الجمعة، 4 فبراير 2011

مطبِّعون ، مهرولون ، عملاء تحت الطاولة

مطبِّعون ، مهرولون ، عملاء تحت الطاولة

كنت واثقا من أن حملة من الافتراءات ، يشنها بعض من استغل وركب موجة المواقع الاجتماعية الإلكترونية ، لن تصل بهم إلى نتيجةٍ يتوخونها ، لأنها ، وببساطة ، فاقدة للحرارة والمصداقية ، وللمشروعية الحقيقية ، وتقدِّم الطـُّعمَ للشعب مغلـَّفا بالمنِّ والسلوى الوهمييْن ..

فكان الشعب أوعى وأذكى من تحريضهم ، وأكثر حذرًا في التعامل مع هؤلاء الذين تناشطوا عبر الفيس بوك وغيره ، فدعوا الشعب السوري للتظاهر أمس ، فيما سموه : " يوم الغضب السوري " ..

1 ـ

ورغم يقيني المسبق أن هؤلاء لن يحصدوا سوى الخيبة ، ومهانة عدم الاستجابة ، والاستهزاء بهم وبدعوتهم ، إلا أنني راقبت العديد من القنوات الفضائية ، وخاصة تلك التي " تنتظر وتترقب ، لتتصيد حدثا كهذا " ، وانتظرت حتى الليل ، فلم أسمع ، ولم أر أي شيء يوحي بحصول ولو " شيءٍ ما من الاستجابة " ..

وفي الليل ، قرأت في إيلاف الجريدة ، " التي تؤيد هؤلاء وتدعمهم وتروج لهم ، مقاليْن :

الأول : يعبر عن الخيبة والمرارة والدهشة الجوفاء ، التي تكشف عن قصر نظر من لا يعرف ما خلف هذه الدعوة ، ومَن وراءها ، ولماذا يُرَوَّجُ لها ؟؟ ..

والثاني : يُوَصِّفُ الأحوالَ نهار أمس ، موعد الدعوة ، بأن " كل شيء عادي وطبيعي في شوارع دمشق " ..

وهذا كل ما في الأمر ..

أما شعار " يوم الغضب " المنشور مع أحد المقالين ، فهو " جميل حقا " .. ويعبر تماما عن الغضب الذي يحتقن به الشارع السوري من أمثال هؤلاء الذين يريدون أن يقدموا الشعب والوطن ضحية مجانية لأعداء الشعب والوطن ، من أجل مصالح شخصية صغيرة وتافهة ، إزاء المصلحة الوطنية والقومية ، التي يُراد تصفيتها لصالح الأعداء ..

لكني ـ ولا أكتمكم سرًّا ـ شعرتُ بكثير من الأسف لحال مَن كتبتْ تعليقا على مقال " الخيبة " ، تستنكر :

" كيف لا يتظاهر المواطنون السوريون ، وقد زُجَّ بثلاثة أرباعهم في السجون ؟؟!! ـ حسب قولها ـ ..

وأنها احتجاجا ، سحبت انتماءها لهذا الشعب " ..

يا سيدتي : إذا كان ثلاثة أرباع الشعب في السجون ، وأنت الربع الباقي ، وقد سحبتِ انتماءك لهم ، فمن بقي ليلبي دعوتكم " العطرة ، الكريمة " ؟؟!!

2 ـ

لكن ، لماذا لم يستجب الشعب السوري لدعوة التظاهر تلك ؟؟

سؤال حتمي ، يمكننا الإجابة عليه بعد السؤال التالي :

أي النماذج الثلاثة ـ المشار إليها في العنوان ـ يجب على سوريا الاقتداء به ، حتى " يرضى " هؤلاء عنها ؟؟

هل نموذج المطبِّعين هو المثال الذي يجب على سورية الاقتداء به ؟؟

ليكن ..

هذا هو نظام التطبيع الأول في الوطن العربي ..

النظام المصري .. وهو عريق في تجربته " التطبيعية " مع العدو الصهيوني ومع أمريكا ، وهو رأس الأنظمة العربية " المعتدلة " والتي تنضوي تحت العباءة الأمريكية ، وتضرب بسيفها في المنطقة ، ومارست البلطجة على سوريا ولبنان من أجل تمرير المصالح الصهيونية ..

أربعون عاما فقط من التطبيع والعمالة والخيانة والتآمر ..

ما رأيكم بهذا النموذج بعد أن تخلى عنه مستخدِموه ؟؟

انظروا إليه جيدا ، وتمعّنوا ، ثم احكموا .. إنه أمام أعينكم بالنقل المباشر والحي ..

هل هو النموذج المفضل لكم ؟؟

فإذا لم يعجبكم هذا كثيرا ، فاختاروا النموذج المطبّع الثاني ، مثلا ..

أم لعله الأفضل برأيكم ، نموذج " العملاء تحت الطاولة " ..

ليكن : هيا .. عليكم بنموذج النظام التونسي .. ما رأيكم ؟؟

فإذا لم يعجبكم النموذجان السابقان ، يمكنكم أن تختاروا النموذج الثالث :

نموذج " العملاء والمهرولين والسُّعاة " ..

اختاروا أيا من الأنظمة التالية : النموذج المغربي أو اليمني أو العماني ، مثلا ؟؟

ماذا قلتم ؟؟

لا بأس ، لا تريدون أي نموذج منها ..

إذن ، لعل النموذج اللبناني أفضل من هؤلاء جميعا ..

فهو " واحة الديمقراطية العربية " ، " ومهوى القلوب " ..

وهو الآن ، بسقوط تيار الحريري ، خارج تلك التصنيفات ، لكنه نموذج سياسي عربي قائم ..

