الجمعة، 14 يناير 2011

سعد الحريري يتنصَّل من الحل العربي

الزمان : الأربعاء ـ 21/01/2011

المكان : واشنطن ـ البيت الأبيض .

الحدث : السيد سعد الحريري دخل البيت الأبيض كرئيس لوزراء لبنان ، وخرج منه رئيسا سااااااابقا لوزراء لبنان .. فبقي لبنان ، وسيبقى .. وذهب الحريري ، وسيذهب من كان مثله .. أدراج الرياح ..

الزمان : الخميس ـ 22/01/2011

المكان : بيروت ..

الحدث : الرئيس اللبناني يصدر مرسوما يعتبر فيه حكومة الحريري سابقا ، بحكم المستقيلة ، ويطلب منها الاستمرار في تصريف الأعمال ..

النتيجة :

الحريري رئيسا لحكومة تصريف الأعمال .. في مجاريها ..

أعتقد أن لبنان ، كل لبنان ـ باستثناء جوقة الببغاوات الحريرية ـ قد أزعجه أن يتراجع الحريري ، من واشنطن ، عما كان يرتسم في الأفق العربي من حل ، يرضي اللبنانيين جميعا ..

وأعتقد أن اللبنانيين ، كل اللبنانيين ـ باستثناء جوقة الببغاوات الحريرية ـ لم يأسفوا على الطريقة التي أسقِط فيها الحريري ، لأنه لم يترك خيارا آخر تلجأ إليه المعارضة للدفاع عن نفسها أمام مؤامرة صهيو ـ امريكية تستهدف لبنان ومقاومته ..

وثمة مثال قريب سأسوقه قبل أن أكمل :

السودان : وبعد أن كان رئيسه البشير متهما بكل أنواع التهم ، وأهونها : ارتكاب جرائم التطهير ، وجرائم الحرب ، وجرائم ضد الإنسانية ، وصار رأسه مطلوبا في كل العالم ..

وبعد أن وافق على الاستفتاء الذي يمهد لانسلاخ الجنوب ، سامحته الإدارة الأمريكية وعفت عنه ، وصارت تتكلم عن رفع العقوبات الدولية عن السودان ..

إذن كل التهم التي كانت تسوقها ضد السودان ورئيسه ، ما هي إلا أساليب ابتزاز وضغط لإكراهه على الموافقة على سلخ الجنوب ..

وأرى ، لو أن السودان يبقى محاصرا لآخر الزمان ، ويبقى البشير مطلوبا لآخر حياته ، أهون من أن يطأطئ لأمريكا ، ويتقسم بلده ، وينسلخ الجنوب ليكون بؤرة تآمر جديدة ضده وضد الأمة العربية قاطبة ..

فما تم في السودان حتى الآن ، إنما هو البداية ..

وقد مكـّنهم البشير من ذلك .. وهذه خطيئة لن يغفرها له التاريخ أبدا ..

وكذلك ما تفعله أمريكا في لبنان ..

فلو طأطأت المقاومة لأمريكا ، لانتهى كل شيء يمسّها أمريكيا ، ولصارت حبيبة أمريكا أكثر من الحريري الأب وولده .. ولغضَّت الطرف عن سلاحها ، بل ، ولدعمتها بمزيد منه للوقوف في وجه الحريري وغيره ، ولصارت المحكمة في خبر ليس وكان معا ..

ألم تعرض أمريكا على سورية ، بعد اغتيال الحريري ، وقبل انسحابها من لبنان ، أن تبقى سوريا في لبنان ، ولها اليد المطلقة ، مقابل رأس المقاومة ؟؟!!

ولأن سوريا رفضت العرض الأمريكي ، ولأن المقاومة رفضت أن تلقي السلاح من وجه الصهاينة ، تمسكت أمريكا بالمحكمة سيفا مسلطا ، على رقبة سوريا أولا ، فلم تركع ، فنقلت السيف إلى رقبة المقاومة .. ولن تركع ..

ما هذا التحقيق ؟ وما هذا الاتهام المتنقل ؟؟!!

وإذا كانت المعارضة لجأت إلى ما لم يكن متوقعا في الشارع السياسي اللبناني ، فإنها ما لجأت إلى هذا الفعل الديمقراطي الدستوري ، إلا بعد أن أحست بالغدر الذي يبيته السيد الحريري ، بعد شهور من التجاذب ، وبعد أن كاد يعلن موافقته على الحل السوري ـ السعودي ..

لكنه ، وباختياره الذي اختاره ، ومن واشنطن ، يكون قد حكم على نفسه بالسقوط الذي تم ، وبالطريقة التي يستحقها ، ويكون قد وجّه صفعة لكل الجهود التي بذلتها كل من سوريا والسعودية ، لرأب الصدع اللبناني ، ووقف تهور قطار العيش المشترك الذي لم يترك له الحريري ، الآن ، سكة يمشي عليها ..

وإذا كانت واشنطن ترى في إسقاط الحريري وهو في " أبيض بيت " في أمريكا ، إهانة لها ..

فيا لروعة تلك الإهانة .. ما أجملها !!

ومع هذا ، فقد " كرَّمَت " المعارضة ابنَ رفيق الحريري بهذا السقوط ، فجعلت منه سابقة أولى ليس لها مثيل في تاريخ الحكومات اللبنانية منذ الاستقلال حتى تاريخه ..

أي : " حتى سقوطه كان مميزا ، ما شاء الله عليه " ..

" الولد طالع فالح .. بس .. لمين ؟؟ " ..

للحديث صلة ...

الجمعة ـ 14/01/2011

تونس .. " خمسون عاما في خدمتها "


دائما تكون صور البدايات على هذه الشاكلة .. ثم تتنامى وتتصاعد ، وتأخذ الشكل الكلاسيكي الرائع ، الذي كثيرا ما تكرر في العالم ..

وها هي الآن ، نسخة جديدة وأخيرة من تلك الصور ، تجري أحداثها في تونس الشقيقة ..

فالبداية ، كانت احتجاجا على الغلاء والبطالة .. اندفعت الشرطة لقمعه ، سقط ضحايا برصاصهم ، تطور الاحتجاج إلى دفاع عن النفس ، وامتد إلى أماكن أخرى من البلاد .. اتسع النطاق أكثر ، نزل الجيش بآلياته ، ازداد عد الضحايا برصاصه ، أقيل وزير الداخلية ، استهجن الأوربيون الاستخدام المفرط وغير المتكافئ للقوة ضد المتظاهرين ، ودعت أمريكا مواطنيها إلى تجنب زيارة تونس في غير حالة الضرورة ..

لم يستطع الجيش قمع المنتفضين .. أخذت الوقائع تتسارع في الشارع ، نحو نهاياتٍ لصالح الشعب التونسي ..

فأطل الرئيس " بهي الطلعة " من قصره ، ليل أمس ..

