيقظ ومحموم ، سأذهب إليه وأعود ..

نمت في الصالون ، وحين استيقظت صباحًا باكرًا ، ذهبت إلى غرفة غالا ، فلم أجدها ، ولا نملك أنا والأم وسيلة تفاهم تزيل هواجسي وقلقي بعد الذي رأيته ولمسته من غالا أمس ..

وإزاء ما رأتني عليه من ضيق وغم ، دخلت الأم غرفتها وعادت إلي بورقةٍ كُتب عليها بقلم رصاص ما فسرتُه ـ مستعينا بتبادل بعض الإشارات معها ـ بأنه العنوان الذي ذهبتْ إليه غالا ..

أعددت قهوتي بنفسي ، وتجهّزت للخروج بينما كانت الأم تعد الإفطار .. شاركتها بلقيمات ، وخرجت ..

الصباح جميل ولطيف .. ملامح وجوه الناس تحمل آثار إرهاق السهر وقلة النوم ، والحركة وئيدة خجولة ..

ذهبت إلى سوق بيع الزهور .. ليس ثمة زبائن بعد .. كان الباعة ـ وأكثرهم من السيدات ـ يرتبون وينسقون العربات التي يعرضون عليها أزهارهم النضرة الضاحكة .. شعرت براحة لتلك الحالة الإنسانية الموشحة بالزهور وأجمل الألوان ..

" ليس من المناسب أن أحمل وردة أو باقة إلى غالا ، وأنا لا أعرف شيئا عن ظروف وجودها في المكان الذي ذهبتْ إليه ، فقد تكون مناسبة حزن أو عمل ما " ..

اشتريت باقة نرجس من سيدة هرمة مقعدة ، هززت لها رأسي وهي تكلمني بهدوء ، وإذ لم أرد عليها ، فهمتُ منها أنها تسألني إن كنت تركيًّا .. ابتسمتُ نافيًا ، وابتعدتُ عنها وهي تخاطب جارتها ..

وسبق أن تعرضت لأكثر من موقف كهذا ، فيظنني مُحَدِّثي تركيًا ، للشبه الكبير بيننا ، كما يقولون ..

السوق طويل ، وفيه عدد من مورِّدي الزهور ، يوزعونها على الباعة ، وينتقلون من مكان إلى آخر بسياراتهم الملونة بآثار الطين والحشائش ..

وجدت مَن سرتُ معه في طريقه إلى مكان انطلاق الحافلة .. وحين وصلت إلى الموقف المخصص ، عرضت العنوان على السائق ، فأكد لي صواب الوجهة ..

تحركت الحافلة على الطريق الساحلية .. إلى اليمين يمتد البحر عاكسا أشعة الشمس ، وإلى اليسار ، تلال وجبال مكسوة بالشجر والمباني الجميلة الملونة بالأبيض ، المسقوفة بالقرميد الأحمر ، وقد بدأت الحركة تتسارع عبر سيارات وحافلات تنقل سياحا بسحنةٍ اسكندنافية ، يفضلون قضاء عطلاتهم على شاطئ البحر الأسود ..

حافلتنا تسير ببطء ، وتتوقف عند مواقف محددة ، يصعد إليها ركاب ، وينزل آخرون ..

وحين تسلقت الحافلة طريقا جبلية ضيقة ، صار المنظر أكثر جمالا وروعة ..

كنت أستمتع بتلك المشاهد الآسرة حين خاطبتني السيدة الجالسة إلى جانبي أكثر من مرة .. التفت إليها بحيادية وكأني لم أسمعها .. ظنتني أصمّ وأبكم على ما يبدو ، فلكزت فتاة أمامنا ، وهمستْ لها وهي تومئ بإصبعها إلى أذنها وفمها ..

نظر السائق إلي عبر المرآة ، وأشار بأن أتحرك للنزول حيث توقف .. انتبهت السيدة إلى ذلك ، فأزاحت لي ، وهي تكلم السائق مستفسرة عن حالي ، ربما ..

نزلتُ في ساحة ترابية ، في صدرها العالي تمثال حجري نصفي على قاعدة تسلقتْ عليها الأعشابُ ، فغطتْ كثيرًا من الكتابات المنتظمة والمضافة عليها ..

مشيت إلى التمثال ، وجدتها فرصة مناسبة لوضع باقة النرجس ، تأملته ، وغسلت يدي ووجهي من ماء ينز من أعلى القاعدة .. تلفت حولي .. لا شيء يحرك الهدوء سوى نسمات لطيفة ، تحمل أصواتا آتية من مكان ما .. وبدا المكان ساحرًا وقد ارتمى البحر عند أقدام التلال والجبال ، تمخره القوارب والدراجات المائية النزقة ، بين أمواج متوسطة القوة ..

قليلة هي البيوت المحيطة بالساحة .. وهي ريفية متواضعة .. خرج من إحداها خروفان تتبعهما فتاة يافعة ، توقفتْ حين فاجأها وجودي ، ثم تابعت بلا اكتراث ..