وفي العادة ، تكتسب حكوماته مواقفها من التجاذبات الإقليمية والدولية ، وهو دوما على كف عفريت ، وينام المواطنون فيه وقوفا ، وبعين واحدة ، تحسّبا لكل طارئ ..

فهل هو النموذج المفضل لكم ؟؟

3 ـ

لا بأس أيضا .. سأكرر السؤال :

لماذا لم يستجب الشعب السوري لدعوة التظاهر ؟؟

ـ السبب الرئيس في رأيي ، أن النظام السياسي السوري لا ينتمي إلى كل تلك النماذج ، بل يتعارض معها ، ويختلف معها ، وعنها اختلافا كبيرا ..

ويكفيه أنه ليس من هؤلاء ، حتى لا يستجيب شعبه للتظاهر ضده ..

يكفي سوريا أنها لم تستسلم ، ولم تطبّع ، ولم تهرول ، ولم تتعامل مع الأعداء من تحت الطاولة ..

بل ، حين اشتدت الهجمة الأمريكية عليها بعد غزو العراق ، لمعارضتها لهم ، اختارت سورية المواجهة على الاستسلام والانصياع ، على الرغم من التفاوت الكبير في القوى والمقدرات ، ورفضت " إملاءات كولن باول " بينما ركع الآخرون جميعا لبوش ورايس ، وكانوا قد قدموا كل ما أمكنهم لأمريكا حتى تمكنت من تدمير العراق واحتلاله ..

وحين تكالبت الهجمة الأمريكية الصهيونية بعد مقتل الحريري ، اختارت سوريا المواجهة على الانصياع ، رغم كل ما فعلوه ، ولم يكن قليلا ، حصارا وعزلة وعدوانا ، ولم ينالوا منها تنازلا واحدا ، حتى تراجعوا هم ، وبقيت سوريا في موقعها المتقدم وطنيا وقوميا داعمة للمقاومتين اللبنانية والفلسطينية ..

أليس كذلك أيها الداعون " الوطنيون المحترمون " للتظاهر ضد النظام السوري ؟؟!!

هل اتعظتم من ردة الفعل التي لمستموها من الشعب السوري ؟؟

إنكم لم تفهموا الشعب السوري بعد .. أنا أساعدكم في ذلك :

إنه يكره العمالة والخيانة والتخاذل والتآمر ، ولا يستجيب للدعوات المشبوهة التي ستنال من وحدته الوطنية وهدوئه واستقراره ، وهو ليس مستغنيا عن شيء منها ، ولا يفرط بأي جزء من أجزائها لمجرد التقليد ، أو السير العشوائي ، أو التخلي عن خياراته ومصالحه الوطنية والقومية لصالح أعدائه .. أفهمتم ؟؟

تحية لإرادة الشعب العربي السوري الحرة ، الواعية ، الناضجة ، التي تميز عدوها من صديقها جيدا جدا ..

السبت ـ 05/02/2011

مصر نموذجا للعفوية الصادقة

مصر نموذجا للعفوية الصادقة

قبل كل شيء ، لا بد من توجيه أعظم تحية إكبار وإجلال للشعب العربي في مصر ولشهداء انتفاضته ، لوقوفه صفا واحدا ضد نظام العمالة وأزلامه ، كما لا بد من أن نؤكد على ضرورة الاستمرار في حشد كل الطاقات البشرية المتاحة ، حتى إسقاط هذا النظام .. والتوجه إلى العلي القدير أن يحفظ مصر وشعبها من كيد " بلطجية النظام " ومن الأعداء المتربصين ، ومن العملاء الخونة للشعب والوطن والأمة ..

ملاحظات على هامش الثورة الجديدة المتجددة :

من خلال متابعة متقصية لشاشات التلفزة التي تبث أخبار الثائرين المصريين ، طازجة ، وعلى مدار الساعة ، يمكن للمتابع أن يسجل عددا من الملاحظات السريعة التي تتصف بها تلك المسيرات الانتفاضية التي تعم مدن مصر العربية ، لإسقاط نظام العميل المتآمر ..

أولا : سلمية هذه التظاهرات التي لم نلحظ فيها ما يمكن أن يحدث في مثل هذه الحشود .. ولولا أزلام النظام وزبانيته ، ما فقد الشعب المصري بعضا من فلذات الأكباد ..

ثانيا : خلو المسيرات من الرايات واللافتات والشعارات الحزبية التي يتجمع حولها مناصروها أو محازبوها .. إلا في حالات ضيقة جدا لا تعكس أعداد المتظاهرين الحقيقية ..

ثالثا : إن المواطنين الذين نشاهدهم في ساحة التحرير ، مثلا ، يفترض أن غالبيتهم العظمى من البيئة المدنية القاهرية ، ويفترض أيضا ، أن تبدو عليهم ملامح النعمة المدنية القاهرية .. بينما نشاهد العكس ..

رابعا : إن المتظاهرين في المدن المصرية الأخرى لا يختلف وضعهم عن متظاهري القاهرة ..

خامسا : اشتراك " الخيالة والهجانة " قبل يومين ، في ترويع المتظاهرين ، مشهد غير مألوف في مثل وقتنا الحاضر ، الذي تتسلح فيه الشرطة ورجال التدخل السريع بأحدث المعدات التي تساعدهم على تنفيذ مهامهم ضد الشعب ..

سادسا : تكررت كثير من المواقف الرسمية المصرية المتخبِّطة والمْباغـَتة ، بما يجعلها شبه متطابقة مع السيناريو الذي جرى تنفيذه في تونس الشهر الماضي ..