لقد كان واضحا ، أن الرئيس بن علي ، يعوّل كثيرا على تلك الإطلالة و " كاريزميتها " ، ويعتقد أنها ستضع الأمور في نصابها ، وستغير وجه الحقيقة " المقموعة بالدم على امتداد الشوارع التونسية " ..

من هنا كان واثقا من نفسه حين قال :

1 ـ إنه فـَهـِمَ ـ بعد خمسين سنة فقط ـ مطالبَ الشعب التونسي ..

2 ـ وإنه أمر بالكف عن استخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين ..

وكأن شخصا آخر أمر باستخدام الرصاص الحي قبله ..

3 ـ وإنه أمر بتشكيل لجنة تحقيق حيادية للتوصل إلى النتائج التي تحدد مسؤولية الجميع عما تم ..

4 ـ وإن إقالة وزير الداخلية ، والمستشار في القصر الجمهوري ، هو بداية لمحاسبة الذين " ضللوا الرئيس " ..

5 ـ وإنه لا رئاسة مدى الحياة ..

" بعد ربع قرن من الرئاسة المتواصلة " ..

6 ـ وإنه لا رقابة على الإعلام أبدا .. ولا رقابة على الإنترنت إلا بمقدار ما يمس الشعب التونسي بالأذى في أفكاره ومعتقداته ..

7 ـ كما منـَّنَ الشعب التونسي الشقيق ، بأنه أمضى أكثر من خمسين سنة في خدمته ..

وكأنه كان يفلح لهم الأرض ويزرعها بعرقه وجهده ، ويقدم لهم الخبز على " البارد المستهني " كما نقول في بلاد الشام ..

إن انتفاضة الشعب التونسي ، تستهدف اجتثاث الظروف والأسباب التي أوصلتهم إلى هذه المكانة الاقتصادية والمعيشية المزرية ، والقضاء على ديكتاتورية الحزب الواحد ، وإسقاط " الديكتاتور" ..

وإذا كان الرئيس التونسي قد اتهم بعضا من أبناء الشعب التونسي " بأنهم وراء أعمال السلب والتهب والتدمير " فإن ذلك يرد التهمة على أعوانه السلطويين الذين يمارسون أبشع الأعمال ، لتشويه سمعة الانتفاضة وشبابها ، وتلويثهم بالشغب والجريمة المزعومة ، بما يسوِّغ لرجال السلطة استعمالها الرصاصَ الحيَّ في قتل أكثر من خمسين من الشباب المنتفضين ضد جلادهم وديكتاتورهم وقاتلهم ..

وليس ما يجري في الجزائر بعيدا عما يجري في تونس أيضا .. وهذه ليست المرة الأولى التي ينتفض فيها الشعب الجزائري ضد سوء الأوضاع الاقتصادية والمعيشية ..

إن ما يجري في تونس والجزائر ، هو انتفاضة مباركة وانفجار مما آلت إليه الظروف المأساوية للمواطنين ، جرّاء السياسة التي حجبت عن الشعبين كل الحريات الديمقراطية التي تكفل لهما تأدية دورهما الوطني والقومي على أكمل وجه ..

وإذا كان توصيف ما جرى منذ البداية بأنه " ثورة خبز " ، قد عده البعض " إهانة لها " ، فإن اعتبارها ثورة منظمة ، أمر سابق لأوانه أيضا ..

مازال الوقت مبكرا ..

والأيام حبلى ..

الجمعة ـ 14/01/2011

الخميس، 13 يناير 2011

نادي رؤساء الوزارات

يبدو أن دولة رئيس الوزراء اللبناني .. السابق .. السيد سعد رفيق الحريري ، قد استعاد ـ وبجدارة فائقة ـ اللقبين اللذين حصل عليهما قبله ، والده السيد رفيق الحريري ..

ويبدو أن " دولته السابقة " أراد أن يحل محل والده ، أيضا في الانتساب إلى النادي اللبناني الخاص ، الفريد من نوعه على مستوى المنطقة والعالم ـ ربما ـ ، والذي لا يضم في عضويته إلا رؤساء الوزارات السابقين ..

وليس لهذا النادي من شروط انتساب ، سوى أن تكون :

" دولة رئيس وزراء لبنان .. السابق " ..

وقد تحقق هذا الشرط تماما ، اعتبارا من لحظة سقوط حكومته سقوطا حرا .. باستقالة أكثر من ثلثها ، وليس باستقالته هو كما كان المألوف قبله ..

وهذا النادي ، لا يقبل في عضويته ، رئيس الوزراء الحالي " الراكب " ، حتى ينزل عن مركوبته ، فيفتح له النادي ذراعيه ، مهللا ، ومرحِّبا بالقادم الجديد ، إذا كان جديدا " خلنج " ..

أما إذا كان من المحاربين القدماء ، فيعود إلى كرسيه المحجوز أصلا له ، ويجلس على " يَطقِه " بانتظار ظرف آخر ، لهَبَّةٍ أخرى ..

لكن عضو النادي الأخير ، ليس من المحاربين القدماء ، وأغلب ظني ، أنه لن يحوز شرف هذا اللقب أيضا ، كما لم يحز ، حتى ، لقب " رئيس الوزراء المستقيل " ، لكنه وبشرف ، حاز لقب : " رئيس الوزراء الساقط " ، بمعنى : سقوط حكومته بفعل استقالة أكثر من ثلث أعضائها ..

وهؤلاء " دولة رؤساء الحكومات اللبنانية .. السابقين .. " ، وعلى اختلاف المراحل التي حَكموا فيها ، وتنوُّع الظروف التي وُجدوا فيها ، أو أوجدتهم ، لم يتساوَوا في الحقوق والواجبات ، من حيث قدرة التحكم بوزرائهم ، أو التأثير في مجريات الأمور الخارجة على المألوف ، أو الواقعة خارج خطوط التماس الداخلية والدولية ، المرسومة لكل الحكومات ، وفي كل الأزمنة السابقة واللاحقة ..

فكان بين هؤلاء من استطاع أن يناور ضمن تلك الخطوط ، ومنهم من جاء مكبلا بها كشرط ، ليصبح " دولة رئيس الوزراء " ، وظل مكبلا بها حتى صار " سابقا " ، لأنه جِيء به في لحظة عَزَّ فيها التوافق ، فكان بمثابة " دولة الرئيس " الذي " يُمَشّي الحال " فقط ، وليس مطلوبا منه أن يحكم ، أو يعمل أي شيء آخر ..

ومنهم من كانوا يشكلون زعامات وطنية ، حينا ، أو زعامات إقطاعية ، أو رأسمالية ، أحيانا أخرى ..

لكن ، يجب أن لا تكون زعاماتهم بعيدة عن المنعطف المذهبي ، الذي يجب أن يتسم به حامل اللقب العتيد ..

ومنهم من يطرحون أنفسهم ، طمعا بالانتساب إلى النادي (( ولا أعرف ميزات لذلك ، سوى اللقب .. )) ..