تسلقت الطريق الإسفلتي المتعرج ..

أين سأجدها ، وكيف ؟؟ وما الذي أتى بها إلى هذا المكان ، ومنذ الصباح الباكر ؟! ولماذا لم تخبرني بذلك ؟!

زادتني التساؤلاتُ حيرةً .. أشعلت سيكارة وأنا أمشي إلى الوراء متقيا لفحات هوائية باردة وقوية ..

بدأ الصوت يصلني أكثر وضوحا مع تقدمي في المسير .. وهي أصوات ناعمة ، تتضح رويدا رويدا ، وكان لا بد من تمييز صوت غالا بينها حين رنت ضحكتها فجأة وكأنها استجابة لنكتة رُويَتْ لها همسًا .. حددت مكان الصوت بدقة ، واقتربت من جدار أقصر مني .. التقت عيناي بعيني غالا ، فتوقفت عن الكلام وقد عقدت المفاجأة لسانها ..

لم يكن في فسحة الدار غيرهما ، تقفان متقابلتين حول كمية من البندورة ، وترتديان ثيابا ملوثة بعصيرها ، فيما لم يسلم وجه غالا ولا شعرها من ذلك التلوث ..

ربما لم تكن غالا لتفاجأ برؤيتها لأي شخص آخر غيري .. ولمَا انتابها ما انتابها حين تقابلت عيوننا .. التفتت الفتاة الأخرى إلى الوراء ، وبدأت تتنقل بنظراتها بيننا .. تسمّرْنا أنا وغالا ، وسكن كل شيء آخر سوى النظرات الحيرى .. وأدركت الفتاة أن غالا تعرفني ، لأثر وقوة المفاجأة عليها .. تبادلتا عبارات موجزة سريعة ، واقتربت غالا من الجدار .. سألتني باندهاش هادئ ومكتوم : كيف عرفت أني في هذا المكان ؟ من أوصلك ؟ كيف وصلت ؟ من أعطاك العنوان ؟ يا إلهي .. هل نزلتَ من السماء ؟ كيف اهتديتَ إلى البيت هنا ؟

كانت هذه المفاجأة أشدَّ وقعًا عليها من مفاجأة الزيارة بحد ذاتها ..

قلت لها بهدوء قاتل : الأمر بسيط جدا .. هذا هو العنوان بخط أمك .. ألا يكفي لوصولي هنا ؟!

التقطت أنفاسها ، فيما كانت الأخرى متشاغلة عن حديث حاولت أن تلتقط أطرافه فلم تفلح ..

تطايرت قصاصة الورق التي رميتها خلف الجدار ، واستدرت غاضبا محتقن الوجه ، متوترا مستاء ..

ساعدني الهواء وانحدارُ الطريق ، على التسارع في المشي ، تتبعني نداءاتها المُلِحَّة بالعودة ، ثم ما لبثت أن اختنق النداء في حنجرتها ..

غير بعيد ، توقفت بجانبي سيارة صغيرة ، تقودها سيدة .. قال لي الرجل الذي بجانبها شيئا ، وأزاحت الفتاة التي وراءه نحو الداخل .. لم أتكلم .. صعدت بجانبها ، تلاقت بعض عيوننا ، فيها ملامح ريفية بسيطة وناعمة ..

انطلقت الفتاة تتكلم وتتكلم إلى حد الثرثرة ، مستغلة إصغائي ، لكن الرجل تدخل بعد أن قلت لها ببطء وبالإنجليزية : أنا لا أعرف لغتكم .. وفهمت منه بصعوبة أنهم من القرية المجاورة لهذه القرية ، وهم ذاهبون إلى فارنا لمراجعة الطبيب .. ثم أجاب عن أسئلتهما ، وقد أسقط في يد الفتاة أنني لا أفهم لغتها ولا تفهم لغتي ..

كان يوما لا يوصف ، ولا يُشتهى لا لصديق ولا لعدو ..

مر النهار وشطرٌ من الليل قبل أن أعود إلى البيت ، ولما عدت ، فتحت لي الأمُّ بابَ غرفتي وقد وضعتْ حقيبتي فيها بعد أن غادرَها ذاك الشاب ..

فهمتُ من الأم أن غالا لم تعد بعد .. كانت كلها قلقة .. وجهها وصوتها وحركاتها .. وبالإشارة خففتُ عليها شيئا من القلق ، بأن أخبرتها بذهابي إليها صباحا حسب العنوان ، ومقابلتها ..

لا أعرف متى غفت عيناي .. لكني صحوت قبيل الحادية عشرة .. مشيت إلى الصالة .. لا توجد حركة في البيت .. لا أحد .. حضّرت القهوة وعدت ، وتركت باب غرفتي مفتوحا على غير المألوف في كل مكان شاهدته من بلغارية ..