سابعا : لقي المتظاهرون دعما شعبيا عربيا وعالميا كبيرين ، وخرج كثير من المناصرين ، في عواصم العالم تأييدا لهم ..

ثامنا : تأخر الموقفان الأمريكي والأوربي حتى عبّرا عن انحيازهما للجموع الثائرة ضد فرعون مصر ، بعدما تيقنوا أن الشعب المصري قال كلمته ، وانتهى الأمر ..

تاسعا : خسر الصهاينة صديقا عزيزا لهم ، برحيل " بن علي " عن تونس ، لكنهم ، أعلنوا " الحداد الرسمي لأجل غير مسمى " حزنا على " اللا مبارك " .. ولم يكتفوا بذلك ، فاستنجدوا بمن يساعده ويساعدهم على إنقاذه من براثن " الرعاع والغوغاء " ..

عاشرا : موقف الجيش المصري كان سلبيا جدا إزاء المتهجمين على ميدان التحرير ، وليست الحيادية أن يقف متفرجا على الدماء المصرية يهدرها أنفار مأجورون مرتزقة ..

أحد عشر : كان السيد عمر سليمان في مقابلته التلفزيونية أمس ، كمن يجلس أمام قاضي التحقيق ليدلي باعترافاته الإجرامية ، فبدا مهيض الجناح ، مستسلما ، تعروه ذلة النظام وانكساره وانتهاؤه وتلاشيه ، كونه أحد أهم أركانه ..

اثنا عشر : بسرعة غير متوقعة ، وصل صدى صوت المتظاهرين لعدة عواصم عربية ، منها الحليف للموقف الأمريكي ، كما في الجزائر واليمن ، ومنها الأردن ، الذي وقع اتفاقية " سلام " مع الصهاينة .. فلجأت إلى المساحيق التجميلية الاستباقية ، تحسبا ليوم آتٍ ، لا ينفع الظالمين ظلمُهم ..

بعض الدلالات :

الأولى : دلالة واضحة وأكيدة على أن هذا التظاهر سلمي وعفوي مئة بالمئة ، ويشارك فيه خليط من المواطنين ، غير متجانسي العقيدة السياسية أو الدينية ..

الثانية : إن في هذا الخليط غير المتجانس ، تكذيب مباشر لادعاءات ومزاعم البعض ، بأن الإخوان المسلمين يسيطرون عليها ..

الثالثة : إن المتظاهرين ينتمون إلى الطبقة الساحقة المسحوقة من أبناء الشعب ، الذين تبدو عليهم بشكل واضح ، علائم سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية التي يعاني منها غالبية أبناء الشعب المصري جراء السياسات الخرقاء للنظام الفاسد ..

الرابعة : ليس للأحزاب المصرية الرئيسية وجود حقيقي في ميادين التظاهر ، وكأنها ، ليست أقل مباغتة بها من النظام نفسه .. وإن كانت استدركت هذا الأمر بعد وقت ..

الخامسة : التفَّ الهلع الصهيوني مما ستخبئه لهم أيام المستقبل القريبة ، كالأنشوطة حول رقابهم ، فغامت الرؤيا عن بصيرتهم وبصرهم ، وهم يتخبطون في حيص بيص ..

السادسة : حين يصبح النظام على كف عفريت ، يلجأ إلى إحراق مراكب العودة ، فيستوحش ، ولو أحرق الأخضر واليابس ، ويستأسد ، ولو كان متأكدا أنه نمر ورقي وليس كرتونيا ، حتى ..

السابعة : وهي الحقيقة الوحيدة الأكيدة ، التي لا تقبل جدالا ولا نقاشا ، ولا مناورة ولا مداورة ، ولا تجميلا ولا تسويفا ، بأن إرادة الشعب لا تقهر ..

ولن أزيد ..

جمعة الرحيل ـ 04/02/2011

الخميس، 3 فبراير 2011

مصر .. هي مصر .. وكفى ..

مصر .. هي مصر .. وكفى ..

مصر سبعة آلاف عام من الحضارة والنور ..

مصر التي ما رضخت يوما إلا لبارئها ..

مصر .. هي مصر .. هي أم الدنيا الحنون ..

مصر .. هي الأخت الكبرى التي نستظل بفيء تاريخها ..

مصر .. النيل الذي لا أعذب ولا أبرد ولا أحلى ..

مصر .. هي مئات آلاف الشهداء على مذبح حريتها وحرية أشقائها وشقيقاتها ..

مصر .. هي بوابتنا ، وهي نافذتنا المشرعة للحق والخير والجمال .. والحرية ..

مصر .. هي الراية التي لا تطالها راية ..

مصر .. هي مصرنا مثلما هي مصركم ..

مصر .. لنا فيها مثل ما لكم فينا .. حب ووفاء وإخوة أبدية ..

مصر .. تقول الآن للتاريخ : قف .. ليس اليوم كالأمس ..

مصر .. تصنع الآن الفجر المنتظر بسواعد شبابها ورجالها ونسائها ..

مصر .. هي التي أرادوا أن يشطبوها من دفتر العروبة ، فأبت .. وثارت .. وزلزلت ..

مصر .. هي التي أرادوها مسرحا للخفافيش وطيور الظلام ونجمة داوود ، فرفضت ، وأعلنت صدق انتمائها ، وشفافية روحها ..

مصر .. هي التي لا تقبل تطويعا ولا تطبيعا ، لأنهما ضد منطق الحياة والأخلاق والأعراف والديانات ..

مصر .. هي التي أرادوا مصادرة إرادتها في غفلة من الزمان الصعب ، فانتفضت لتترعهم كأس المهانة والذلة اللتين يستحقونهما ..