وهؤلاء ، يأتون لمهمة آنية محددة ، لا يُقبَل بوجودهم في هذا المنصب إلا لهذه المرحلة فحسب ، كأن تكون الحكومة مكلفة بإجراء انتخابات نيابية مثلا ..

ومنهم من تكون جاهزيته عالية دوما ، لركوب الموجة ، وتشكيل حكومة جديدة ، فيعود اسمه إلى الواجهة ، وقد حُذفت منه كلمة " السابق " ، واستعيضت " بالمكلف " ، ريثما تنال حكومته ثقة البرلمان ، فيكتمل تطابق الاسم واللقب تحت مسمى : دولة رئيس الوزراء " ..

ومنهم من دخل النادي المذكور ، إلى غير رجعة ، نظرا للظروف المرحلية التي أوجدتهم ..

أما الزعامات المشار إليها أعلاه ، فقد يتعدد انتسابها للنادي ، كما يتعدد خروجها منه ، لنيل لقب " دولة الرئيس " مرة ثانية وثالثة ورابعة ، حسبما تقتضيه الظروف .. وحسب قدرته البرلمانية الناتجة عن قدراته " الوطنية " أو " الإقطاعية " أو " المذهبية " .. والتي يجب أن تكون مغطاة بعلم دولة إقليمية شفاف ، وملفوفة بعلم دولة عظمى أكثر شفافية ، بحيث لا يرونهما إلا " الراسخون في العلم " ..

ويا سلام ع " السيادة والحرية والاستقلال " ..

للحديث صلة ، عن آخر المنتسبين لذلك النادي ..

الخميس ـ 13/01/2011

لم يجد القضاء لها حلا ـ 2 ـ

لكنها لم تكن تتمنى أن ينتهي العمل .. فكانت في كل مرة تزور البيت فيها ، تغيِّر رأيها في لون جدار أو غرفةٍ ، أو تتعلل بشيء مّا ، كي تظل صورته قريبة منها ، بعدما تسللت فيروسات حبِّه إلى قلبها ، وبدأت تتنازعها الأفكار اللعينة التي يدور لها رأسها ، ليقف مؤشر اللعبة في كل مرة ، عند فيصل ..

حسمتْ أمرها بعد تفكير طويلٍ ، وجدلٍ داخلي سَهّدَها ، وأيقظ فيها كوامِن الحبِّ والعشق الذي ما انفكت تلامس أطرافه ، ويلامسها نسيمُه ..

لماذا لا تجرّب ؟؟!!

ما الذي سيحدث ؟؟!!

" لن أتمادى ، ولن أسمح له أن يتمادى " ..

على مرأى منه ، تركتْ رقمَ جوّالها في ورقةٍ ، وضعتها في مغسلة المطبخ ، قبل أن تغادرَ المكان مع زوجها ..

أسرعَ فيصل إلى الورقة .. زاغت عيناه وهو يعيد قراءة الرقم .. تملكته حيرة مزعجة ..

ماذا سيقدم لها أكثر مما يقدمه وليد ؟؟!!

خرج من البيت ، ركب سيارته وانطلق على غير هدى في الشوارع المحيطة .. لا يعرف إن كان يجب أن يفرح ، أو يحزن .. إنه يريد حبا يرتعش له كيانه ، ويحمله على جناحي السعادة مع حبيبةٍ يتمناها له وحده .. لكنه لا يريد علاقة عابرة مشتركة ، قد تطيح بأحلامه في العمل ، إذا لم تضع حدًّا لحياته ..

" لِمَ المجازفة ؟؟ ولماذا أرمي بنفسي في بركان ثائر هائج ، لا يعرف أحدٌ قرارَه ، ولا مداه " ..

" سأترك العمل وأختفي من كل المدينة ..

" لكن ، كيف سيكون رد فعل وليد ؟؟ فيم سيفكر ؟؟

" وقد تزعم له أني تجرأت عليها ، وأني هربتُ بعدما صدّتْ محاولاتي للتقرب منها " ..

بعد يومين عادت مع زوجها ، كانت نظراتها غاضبة ، وحركاتها عصبية .. صامتة ، لم تبدِ رأيا في كل ما سُئلتْ عنه .. كأن المكان لغيرهم .. ولا علاقة لها به ..

وبعكس ما كانت تفعل ، صارت تستعجل زوجها للخروج .. وكان واضحا أنها في غاية الضيق ..

تجاهل فيصل كل ذلك ، وسألها إن كان ثمة ما لا يعجبها في التغييرات الأخيرة .. فقلبت شفتها بامتعاض ، وقالت لزوجها بلهجة فهمها فيصل جيدا : هيا يا وليد .. تأخرنا كثيرا على أهلك .. اتركه يعمل .. لا وقت لديه ..

فكر طويلا بما أسمعته إياه .. ثم ،

بدأت الحكاية بلقاءات سريعة ، ثم أخذت أشكالا وظروفا ، حسب طبيعة اللقاء ومداه وزمانه ومكانه .. لكن الاثنين لم يفوتا فرصة سانحة مهما كانت قصيرة ..

وحين انتهى العمل في البيت ، وبعد وقت قصير من عودتهم إليه ، كان على وليد أن يسافر أياما ، لينجز أعماله المؤجلة خارج البلاد .. فأبدت رغبتها بالإقامة عند أمها " ريثما تعود بالسلامة " .. فلم يمانع ، معتبرا ذلك ، أفضل لها ولابنتيهما ، فأسرّت له بأنها قد تكون حاملا ..

فرح كثيرا ، وعرض عليها أن يلغي رحلته إذا كان ذلك يريحها ، فلم تؤكد له خبر الحمل حتى تجري التحاليل اللازمة ، ثم ، عليه ألا يتعطل عن عمله ، فقد عطلته أعمال البيت بما فيه الكفاية ، وستبشره بذلك أينما كان ..

لم تكن الأم تعلم كل تفاصيل العلاقة بين ابنتها وذاك الشاب الذي تخرُجُ معه في " نزهات بريئة " ، ولو كانت لأوقات متأخرة من الليل .. فقد " زوَّجتها صغيرة ، ولم ترَ الكثير مما كان يجب أن تراه قبل زواجها " ..

كانت سارة تعود إلى بيت أمها ، منتشية ، تنفر الفرحة من عينيها ، وينطق بها وجهٌ جوريُّ اللون .. زادته حمرته رونقا وبهاء ..

كانت تندفع إلى أمها فور دخولها ، فترتمي على صدرها كأنها تراها لأول مرة بعد طول فراق .. تتعانقان .. تتساءل الأم ببراءة هامسة في أذنها : سعيدة أنت يا بنيتي ؟؟

فترد سارة بقبلات ، تنهال بها على رأس أمها ووجهها .. ثم تنسحب برفق من عناقها ، لتأخذ كفها بين يديها ، وتقبله ، وهي تغالب دموعا من الفرح ، وكأنها خائفة أن ينقطع الحبل بها ههنا ..