" إنهم يَهوَوْنَ الأبوابَ المغلقة دومًا وأبدًا .. إنها بلد الأبواب التي يجب أن تكون مغلقة " ..

جاءت الأم من الخارج تحمل أكياس المشتريات ، وأومأتْ للساعة الجدارية : بأن طعام الغداء سيكون جاهزا بعد ساعة ونصف .. هززت برأسي ، وخرجت هائما بعيدا عن البيت والكشك : حيث لا عين رأت ولا أذن سمعت .. وذلك أهْوَنُ وأخفُّ وطأة ..

☼☼☼

إن كل ما يمكن أن يقال بعدئذ ، إنما هو تفاصيل ثانوية تتشابه مع غيرها ، وربما تتطابق ، وهي تحصيل حاصل ، وما عادت تضيف جديدا ..

لذا ، سأسرد مقاطع مترجمة من رسالة غالا التي وصلتني في /04/11/1991 أي بعد هزيمتي تلك بقرابة شهرين ..

كتبتْ :

" اعذرني أنني تأخرت في الكتابة إليك ..

" أجد نفسي مضطرة لأوضح لك أمورًا كثيرة ، ولا أدري إن كنت ستفهمني بالشكل المطلوب !!

" تعودتُ أنا أن أكون مستقلة بكل شيء ، وحتى في الحب .. ولا أريد أن يُملى عليَّ كيف يجب أن أحب ، ومع مَن سألتقي ، ومع من أتقاسم وقتي ..

" لا أريد أن أمتلك شيئا بمقدار النصف .. وإذا لم أكن قادرة على امتلاكه كله ، فمن الأفضل ألا أملكه على الإطلاق ..

" كان من الصعب عليّ جدا أن أفترق عنك .. ولكني يجب أن أفعل ذلك .. ليس لي الحق في أن آخذك من عائلتك ، وأن أفرض عليكَ طريقتي في التفكير ، وفي الحياة ..

" وإضافة إلى ذلك ، فإنني لا أريد أن أحب .. لأنني عندما أحب ، فإنني أتعلق بقوةٍ فيمن أحب ، وهذا يتناقض مع طريقتي التي أريد أن أعيش فيها حياتي ..

" وهذا لا يعني أنني سأبقى وحيدة طيلة عمري ، ولكن ، حاليا هذه هي رغبتي .. وإذا ما كانت رغبتي أن نفترق ، فإن الأمر سيكون سيئا بالنسبة لي ولك على السواء .. حيث أنك لا تستطيع أن تكون إلى جانبي باستمرار ، وأنا أريد أن تكون إلى جانبي .. فكيف ذلك ؟!

" ربما لأنني معك أحس بالأمان الذي لم أحسسه مع أي شخص آخر حتى الآن ..

" أريد أن أصل إلى ما أريد بمفردي .. وبمفردي أريد أن أذلل كل الصعاب ..

" من الصعب علي كثيرا أن أفترق عن أناس أحببتهم ، ولكني في نفس الوقت ، ليس لي الحق في إرادتي أن تكون من أجلي ولي فقط ..

" سيسعدني أن أراك من جديد .. ولا أريد أن أفقدك كصديق ، وأنت أعطيتني الكثير الكثير المطلق.. وأنت أعدت لي من جديدٍ الثقة حتى في نفسي ..

" أنا آسفة أن يكون بيننا حاجز لغوي ، حيث لدينا أن يقول كل منا للآخر الكثير من الأشياء .. أليس كذلك ؟

" أنت تمكنت من تحقيق أشياء كثيرة أنا مازلت أطمح من أجل تحقيقها وأناضل من أجلها ..

" سيسعدني كثيرا أن تكتب لي .. يمكن أن تكتب وبالإنجليزية .. ألم تعدْني بأن تكون لي معلما ؟!!

" أرجوك أن تغفر لي كل شيء .. ربما يكون العالم مبنيا بهذا الشكل : أن نفترق عن أناس لا نريد فراقهم ..

" أعتقد أننا مختلفان كثيرا .. أنا حريصة جدا على حريتي الشخصية ، وأنت تريد أن تمتلك حتى تفكيري ..

" هذا هو حقك .. ولكن ليست هي رغبتي ..

" يسعدني أن أراك من جديد فعلا .. أرجوك اكتب لي ..

" تذكر : أنه دائما أهلا وسهلا بك في منزلنا ..

" لا تزعل مني أرجوك .. هكذا كان يجب .. سيسعدني كثيرا أن تحاول أن تفهمني ، ولا أريد أن تتذكر ما هو سيء .. اذكر فقط ما هو جميل .. """"

وشكراااااااااااااا

الإثنين ـ 04/04/2011

"" أعتذر من الإخوة القراء لبعض الاضطرابات الأسلوبية الواضحة في نص الرسالة المترجم ، وقد تركته كما هو بلا تصرف بحدود 99% .. وفهمته جيدا وهو على هذه الحال .. ""