مصر .. التي أرادوا أن يهجنوها بلقاح الأجنبي والغريب الأجرب ، والعدوان ، فانتصرت لدم عروبتها ، ونسيجها المتآخي ..

مصر .. آآآآآآآآآآآه يامصر ..

كم دسوا وتآمروا حتى استطاعوا أن يوقعوا بيننا ، ليتخلصوا من الفكين الأقوى والأمتن ، المُمْسكيْن برقابهم !!

كم حاولوا أن يصبغوا وجهك بغير السمرة المحببة لنا !!

كم حاولوا أن يقطعوا أوصالك عن ماضيك وحاضرك ومستقبلك الحقيقي !!

كم حلموا بأن شعبك استكان ورضخ للطغاة ممن رضعوا حليب الطهر ، فصار علقما في أفواههم القذرة !!

كم ناموا في العسل وهم يتآمرون عليك لتبقيْ حاجز أمان لهم ضد أشقائك !!

كم راهنوا على مستقبل أسود لك ، كي تبقى دناءاتهم مرتاحة البال من جانبك !!

كم سال من أفواه هؤلاء الكلاب لعابُ الشهوة ، كي يدنسوا عفافك ، فانقلب السحر على الساحر !!

بوركت ، وبورك شعبك .. ولنعم الشعب الثائر المنتفض ..

لن تكون فرحتنا بانتصاركم ، أقل من فرحتكم به إن شاء الله ..

مصر .. هي مصر .. وكفى ..

عاشت مصر

عاشت أمتنا العربية ..

الخميس ـ 03/02/2011

حان وقت الفيلة يا ملك الزمان .. سبحان الدايم

حان وقت الفيلة يا ملك الزمان .. سبحان الدايم

ملاحظات متفككة :


جدَّدَ الشعب المصري قوّته ، في ظل غياب قيادة حقيقية ناضجة ، وواعية لآفاق العمل الوطني لهذه الثورة ، مما يؤكد أن الشعب تجاوز كل قياداته السياسية وسبقهم لتحقيق الثورة على الطاغية ونظامه ، بعدما طفح بهم الكيل ، وتناثرت الإشارات من غربهم ، فتلقفوها في أوانها وفي مكانها الصحيح ، كما تلقفتها جماهير عربية أخرى ، في اليمن والجزائر والأردن والسودان ..

ولأول مرة ، ربما ، لا يكون للثورة رأس ، إنما ولدت في رحم الشعب ، وتمشي على أقدام الثائرين ، وهم أبطالها ، وهم أصحاب القرار فيها ، وما زالوا مستمرين ، ينتظرون أن توافيهم قيادة ، يسلمونها الزمام ..

2 ـ احتقان المشاعر الوطنية في الشارع المصري ، وتأزمها والتهابها إلى درجة الإهانة ، بعد فقدان كثير منها على يد النظام وأعوانه ، في تعاونه وتكامله مع عدوهم على حساب أشقائهم .. " فتضاءل الحجم الوطني والدولي " لمصر ، وتراجع كثيرا مداه وتأثيره ، حتى برزت دول صغيرة ، بحجم يفوق الكتلة الوزنية المصرية الفاعلة على الساحتين العربية والدولية ، مما أهان الشعب المصري في الصميم ..

3 ـ ثمة انفصام شخصاني في مشاريع الحركات السياسية المصرية ، فظهرت للعلن ، واهية ، ضعيفة ، مكشوفة الظهر ، تحمل في أحشائها بذور تناقض رهيب ، ما لبث أن بدأت ألسنة القيادات تتناوش على " الهبش " من الكعكة ، دون أن يقدم أحد منهم شيئا ، يساعد في الحصول الحقيقي على تلك " الكعكة " لاقتسام غنائمها ..

(( ويبدو أن هذا الأمر ينطبق على كثير من أحزاب المعارضة في البلدان العربية ، وبدا ذلك واضحا في ثورة ياسمين تونس ، مما اضطر الشعب التونسي إلى أن يجدد ثورته بعد أن أطاح بجلاده ، ليطيح بمن تسلقوا الحكم من رجال النظام البائد ، حينما لم يجدوا أحدا غيرهم في الساحة لاستلام السلطة منهم ، لضعف المعارضة ، وتشرذمها ، ومفاجأتها بما حدث ، في وقت لم تكن مستعدة فيه لاستلام السلطة بين يوم وليلة ، ظنا منها ـ في سوء تقدير ـ أن " النظام باق طويلا طويلا " .. ))

4 ـ المأساة الحقيقية ، أنه في بلد تعداده 80 مليونا ، لا يوجد فيه زخم سياسي ، يأخذ بيد هؤلاء المنتفضين ، ويسعى بهم في طريق إسقاط النظام ، وإبراز الهوية الوطنية المعادية للصهيونية وأتباعها ..

(( رغم أن كثيرا من القنوات الفضائية العربية التي تناصر الشعب المصري وعلى رأسها قناة الجزيرة (( وهذه تحسب لها )) ، تحاول تلميع واستنهاض همم رجال وقادة المعارضة ، وأن تضخ فيهم دماء وقوة ، و" تركب لهم أرجلا من قصب " كما يقال ، لكن ... مع الأسف الشديد .. لم تظهر نتائج إيجابية لكل ذلك حتى الآن .. بل ، بالعكس .. ))

فحتى الآن لم نجد ولم نسمع ، بمواقف محددة للمعارضة ، حول موقفهم من الصهاينة ، والاتفاقيات المعقودة معهم ، رغم أن الصهاينة استبقوا بالإعلان عن قلقهم على مستقبل العلاقات مع مصر ، في حال سقط النظام الحالي ..