تمضي شطرا طويلا من النهار نائمة في سريرها ، فيما تهتم أمها بابنتيها ، فإذا استيقظت ، فلكي تأخذ استعداداتها للخروج إلى من ينتظر إشارتها ..

تحملها إليه ، في بيتها ، سيارة أجرة .. فإذا دخلته أحسَّتْ بوجوده قبل أن تراه ، حتى صار هواء البيت وفضاؤه يتغيران عليها في كل مرة .. كل شيء فيه صار جديدا ورائعا ، رتبته ونسَّقته بالشكل الذي تحب .. وإن كان الفضل الكبير في ذلك يعود لفيصل " الرائع ، الساحر ، المدهش ، الفنان " ..

ملأ عليها عالمَها الرحب ، وملأ ـ في نفس الوقت ـ خواءً روحيا ، طالما احتاجته ، حتى جاءها على بساط الريح الذهبي ..

كانت تعبُّ من سعادةٍ لم تكن تتمنى غيرها ، وقد انغمرتْ حياتها بألوان وأشكال أخرى لم تألفها ..

كانت ترى العالم كله رماديا باهتا .. فصار مزركشا ، كالطيف في الحلم .. وتزركشت أيضا ، كل الأماكن التي تجمعها بفيصل .. وهي كثيرة ..

فكانت سخية عليه .. وكان مطواعا ، تحملهما الليالي بعيدا عن العيون ..

لم تعد تستطيع البقاء طويلا بدونه .. أدمنته حتى آخر حبة من المساءات المضمّخة ..

كان وجودها عند أمها يؤمن لها السُّبل ، ورعاية ابنتيها ، ويمنحها الغطاء الذي لا بد منه ..

تأكدت سارة من وجود الحمل ..

تلقى وليد الخبر بسعادة غامرة ..

وحين عاد ، استكانت ، حتى عوضته ، كي تطلب منه أن يوافقها على زيارات متكررة لبيت أمها ، كونها اعتادت الإقامة عندها خلال غيابه ، وتساعدها أمها على الحمل ، ووجدت ابنتاها متسعا من الوقت تقضيان بعضه مع أقرانهما من الجيران والأقارب ..

فظلت أيامها ملونة بكل المباهج التي أحبتها طيلة فترة الحمل ، ولم يتغير شيء في نمط وتشابك العلاقة ..

فقط كانت التغيرات ظاهرية ، استدعتها التغيرات الجسمية التي نتجت عن الحمل ، وبعض الظروف الطارئة التي قلصت حدود تحركاتها .. فيما لم يدَّخر وليد ، والآخرون كل ما وسعهم من عناية ، يوفرونها لها حرصا على سلامة الجنين " الأنثى " وأمه ..

وحين استعد الجنين لإطلاق الصرخة ، كان الجميع في المستشفى ، يترقبونها بحبور قلق ..

لم تكن المولودة " غادة " تعلم بكل ما سيجري لها بعد تلك الصرخة ، ولو كانت تعلم ، لما سكتت عن الصراخ ..

رأت أم سارة ملامح فيصل كاملة في وجه حفيدتها .. كان التشابه كبيرا جدا .. ولم يخفَ ذلك على أحد من العائلتين .. حتى همست لها أمها :

تفهَّمْتُ كلامكِ بأنكِ معجبة به وتتسلين معه .. لكن من أين هذه ؟؟!!

ارتبكت سارة ، لكنها قالت : يخلق من الشبه أربعين ..

قالت الأم : أرى الشك في عيون الجميع .. فهل ترين ما أرى ؟؟!!

تعالى صوت الهمسات حول وليد ، من أمه وإخوته وأخواته .. ولم يكن ينتظر ذلك حتى يبادر إلى إجراءٍ رىأرأااا

يحسم الأمر نهائيا .. فقرر أن يجري للطفلة ، سرًّا ، فحص (( دي إن إي )) ..

هاله أن يسمع بالنتيجة غير متوافقة مع دمه .. فثار وغضب ، لكن أمه احتوته وهدأت من غليانه ، وطالبته أن يحضر لها ابنتيه ، وأن يصرف زوجته مع طفلتها إلى بيت أمها ..

ولأن " الولد للفراش " ، فعليه ـ قانونا ـ أن يسجل الطفلة ابنة له في دائرة النفوس .. وهذا ما يطالب به المحامي الذي وكلته سارة ..

ولأن تحليل الدم ينفي أبوته لها ، فهو يرفض نسبها إليه ، ويدفع محاميه ذلك الالتزام بالتقرير الطبي ..

لكن القانون والشرع ليسا في صالحه ..

طلق وليد سارة ، وتزوج من ابنة عمته ، وبقيت ابنتاه عند جدتهما في البيت الكبير .. وتوارى فيصل ..

الدعوى ما تزال مفتوحة أمام القضاء .. ولا يوجد تشريع قانوني يدعم موقف وليد ..

صار عمر غادة ست سنوات ، وهي غير معترف بها ، وغير مسجَّلة ، تريد أمها أن تدخلها المدرسة ، لكن القوانين لا تسمح بقبولها دون أن يكون اسمها واردا في دفتر العائلة ..

الخميس ـ 13/01/2011

الأربعاء، 12 يناير 2011

س . س / ل . ل / أ . ف

اللبنانيون ، موالاة ومعارضة ، بين السعودية وسوريا ، من جهة ، وأمريكا وفرنسا ، من جهة ثانية ..

والنتيجة حصل ما حصل ..

إذن .. استقال الوزراء العشرة من حكومة الوحدة الوطنية " الحريرية " ، ثم استقال الوزير ـ الملك ، فاكتمل عقدهم ، أحد عشر وزيرا مستقيلا ، فسقطت الوزارة حكما ، وفقا لأحكام الدستور اللبناني ، في حالة غير مسبوقة في تاريخ الحكومات اللبنانية ..

فلأول مرة لا تسقط الحكومة من " رأسها " كما كان مألوفا ، إنما سقطت من جسدها الذي أوهنته جراحات شهور من الجدل والأخذ والرد ، الذي طالَ لبنانَ كله ، وإقليمه ، ومنطقته ، بل ، والعالم كله ..

وقد جاءت استقالة الوزراء العشرة ، من بيت العماد عون ، الذي كان نعى بالأمس التفاهم السوري ـ السعودي ، بعد وصوله إلى طريق مسدود ..

ثم أعلنت استقالة الوزير " بيضة القبان " ، في زلزال سياسي ، فشلت " كلينتون ، في لملمته عبر اتصالاتها بنظيريها المصري والسعودي ..

فذاك الغيم الذي انطلق من " البيت الأبيض " ، كان لا بد له من أن يسقط هذا الَبَرَد ، المفاجئ والصاعق ، والذي لم يكن الحريري ـ ربما ـ واثقا من حدوثه ..