وكل ما سمعناه ممن " يسمون أنفسهم " قيادات ، لم يحدد موقفه بعد من ذلك ، وكأن القضية لم يمض عليها أكثر من ثلاثين عاما ، وكأن .. كأن هذا الهمَّ وهذا المشروع لا وجود له في الأدبيات السياسية للمعارضة ..

وهذا يمكن أن يكون سببا رئيسيا في عدم الاستجابة المطلوبة للتظاهر المستمر والدائم ، حتى إسقاط النظام ..

وزاد الطينَ بلـَّة ، أمس ، الخطاب الثاني للا مبارك ، ودعوته للتفاوض ، فازدادت تنظيمات المعارضة انقساما على انقسام ، وقبل بعضهم دعوته المشبوهة وانخدع بها ، ربما ، عن حسن نية أو سوء نية ، ورفضها آخرون ..

لكن الشرخ الكبير وقع ..

5 ـ قدّم النظام المصري كل المصالح الخارجية على المصلحة الوطنية ، على أساس أن المزيد من الضغط على الشعب المصري لن يفت في عضده ، " كون خدّه معتادا على اللطم " ، ولن يصل به الأمر إلى ما وصل إليه ، وهو الذي احتمل كل ذلك ، قادر أن يحتمل أكثر ، لكن : شاء ذلك ، أو أبى ..

6 ـ إن النظام المدعوم من أمريكا والصهاينة ، الذين ساعدوه في ضلاله وجبروته بما يخدم مصالحهم ، بقي هو في موقع مَنْ يلحس قفاه ويتلمظ كالكلب الأمين ، يقود ما يسمى " جبهة الاعتدال العربية " ، التي أيدت المصالح الخارجية على حساب مصالحنا الوطنية والقومية ..

7 ـ وبالتالي لم يسمح النظام المصري بوجود حياة سياسية فعّالة ، ولا أحزاب سياسية ذات حضور حقيقي ، ولا مناخ سياسي وفكري وثقافي يساعد على وجود أو بروز أي معارضة تذكر لنظامه ..

وهذا هو الذي أضفى على ثورة الشعب المصري عفوية صادقة تنضح من قلب مكسور ، وعقل فجّره الظلم والفقر السائدان على مساحة أرض الكنانة ..

8 ـ إن نظاما متجذرا بالعمالة والخيانة والطغيان ، لا يمكن أن يُقضى عليه بمظاهرات لا تعكس في حجمها وتعدادها الملايين التي يتشكل منها الشعب المصري ..

فالقاهرة وحدها تضم أكثر من 15 مليونا ، وكان يجب أن يخرج في مسيراتها ما لا يقل عن خمسة ملايين متظاهر ، حتى يكون في ذلك رسالة قوية للنظام وللعالم ، بأن الشعب قرر إنهاء النظام ، بالضربة القاضية التي لا ترد ، ويستحيل الوقوف بوجهها ..

9 ـ إن خيبة الأمل في النخب الثقافية والسياسية المتفرجة أو السلبية ، جعل الانقضاض على الانتفاضة أمرا ميسرا للفئات المنتفعة من النظام ، كما حدث مساء أمس ، تحت سنابك الخيل ، وأخفاف البعير ..

وأتوقع ، أن الفيلة ستكون سيدة الموقف اليوم ، في ميدان التحرير ..

10 ـ الجماهير التي خرجت ، أدت واجبها بكل صدق وأمانة ، لكني سأبقى قلقا على إنجازاتها ، حتى نرى مصر الجديدة العزيزة الأبية في مكانها ومكانتها من قلوبنا جميعا ..

تحيا مصر ..

تحيا الأمة العربية ..

الخميس ـ 02/02/2011

الأربعاء، 2 فبراير 2011

نيرون الكنانة يحرق القاهرة

نيرون الكنانة يحرق القاهرة

إن ما تنقله الشاشات من صور مخزية في ميدان التحرير في القاهرة ، تدل بما لايقبل الشك ، أن نيرون مصر فعلا يريد حرق القاهرة ، ويريد إجلاء المعتصمين منها بأي ثمن ، ولو " بثورة الحجارة ، بقيادة رجال الأمن والحزب الحاكم " ..

اهنأ بها أيها الفرعون .. فقد صحا رجال حزبك من سباتهم ، وها هم " يثورون بالحجارة ، والقنابل الحارقة " ..

اهنأ بها ..

انظر من نافذتك يا نيرون ، كيف يحرق رجالك شعبَك ..

انظر بحقدك ، كيف تتساقط الحجارة على من اعتصموا سلميا ضدك ..

افرح بهؤلاء الأزلام الذين لم يستطيعوا حمايتك وأنت على سروج خيلك ..

فهل سيحمونك ويعيدونك إلى السرج بعد أن لفظك شعبك ، ورجمك ، وأبى أن يهدأ إلا برحيلك ؟؟

إن حياد جيشك الآن كحياد أسيادك الأمريكان ..

في الأيام الأولى من الانتفاضة سحبتَ شرطتك وتركت البلاد تحت رحمة رعاعك وأزلامك ..

والآن سحبتَ جيشكَ ، وتركتَ ميدان التحرير بمن فيه تحت رحمة رجال أمنكَ وبوليسك السري ..

اهنأ .. افرح .. فلا يهمك أن تعود إلى عرشك ولو بعد خراب البصرة ..

انظر إلى شرطتك كيف " يستبسلون " في رمي الحجارة والقنابل الحارقة ..

إنهم أسُودٌ الآن ، وفي الحرب نعامة ..

اهنأ بهم .. هذه أولى إنجازات وزارتك الجديدة ووزير داخليتك ..