لذلك خرج الوزير " بطرس حرب " يعلن : إننا منفتحون على الحوار ..

أي حوار بعد كل الذي جرى في الأشهر السابقة ؟؟!!

وجدير بالذكر : أن هذا الوزير هو صاحب قانون عجيب غريب ، ويشكل سابقة أخرى في لبنان والعالم ، يقضي بأن :

يحظر على المسيحيين بيع أراضيهم للمسلمين ، ويحظر على المسلمين بيع أراضيهم للمسيحيين ..

هل بقيت انعزالية وتطرف أكثر من هذا ؟؟!!

شهور مضت ، كانت الطبخة السورية ـ السعودية على نار هادئة .. لخصها الحريري قبل يومين ، بأن الطبخة استوت ، وحان وقت الجلوس إلى المائدة ..

فماذا جرى في الثماني والأربعين ساعة التي تلت تصريح الحريري ذاك ، حتى قـَلـَبَ لمواطنيه ظهر المِجَنَّ ؟؟!!

لأن سعد " الحزين " في أمريكا ، فقد التقته أمس شقراء الإدارة الأمريكية " السيدة كلينتون " ، ويبدو أنها استطاعت أن تؤثر في مواقفه وتشقلبها رأسا على عقب ، فرفض عقد جلسة لمجلس الوزراء ، طالب بها وزراء المعارضة ، فمارس هؤلاء حقهم الدستوري بإعلان استقالاتهم في نفس اللحظة التي دخل فيها الحريري إلى البيت الأبيض " ليتعمّدَ " ويتبارك ببركات " أبو حسين أوباما " .. وبهذا يكون الحريري ، وريثما يصل إلى المكتب البيضوي ، قد غدا رئيس وزراء لبنان السابق ..

ولخص الوزراء موقفهم ، بأن : " الاستقالة جاءت بسبب عدم قدرة الفريق الآخر على تخطي الضغوط الأمريكية رغم التجاوب الذي أبديناه " ..

وهنا لا بد من بعض المؤشرات :

1 ـ كأن أمريكا كفـَّت يد السعودية عن التدخل في لبنان ، بعد أن بعد أن حجّمتها وكفـَّتها عن التدخل في العراق ..

2 ـ دخلت أمريكا ـ من جديد ـ وبقوة ، على خط التشابكات اللبنانية لغاية في نفس يعقوب ، بالتزامن مع أحداث مريبة كثيرة تجري في الساحة العربية ، وكذلك على الصعيد الصهيوني ، حين قال نتنياهو : " إنه وافق على تجميد الاستيطان تسعين يوما لكن الإدارة الأمريكية لم توافق " .. وهنا يصبح لهذا الموقف تعليل آخر ، يتعلق بجملة المواقف الأمريكية الجديدة ..

3 ـ يتشابك هذا الموقف مع أحداث أخرى تشهدها المنطقة العربية :

أولا : الاستفتاء على تقسيم السودان " كمطلب أمريكي ـ صهيوني في المقام الأول ، عملت عليه الدولتان منذ سنين طويلة ، لمحاصرة السودان ومصر من الجنوب ، والتحكم بمواردهما من مياه النيل ، ولإعطاء مشروعية عالمية لما تنادي به " إسرائيل " حول إعلانها " دولة يهودية " ..

ثانيا : ما جرى في العراق قبل فترة ، من تفجيرات استهدفت أبناءه المسيحيين ، وتلتها أحداث تفجير كنيسة الإسكندرية وما نتج عنها من احتقان لم يهدأ في الشارع المصري لوجود قوى خارجية وأخرى عميلة ، تعمل على تغذيته ونفخ أواره ، كلها تأتي في نفس السياق الذي يستهدف شق وحدة المواطنين العرب ، حتى في أخص خصوصياتهم ، وأكثرها حساسية وتفجرا ، في حال تفجير عدد من الصواعق هنا وهناك ..

ثالثا : إن تحرك الشارعين : التونسي والجزائري بمطالب حياتية ومعاشية وديمقراطية ، يعطي مدلولا آخر على حالة الغليان التي باتت تسيطر على الشارع العربي عموما ، لأسباب مختلفة ، تتعلق بالحياة الدستورية ، والحريات العامة ، والمواقف السياسية من القضايا المصيرية للأمة العربية ..

رابعا : إن مجرد طرح القانون الانعزالي المشبوه ، الذي يسعى إلى إضافة فتنة جديدة للنسيج اللبناني ، من خلال منع بيع الأراضي بين المسلمين والمسيحيين ، وبالقانون ..

إنما هو جزء آخر من الفتنة المتحركة التي تتنقل بين الأقطار العربية ذات الإثنيات المتنوعة .. كالعراق ولبنان ومصر والسودان وسورية وفلسطين .. في محاولة مكشوفة لتمزيق الممزق ، وتجزيء المجزّأ ، وتقسيم المقسوم ..

إن ما هو ظاهر الآن ، من خلال المعطيات السابقة ، إنما يدلل على أن الإدارة الأمريكية ، وبالاشتراك مع الصهاينة ، مقبلة على رسم مشروع جديد للمنطقة ، يلي تقسيم السودان ، والسيطرة على جنوبه ، بربطه بالكيان الصهيوني الذي لا يخفي دوره هناك في كل ما يجري ..

فهل بعد الهدوء والاستكانة اللتين لمسناهما منذ بداية حكم " أبو حسين أوباما " ، ستكون عاصفة جديدة في المنطقة بعد أعاصير بوش ؟؟!!

وإذا كانت أعاصير بوش قد آلت إلى قمقم صغير .. فإلى أين سيكون مصير عاصفة أوباما ؟!!

يبدو أن وراء الأكمة الأمريكية ما وراءها .. والأيام القادمة حبلى من سفاح ..

وقانا الله وإياكم شرها ..

الأربعاء ـ 12/01/2011

الإيديولوجية الصهيونية ـ 2 ـ نشأة مشبوهة وتاريخ مجرم

بعد العرض التاريخي للحركة الصهيونية الذي قدمناه في القسم الأول من المقال ، بات من المفيد أن نتحدث عن المنطلقات الأساسية للحركة الصهيونية :

1 ـ يزعم الصهاينة ، أن اليهود شعب واحد ، له ماض مشترك ، وهدف عام واحد.. وقد اتخذ هذا التأكيد ـ على ما يسمى بوحدة الشعب اليهودي ـ أشكالا مختلفة لدى " اليهود الصهاينة الذين يتحدثون عن شعب يهودي مع تأكيدات شبه عرقية ، لا يعنون بها مجرد وحدة التاريخ فحسب ، بل كذلك ، وحدة الدم والثقافة والمصير ..

بينما اليهود في حقيقتهم التاريخية ، أخلاط متنوعة من الجنسيات والأجناس والعروق ..