" حماه الله " من عيني على فهلويته وفحيحيته .. إنه ديك فحيح بحق .. بالأمس صار وزيرك ، واليوم زج رجاله في معركة " الشرف والكرامة " ضد أعدائك ..

لقد اخترتَ يا نيرون ، وأحسنتَ الاختيار ..

هذا صنيع وزير واحد من الوزراء الجدد ، فماذا سيصنع البقية من " جميل إبداعاتهم وفظائعهم القمعية " ، " لترويض الشعب " على عدم العصيان ؟؟ وعدم التألم ، وعدم الشكوى ، وعدم التذمر ، وعدم الاحتجاج ، وعدم الإدانة ، وعدم التظاهر ، وعدم التهامس ، أو التجمع أو التكاتب على الإنترنت ..

بعد هذا " الترويض " ، أيها النيرون ، سيخلو لك الجو مع رجالك " الأشاوس الأشداء " .. فعلـِّقْ لهم نياشين النصر وأوسمة المجد الذي سينالك من " عظائم " أفعالهم ..

واهنأ بهم .. وعش رغيدا .. سعيد ااااااا

لكن .. لن تهنأ أبدااااااااا

ستلاحقك لعنة 80 مليونا ، ومعهم 300 مليون عربي ..ومعهم مليار مسلم ، ومئات ملايين الأحرار في العالم ..

ألا تكفيك لعنة كل هؤلاء ؟؟!!

اهنأ بهذه إذن .. ولتلحقك اللعنة إلى أعماق قبرك ، كي تؤنسك هناك ، كما يؤنسك أزلامك هنا ..

فعلى أي جانبيك تميل ؟؟؟

الأربعاء ـ 02/02/2011

الاتجاه المتعاكس للا مبارك

الاتجاه المتعاكس للا مبارك

" لكن بالمقابل " هذه هي النقطة الفاصلة في مقدمته ، التي ينتقل عندها فيصل القاسم ، من إحدى ضفتي المقدمة إلى الضفة الأخرى ، في معرض تقديمه ضيفيه باتجاههما المتعاكس ..

وسأبدأ ، معتذرا منكم ومنه لاستعارتي شيئا خاصا به ..

لكن ، بالمقابل ، لماذا نلوم أمريكا والصهاينة ، وبين ظهرانينا ، رئيس عربي مثل " حسني اللا مبارك " ؟؟!

ـ من هي الدولة الأولى في العالم التي ، استفادت من النظام المصري طيلة سنوات حكمه الثلاثين ؟؟

ـ هل يختلف اثنان على الجواب ؟؟

ـ وهل استفاد الشعب العربي في مصر ، من نظامه ، بنفس مقدار الفائدة التي استحوذها الكيان الصهيوني من هذا النظام ؟؟

(( بالطبع ، يجب الأخذ بعين الاعتبار قبل الإجابة ، أن للشعب المصري حقوقا مفروضة وطبيعية على نظام حكمه ، لا يساويها ولا يعادلها أي حقوق أخرى ، لدول أخرى ، ولو كانت شقيقة )) ..

ـ فكيف الأمر حين يكون العدو مستفيدا من نظام حكم ، أكثر مما يستفيده شعبه منه ؟؟!!

بالتأكيد وصلت إليكم ، أيها السادة ، أجوبة تساؤلاتي ..

أنا لا ألقي بالمزاعم جزافا ، ولا أرجم بالغيب .. لكن نظرة موضوعية على أوضاع الكيان الصهيوني في مرحلة ما قبل كامب ديفيد ، وأوضاعه " الريلاكسية " بعدها ، تدلل بما لا يقبل جدالا ، أن النظام المستفيد الأكبر من نظام " اللا مبارك " هو النظام الصهيوني ..

ولذلك بدأ بيريز بكيل المديح له والأسى والتأسف على مصيره ، وانبرى نتنياهو ليطلب من " العالم المتحضر مثله "، إرسال نجدة للا مبارك تنقذه من " رعاع شعبه " ، حرصا على " أمن كيانه " ومصالحه ، وبقائه ..

لذااااااااااااا ، سمحوا له بإدخال بعض القوات العسكرية إلى سيناء ليحتمي ويتمترس خلفها من غضب شعبه ، في عاصمته " شرم الشيخ " ..

وهذا يحدث لأول مرة منذ توقيع معاهدة الذل والاستسلام في كامب ديفيد عام 1979 .. وهذا ـ بحد ذاته ـ كرَمٌ صهيوني لا يستحقه سوى حبيبهم المتهاوي ..

وعليه :

1 ـ إن نظامَ حكم معاكسًا لتوجهات النظام المتهالك ، يقدِّم أكبر خدمة للنضال العربي والفلسطيني ، ويزيد في عزلة الصهاينة ، ويحملهم على التفكير عشرات المرات قبل التعدي وشن الحروب على الشعب اللبناني أو الفلسطيني أو غيرهما ..

2 ـ إن التجرؤ والتمادي الصهيونيين على الشعب العربي وحقوقه ، ما كان ليتم ، لولا السادات المقبور ، واللا مبارك اللاحق به إن شاء الله ..

فهما أول من فرّط بحقوق الشعب العربي كلها ، ضاربَيْن عرض الحائط بكل أماني الشعب المصري ومصالحه ..

(( ألم أقل : إن الخط " الثلم " الأعوج من الثور الكبير )) ؟؟

ولعل مثالا واحدا يوضح جزءا من الصورة :

فمن المعلوم والشائع جدا شروط الاتفاقية المصرية الصهيونية التي يحصل بموجبها الصهاينة على الغاز المصري بثمن تفضيلي يقترب من المجان ، ولا يحلم به أي شعب عربي آخر .. ولا حتى الشعب المصري ..