2 ـ يزعم الصهاينة أن اليهود الذين يعيشون في مناطق مختلفة من العالم ، هم شعب في مرحلة التشتت ، وأن عليهم أن يهاجروا عن أوطانهم ، وأن " يعودوا " إلى " فلسطين ، أرض الميعاد " ، ليعيدوا بناء حياتهم القومية والروحية .

3 ـ يزعم الصهاينة أن فلسطين وما جاورها من الأراضي العربية هي الوطن القومي اليهودي الذي ينبغي على جميع يهود العالم أن يتجمعوا فيه .

ومنذ البدء ، حلت الصهيونية مشكلة وجود السكان العرب الأصليين في أرض فلسطين ، عن طريق كذبة سافرة ، مفادها : أن فلسطين منطقة خالية من السكان ، وهي بحاجة لمن يسكنها ويستثمر مواردها ..

وفي ذلك يقول الكاتب البريطاني الصهيوني : " إسرائيل زانغويل " :

" فلسطين أرض بلا شعب ، ويجب أن تعطى لشعب بلا أرض ..

4 ـ يزعم الصهاينة أن اليهود يحملون رسالة تحضير وإعمار إلى الشرق الأوسط ، بحيث يمكن أن تصبح امتدادا للحضارة الأوربية ، وذلك على نحو ما زعم المستوطنون الأوربيون في إفريقيا وأمريكا .

فهل تقوم الحضارة على تشريد الشعب الآمن ، وعلى القتل والإرهاب والمجازر والتعذيب ؟؟!!

*** لقد احتل الصهاينة فلسطين عام 1948 ، ومنذ ذلك التاريخ ، بل من قبله ، لم يتوانوا عن أي فرصة سانحة لهم للاعتداء على الأقطار العربية المجاورة ، إضافة إلى المجازر الوحشية والاعتداءات اللا إنسانية التي تقوم بها الصهيونية وجيشها بين الحين والآخر ، متذرعة بأوهى الأسباب لتسويغ عدوانها الشرس ..

إن ما فعلته الصهيونية بفلسطين والوطن العربي ، منذ أول وجودها حتى اليوم ، يتمثل في سلسلة من الحروب والاعتداءات ، التي رافقها ونتج عنها دمار هائل ، وقتل بالآلاف ، وتشريد بالملايين ، وإبادة جماعية يندى لها جبين الإنسانية .. ما عدا مصادرة الأراضي وإقامة المستوطنات التي تتوسع سرطانيا على الأرض الفلسطينية ..

لقد أثبت الاستعمار الاستيطاني الذي تنتمي إليه الصهيونية : أن المقصود فعلا ، هو تماما ما مارسته الحركة الصهيونية على أرض الواقع " كما ورد في الفقرة السابقة " ، وبذلك تنتفي قطعيا صفة الحضارة عن الصهيونية ..

وبنفس الوقت تتثبت مجموعة أخرى من الصفات التي تتصف بها الحركة الصهيونية وتنتمي إليها ، فكريا وعقائديا ، وأهمها :

العدوانية ـ العنصرية ـ الاستعمارية ـ التوسعية ـ الاستيطانية .

فهي حركة عدوانية : لأن الصهيونية التي رفعت شعارا لها (( حدودك يا إسرائيل من الفرات إلى النيل )) ، لا يمكن لها إلا أن تكون عدوانية ، تتوسع على حساب أراضي الغير ..

إن الوقائع السياسية والعسكرية التي شهدتها منطقتنا في العقود الماضية ، والممارسات والحروب والاعتداءات الصهيونية ضد الشعب العربي في فلسطين ولبنان ومصر والسودان وتونس والإمارات والصومال وموريتانيا والعراق ... تؤكد عدوانية هذه الحركة منذ نشأتها الأولى حتى تاريخ اغتيالهم الرجل الفلسطيني في سرير نومه قبل أيام معدودة ..

فهي حركة عنصرية : تمارسها حتى على أخلاطها السكانية التي استقدمتها من أصقاع الأرض .. فلا يتمتع جميع سكانها بدرجة المواطنة الواحدة ، إنما هناك تفاوت كبير بين أجناس أولئك الصهاينة ، فلا يتساوى يهود الفلاشا مثلا ، مع الأشكنازيم ، ولا حتى مع السفارديم ..

كما تسعى الصهيونية ، وفي آخر صرعة لها ، لانتزاع اعتراف العالم " بكيانها اليهودي " ، وذلك يشكل قمة العنصرية ، التي تعدُّ إحدى أهم الركائز العقائدية للحركة الصهيونية ..

وهي حركة استعمارية : منذ أن بدأت بالاستيطان في فلسطين على حساب الشعب العربي الفلسطيني ، وما تزال حتى تاريخه تحتل أراضي سورية ولبنانية ، وتعتدي على الدول التي سالمتها ..

وهي حركة توسعية : منذ بداية نشأتها المشبوهة بشعاراتها وممارساتها ، حيث احتلت الضفة الغربية وسيناء والجولان بما يشكل أضعاف المساحة التي احتلتها بعد حرب 1948..

كما احتلت جنوب لبنان لسنوات طويلة قبل أن تندحر من معظم أراضيه عام 2000 ، وما تزال تحتل بعض المزارع لمناورات سياسية ومقايضات ..

وهي حركة استيطانية : لأنها احتلت أرضا لا تملكها ، وشردت أصحابها الحقيقيين ، وهي ما تزال تقضم المزيد من الأراضي لمزيد من الاستيطان .. فالواقع جلي ولا يحتاج إلى أدلة إثبات ..

تلك هي ما تزعم أنها : " واحة الديمقراطية " ..

الأربعاء ـ 12/01/2011

الثلاثاء، 11 يناير 2011

الإيديولوجية الصهيونية ـ 1 ـ نشأة مشبوهة وتاريخ مجرم

قبل المضي ، لا بد لنا من الإجابة باختصار شديد ، على سؤالين :

الأول : ما هي الإيديولوجية ؟؟

الثاني : ما هي الصهيونية ؟؟

1 ـ الإيديولوجية : هي :

مجموعة الآراء والأفكار والعقائد والفلسفات التي يؤمن بها شعب أو أمة أو حزب أو جماعة ..

فإيديولوجية أي حزب ، مثلا ، هي مجموع آرائه حول مختلف المواضيع التي يطرحها ، إنها نظريته حول جميع القضايا ، وحلوله التي يقدمها للمشاكل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية ، وغير ذلك ..

2 ـ الصهيونية :

لغة : اسم مشتق من " صهيون " ، وهو جبل في القدس أقيمت عليه قلعة يهودية قديمة ، يعتبره اليهود " رمزا للتشوق إلى القدس ، والحنين إليها " ..

إنها حركة رجعية ، ومنظومة متشعبة من المنظمات ..

وهي ممارسة فكرية سياسية مناصرة لرؤوس الأموال والاحتكارات اليهودية التي اندمجت في وقت سابق ، بالأوساط الاحتكارية الإمبريالية العالمية ..