3 ـ إن حاكما ، فرعونا ، طاغية ، يفضل عدوَّ شعبه على شعبه ، وعدوَّ أمته على أمته ، حريٌّ به أن يُدفنَ في مزابل العشوائيات المصرية ، حتى لا يذكره التاريخ بغير ما يستحق ..

لكني أربأ بتلك المزابل ، التي في ذلك المكان ، من أن يدنسها جسد " اللا مبارك " ، الأنجس من كل النجاسات ، والأخبث من جميع الخبائث ..

فهو ، ليس كالبقرة الضاحكة ، فحسب ، كما يصفه المصريون ، وهم على حق ، لكنه الخنزير الذي يرتمي بتكالبٍ على النجاسات والقذارات ، طوعا لأسياده ، ومحبة بخيانة شعبه ، وعن سابق إصرار وتصميم ، حتى غدا هذا الديوث اللعين ذا قرون ناتئة ..

بئس الرجال أنت أيها اللا مبارك ..

بئس القادة أنت أيها اللا مبارك ..

بئس من كان مثلك من أبناء الشعب المصري والعربي ..

اللعنة الأبدية عليك وعلى أسيادك وأتباعك ، لعنة أبدية لا تحول ولا تزول ..

غووووووووووووووووووووور ، في ستين داهية ..

أدعو الله بالنصر للشعب العربي كله ضد من هو مثل جلاد تونس ، وفرعون مصر ..

وأدعو الله أن ينتقم من كل جبار عنيد ، يطيح بشعبه وبأمته وبمصالحهما لغايات ومآرب خيانية ، خسيسة دنيئة ..

عشتم أيها الأشقاء .. وعاشت أمة ما تزال تنتفض على طواغيتها ، مهما غلت التضحيات ..

تحيا مصر ..

تحيا الأمة العربية ..

الثلاثاء ـ 01/02/2011

ملاحظة : كتب المقال قبل الظهور الأخير للا مبارك على الشاشة ليل البارحة ، لكن نشر المقال تأخر لبعض الإجراءات الفنية .. اقتضى التنويه ..

الثلاثاء، 1 فبراير 2011

أمريكا تخلع ثوب الأفعى .. تتجدّد في مصر

أمريكا تخلع ثوب الأفعى .. تتجدّد في مصر

تزعم الإدارة الأمريكية : أنها على الحياد التام " كالصراط والقسطاس " ، بين الجنة والنار ، بين الجلاد والضحية ، بين فرعون وموسى ، بين ميدان التحرير وشرم الشيخ ..

جميل هذا .. فهي إن كانت صادقة مع نفسها ومع الشعب المصري ، فإننا نريد منها أمرًا هامًا وبسيطا جدًا :

نريد منها أن تتمسك جيدا بموقفها الحيادي " الرائع " هذا ، إلى أن تنتصر انتفاضة الشعب المصري على جلادها ، وتفرض الحكومة الوطنية التي تتلمس قضايا شعبها الوطنية ، والقومية ..

وأن تتحدد هوية النظام الجديد بانتمائه العروبي المعادي للصهاينة ..

فقط .. نريد من الولايات المتحدة الأمريكية ـ ببيتها الأبيض ، وبوزارة خارجيتها ـ أن تبقى على هذه الحيادية ، وأن تتمسك بها حتى النهاية احتراما " لموقفها المبدئي " بالتزام " الحياد " بين الشارع والسلطة في مصر ..

وحيادهم هذا ، يَفترض عدم التدخل منهم في توجهات الحكم الجديد وسياسته ، أيا تكن هذه السياسة التي سيتبناها ثوار ميدان التحرير ..

أليس هذا شرطا لازما من شروط التزام الحياد ؟؟!!

ما رأي البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية ؟؟

لكن ، ماذا بعد أن تغيّر الحرباء لونها .. وتخلع الأفعى ثوبها ؟؟

لا شيء .. إنها تتجدّد .. وتجدّد علينا كذبها الذي لم يبدأ فقط غداة غزوها العراق ، ولن ينتهي مع المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ..

والحرباء ، يقولون : إنها تدافع عن نفسها بتغيير لون جلدها ..

لكن أمريكا .. ولأنها أمريكا .. الإمبراطورية الأعظم ، حاليا ، لا أظن أنها تحتاج لأن تدافع عن نفسها ..

ثم ، أمام مَن ستدافع عن نفسها ، وخوفا ممن ؟؟

إنها أمريكا .. وكفى ..

فهي ليست مضطرة للدفاع عن نفسها ، حتى على الصعيد السياسي .. إنما ، ما تنثره من " مساحيق " على وجهها الدبلوماسي ، بهدف " التجميل ، والتلميع ، والتحسين " وليس الدفاع ..

ناهيك عن الصعيد العسكري والإعلامي والاقتصادي .. فبينها وبين دول العالم بون شاسع ، تتقدمهم بسنوات طويلة ، وليس في الأفق ما يشير إلى إمكانية أن تدركها أو تقترب منها أي دولة ، على الأقل ، في المدى المنظور ..

والسؤال :

ما دامت هي على هذه الحال من الأفضلية والسبق ، وما دامت هي على هذه الحال من القوة والجبروت ، فهل هي مضطرة للمداهنة والنفاق ؟؟

وبالتالي ، هل هي مضطرة لاتخاذ وضعية الحرباء فيما يخص بعض القضايا العالمية ، وليس كلها ؟؟

كل هذه المقدمة ، في الواقع ، هي للوصول إلى النقطة التي توقفتْ عندها الإدارة الأمريكية أمس ، بخصوص موقفها من الأحداث الجارية في مصر ..