والمحتوى الأساسي لهذه الحركة ، هو : الشوفينية العسكرية ، ومعاداة الأنظمة الاشتراكية التي كانت تتنامى آنذاك في العالم ..

أما الهدف الأساسي لها : فهو استخدام جميع الوسائل الممكنة من أجل دعم الاتحاد الصهيوني العالمي ، وخدمة مصالح الحلفاء التاريخيين ، حسب مراحل نفوذهم العالمية ..

** ظهور الحركة الصهيونية ، وماهيتها :

في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، ومطلع القرن العشرين ، كان بدء ظهور الحركة الصهيونية مترافقا مع ظهور الحركات القومية في أوربا ، ونزوع الشعوب الأوربية إلى التجمع والتقارب ..

عندها بادر دعاة الصهيونية إلى استغلال المناخ القومي المتنامي في أوربا ، والاضطهاد الذي تعرض له اليهود هناك بسبب سوء أعمالهم وتصرفاتهم ، فذهبوا يقنعون يهود العالم ، بأن حل مشكلتهم لا يتم إلا إذا أصبح لهم وطن خاص بهم ، أسوة بالشعب الألماني أو الفرنسي أو الإنكليزي ...

ومن هذه الدعوة ، انتشرت جمعيات صهيونية عديدة في أوربا التي كانت ـ بدورها ـ التنظيم السياسي المتقدم للحركة الصهيونية ، والتي تولت تمهيد الطريق لظهور الحركة الصهيونية العالمية فيما بعد ..

ويُعَدّ " تيودور هرتزل " الصحفي النمساوي اليهودي المؤسس العملي للحركة الصهيونية ، حيث دعا إلى عقد مؤتمر في مدينة " بال " السويسرية عام 1798 ، تمخضت عنه نتائج هامة بالنسبة للحركة الصهيونية ، أهمها :

(( إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين ، يضمنه القانون العام )) ..

وتحقيقا لهذا الهدف ، فقد حدّد المؤتمر الأهداف التالية :

1 ـ تشجيع استيطان العمال الزراعيين والصناعيين اليهود وفقا لخطط مناسبة للهجرة والاستيطان .

2 ـ تنظيم اليهود في العالم ، وربطهم جميعا عبر مؤسسات خاصة تعمل على استنهاض هممهم لتحقيق الهدف الأساسي بإقامة الدولة الصهيونية ، والتحرك على الصعيدين ، المحلي والعالمي لنشر هذه الدعوة والحصول على التأييد الفعلي لها ..

3 ـ تقوية الوعي والحس القوميين لدى اليهود في جميع أنحاء العالم ، وتعزيزهما وتوجيههما نحو أهداف الحركة .

4 ـ اتخاذ خطوات تمهيدية للحصول على موافقة الدول الأوربية ، لأن ذلك يشكل شرطا ضروريا ولازما لتحقيق أهداف الحركة الصهيونية .

ومع ذلك ، انطلق هرتزل لتنفيذ البرنامج السابق ، وبدأ يجري اتصالات دولية ، فابتدأها مع السلطان العثماني آنذاك ، وعرض عليه رشوة محترمة لقاء السماح لليهود بالهجرة إلى فلسطين وإقامة المستوطنات على أراضيها ، لكن العثمانيين تخوّفوا من ذلك ، وقاوموا محاولات هرتزل ، فجاءهم عن طريق وساطة قيصر ألمانيا .

وكان هرتزل يحلم بإمكانية إقامة الدولة اليهودية في مدى سنوات خمس .. لكنه لم يفلح .. فالتفت الصهاينة بعده إلى خط بديل ، وهو العمل التدريجي على (( خلق واقع صهيوني في فلسطين )) ..

إلا أن الحقائق تؤكد بشكل قاطع بأن فلسطين لم تكن هدفا للصهيونية في مراحلها الأولى . فهرتزل نفسه ، لم يحدد فلسطين بالذات لتكون وطنا قوميا ، إذ فكر بكل من :

فلسطين ، والأرجنتين ، وقبرص ، وسناء ، والعريش ، وأوغندا ، وموزامبيق ، وليبيا ..

لكن سرعان ما استقر رأيه على فلسطين أثناء انعقاد مؤتمر بال ، ساعده في ذلك ، تداخل المصالح الاستعمارية البريطانية ، مع المصالح اليهودية في الشرق العربي ..

** الحركة الصهيونية وأوربا :

وضعت الصهيونية كل آمالها ، وسخرت كل قواها الظاهرة والخفية ، في سبيل الحصول على دعم الدول الأوربية الاستعمارية التي أخذت بالتوسع الاستعماري لاستغلال خيرات الشعوب وتصريف منتجاتها ..

كذلك ، فإن أكثر الدول الأوربية قدمت مساعدات كبرى للصهيونية بعد أن اكتشفت ما يمكن أن تقوم به دولة صهيونية من دور في حماية وضمان مناطق نفوذها ..

وكان المجال خاليا للصهيونية ، لذلك ، صالت وجالت إبان التخلف الرهيب السائد في الوطن العربي كله نتيجة معاناته المريرة من استعمارين متتاليين هما :

الاستعمار العثماني والاستعمار الأوربي ..

فعملت الصهيونية بذكاء وحذق لاستغلال ظروف الدول الاستعمارية الأوربية ، مدركة في الوقت نفسه مصلحتها الحيوية ، في أن قيام وطن للشعب اليهودي لا يمكن أن يكون قابلا للتحقيق ، ولا واقعا ملموسا ، دون التدخل القوي والدعم المباشر من جانب الحكومات الأوربية ، صاحبة المصالح الكبرى في المنطقة ، بحيث تستثمر هذه الحكومات قيام الدولة اليهودية لصالحها ، لتكون أداة متقدمة وجاهزة للتنفيذ كشرطي مستعد للتدخل في كل الأوقات لصالح تلك الحكومات .. فتلاقت مصالح الطرفين تحت هذه المؤامرة .. فاستهدفت الصهيونية العالمية في سبيل تحقيق هدفها كلا من : تركيا وألمانيا وإنكلترا وإيطاليا ، كدول ذات مصالح ونفوذ في الشرق ، إلا أن الحركة الصهيونية سرعان ما خاب أملها في ألمانيا وإيطاليا وتركيا ، حين وجدتهم أضعف من يحققوا لها شيئا من أهدافها ، ولم يبق في الميدان غير " بريطانيا العظمى " المملكة التي لا تغيب عنها الشمس ، فاتجه الصهاينة بكل ثقلهم ليتنفذوا فيها طمعا في مساعدتها لهم على استيطان فلسطين .. وهنا لا بد من توقف قصير لإيراد لمحة عن تاريخ العلاقة بين الصهيونية والاستعمار البريطاني :

بعد حملة نابليون بونابرت على مصر عام 1798 ، تنبه البريطانيون إلى أهمية مصر جيوسياسيًا واقتصاديًا ، وأدركوا أن اليهود هم خير من يمكن الإفادة منهم في خدمة استراتيجيتهم وأطماعهم في المنطقة .. فسعوا لدى السلطان العثماني من جديد ، وحققوا ما فشل الألمان في تحقيقه ، وحصلوا على (( فرَمَان )) من السلطان يقضي بالسماح لليهود بشراء الأرض في فلسطين ..