فقد أعلنت أكثر من مرة باسم البيت الأبيض ، وباسم وزارة الخارجية ، أنها تقف على مسافة واحدة من الشعب المصري وحكومته الحالية ..

وهذا موقف تخاذلي تأباه الأخلاقيات التي تتغنى بها إدارات البيت الأبيض ، ومبادئ حقوق الإنسان وشرعته المتصاعدة من برج هيئة الأمم في نيويورك ..

وفيما يلي جردة بسيطة لبعض المواقف الأمريكية القريبة الحدوث :

1 ـ فأمريكا وقفت إلى جانب الثورة الشعبيةالبرتقالية في أوكرانيا ، ضد نظام الحكم فيها ..

2 ـ وأيدت الشعب الجيورجي ضد حكومته ودعمته ماديا ومعنويا ، وأغضبت موسكو من أجل ذلك ..

3 ـ وهي طالما أيدت التحركات الشعبية في إيران ضد حكومتها ، وحرّضت عليها ، ودعمتها بكل الأسباب ..

4 ـ ووقفت في لبنان موقفا منحازا كليا لفئة ضد أخرى .. فأيدت وناصرت ودعمت قوى ما كان يسمى " 14/آذار " وفعلت الأفاعيل بقوى " 8/ آذار " ، وما تزال تتخذ نفس الموقف في لبنان ..

5 ـ وأيدت الشعب التونسي بعد تردد لا يذكر ..

6 ـ وتؤيد " الإرادة الشعبية " في الجنوب السوداني وتحارب العالم كله من أجل فرض هذه الإرادة القاضية بتقسيم السودان وتجزئته ، ولو على حساب القسم الآخر من الشعب السوداني في الشمال ..

هذه ستة مواقف أمريكية دولية ، وقفتها في أحداث مشابهة لما يجري في مصر الآن ، لكنها مغايرة لموقفها من أحداث مصر ، ومعاكسة لمواقفها السابقة ، وخارجة تماما على ما تدّعيه الإدارة من " دعمها للديمقراطيات الناشئة " ومعاداتها للديكتاتوريات والأنظمة المتسلطة ..

فما بال الإدارة الأمريكية الآن ، في موقفها العجيب مما يحدث في مصر الآن ؟؟!!

أين الموقف الأمريكي الحالي بالنسبة لأحداث مصر من تلك المبادئ ؟؟!!

أليست ذرائعها " بالوقوف على الحياد " كذبة ًكبرى ، وتضليلا ً، وادعاءاتٍ سخيفة تناقض مبادئها التي تبشر العالم بها ليل نهار ، وتصرعنا بجعجعتها ؟؟!!

يبقى السؤال الكبير :

لماذا وقفت أمريكا إلى جانب تلك الشعوب في الدول التي سبق ذكرها ، بينما تدعي أنها على الحياد فيما يتصل بمصر ؟؟!!

(( ولو أنني أرى : أن الحياد الأمريكي المزعوم إنما هو خديعة تضليلية ، وأنها كلما أكدت على حياديتها ، ازداد دعمهما للنظام الحاكم ، بعكس ما تدعيه )) ..

فحيادها المزعوم هنا ، هو انحياز تام ، ودعم مباشر " للنظام المتهالك المتداعي ، الذي هو رأس حربتها فيما يسمى " دول الاعتدال العربية " ..

ويبدو أن الشعب المصري لا يستحق من الإدارة الأمريكية موقفا داعما ولا مشجعا ولا مؤيدا .. فالشعب المصري شعب معاد للتطبيع ، وللصهاينة .. بينما إرادة " اللا مبارك " تعاكس إرادة شعبه ، وهي التي فرضت الاستسلام والتطبيع " الصوري " فرضا على الشعب المصري ..

من هنا ، يتضح لنا سبب خشية الإدارة الأمريكية الوقوف إلى جانب الشعب المصري ..

ومن هنا نفهم : لماذا خانت الإدارة الأمريكية مبادئها ؟؟

ومن هنا نعرف ، كم للشعوب العربية عندها من قيمة ووزن ، عندما يتعلق الأمر بالمقارنة بين هذه الشعوب ، والمصالح الصهيونية ..

فلو لم تكن مصر على حدود فلسطين ، لتغير الموقف الأمريكي بالتأكيد ..

لكن سوء حظ الشعب المصري ، أنه على مسافة أشبار من الحدود الفلسطينية .. من جهة ..

وأنه لن يقبل بنظام سياسي جديد ، يخرج من الأحشاء العفنة الخائنة للنظام الحالي ، من جهة ثانية ..

وهذا هو سر الموقف الأمريكي " الحيادي " المخادع والمزعوم ..

إنها ما تزال تقول نعم ، وألف نعم " لمبارك " ثان وثالث وعاشر ، ولو فني الشعب المصري كله ، ما دامت هذه الأنظمة تحقق للصهيونية مظلة أمنها وعنجهيتها ..

وهي إن تخلت عن اللا مبارك ، كشخص ، لكنها ـ لو استطاعت ـ فلن تتخلى عن اللا مبارك كنظام ، وذلك ، عن طريق دعم أعوانه وأزلامه ..

لكن .. " لن تتلقح هذي الأرض بغير اللغة العربية ..

فيا أمراء الغزو ، فموتوا " ..

ولن يكون هناك " الخراب " الذي يرد عقب تلك الأبيات من قصيدة " مظفر النواب " الشهيرة : وتريات ليلية ..

الثلاثاء ـ 01/02/2011