كما أن البريطانيين أدركوا مبكرا أن الدوافع القومية لإقامة الوحدة العربية ، لا بد أن تقوى في يوم من الأيام ، فوجد البريطانيون في الصهاينة أداة لتنفيذ سياستهم ..

وبذلك ، التقت ـ في هذا المجال ـ الأطماع الاستعمارية والأهداف الصهيونية ..

ومن هنا كانت نقطة البدء ..

إلا أن الاتصال الأول بين بريطانيا والصهيونية ، بدأ منذ عام 1833 أثناء حملة محمد علي والي مصر على سورية ن حيث تبنت بريطانيا فكرة توطين اليهود في فلسطين .. وحاول " بالمرستون " رئيس وزراء بريطانيا وقتذاك ، إقناع السلطان العثماني بأن يوافق على إسكان اليهود في فلسطين لتشكيل حاجز يكبح مؤامرات محمد علي وخلفائه في المستقبل ..

ثم ، إن بريطانيا هي صاحبة " وعد بلفور " الشهير ، وهي التي سهّلت هجرة أرباب الصهيونية إلى فلسطين ، وهي التي أمدّتهم ببواخر السلاح والذخائر والمال والمساعدات والمعونات الأخرى التي تعينهم على تحقيق مخططهم المجرم ..

ولعل أهم أمر انكشف بعد تلك الأحداث ، هو أن بريطانيا لم تستعمر فلسطين عام 1920 عقب مؤتمر " سان ريمو " إلا لكي تقوم بدور الوساطة .. بمعنى :

استعمرت فلسطين في ظروف إدارية وسياسية واقتصادية وعسكرية تتوافق تماما مع الدعوة لإقامة الدولة الصهيونية ، حيث أصبحت اللغة العبرية لغة رسمية رغم أن عدد اليهود لا يتجاوز 7% من عدد السكان .

ودخلت بريطانيا " منتدِبة " (( بكسر الدال )) إلى فلسطين ، وفيها 650 ألف عربي ، 50 ألف يهودي .. وخرجت منها بعد ثلاثين سنة وفيها 650 ألف يهودي مسلح ، و175 ألف عربي ..

وقبل الانتداب البريطاني على فلسطين ، كان اليهود يملكون 1% من الأراضي .. فصاروا يملكون 70% منها بعد انتهاء الانتداب البريطاني .

واستلم اليهود في عهد الانتداب معظم المناصب العليا في الدولة والحكم ، حتى قيل :

(( إن اليهود كانوا حكومة داخل الانتداب )) .

وفيما يلي وثيقة تاريخية هامة من كتاب ((وثائق التدخل الأجنبي في الوطن العربي ـ موسى الكاظم التونسي ـ ج 1 ـ دمشق ـ 1972 )) ، قدمتها الحركة الصهيونية إلى الحكومة البريطانية عام 1917 :

(( المادة الأولى : يجب أن يُعترَفَ رسميا بالسكان اليهود في فلسطين من قبل الحكومة ذات الشأن كأمة يهودية ، ويجب أن يتمتعوا في البلاد بكامل الحقوق المدنية والوطنية والسياسية ، وتعترف الحكومة ذات الشأن بالرغبة والضرورة لإعادة الاستعمار اليهودي إلى فلسطين ..

المادة الثانية : إن الحكومات ذات الشأن يجب أن تقر تشكيل شركة يهودية لاستعمار فلسطين من قبل اليهود .. والشركة المذكورة توضع تحت حماية الحكومة ذات الشأن المباشر ، وتكون أغراض هذه الشركة ما يلي :

1 ـ أن تؤيد وتغذي الاستعمار اليهودي القائم في فلسطين بكل وسيلة ممكنة .

2 ـ أن تساعد وتؤيد وتشجع اليهود في كل البلاد ، بتنظيم الهجرة ، وتزويدهم بالمعلومات وبأي شيء آخر . )) ..

إضافة إلى ذلك ، فقد وردت نصوص عديدة في صك الانتداب الذي صدر عام 1922 ، ووضع موضع التنفيذ عام 1923 .. تحدّثت هذه النصوص عن ضرورة إنشاء الوطن القومي اليهودي والاعتراف بوكالة يهودية ملائمة ترعى المصالح الاستعمارية الاستيطانية في فلسطين .

وهكذا .. فما أن انتهت فترة الثلاثينيات من القرن العشرين ، حتى كانت كل أجهزة الكيان الصهيوني ، قد أصبحت مهيأة لإقامة الدولة الصهيونية .

وفي تلك الفترة نشبت الحرب العالمية الثانية 1939 ـ 1945 ونشطت الصهيونية لاستغلال ظروف ونتائج هذه الحرب ، كما فعلت بالنسبة للحرب الكونية الأولى .

فتم إنشاء " الفيلق اليهودي " ، وحارب إلى جانب الحلفاء ، وتلقى جنوده تدريبا أهّلهم فيما بعد ، لن يقوموا بدورهم الإجرامي في حرب 1948 . ولم يكن هذا هو المكسب الوحيد والأساسي الذي حققته الصهيونية من وراء الحرب ، ذلك أنها استغلت ظروف الحرب لتحقيق تحركين سياسيين استراتيجيين ، أسهما أكثر من أي عامل آخر في تحقيق الخطط الصهيونية لإقامة الكيان الغاصب عام 1948 :

التحرك الأول :

كان استغلال الاضطهاد النازي لليهود ، وتضخيم هذا العمل ، وترويع العالم به ، عن طريق الدعاية المنظمة المتواصلة ، إلى حدٍّ جعل الرأي العام العالمي يعتقد أن المشكلة الأساسية التي يجب تسويتها بعد الحرب مباشرة هي مشكلة اليهود المضطهدين ، وأن الحل الوحيد لهذه المشكلة هو : إقامة دولة خاصة باليهود في فلسطين بالذات ..

التحرك الثاني :

كان تغيير الحليف البريطاني الذي شاخ وأدركه الوهن والضعف عقب الحرب ، فارتمى الصهاينة في أحضان حليف قوي ومنتصر ، هو الولايات المتحدة الأمريكية ، والتي برزت بعد الحرب الثانية كقوة دولية لها مصالحها المباشرة في منطقة الشرق الأوسط .

وكان هذا التحالف أقوى عامل في خلق جريمة الكيان الصهيوني فوق أرض فلسطين العربية ..

الثلاثاء ـ 11/01/2011