الثلاثاء، 11 يناير 2011

كابوس الخسارة ومسؤوليتها

لأول مرة ، سأكتب في شأن من متعلقات الشؤون الرياضية .. لا لأعلق على مباريات كأس آسيا في الدوحة ، ولا على فوز المنتخب السوري على المنتخب السعودي .. ولا على معركة فوز قطر بتنظيم إحدى دورات كأس العالم لكرة القدم بعد آلاف الأيام التي يحمل لنا كل يوم فيها ألف جديد وجديد .. المهم ..

تلك هي الرياضة .. ولا بد فيها دوما وأبدا من رابح وخاسر .. ومتعادل أحيانا ..

لكني سأعلق على ظاهرة جديدة ـ قديمة ، ربما ..

فقد شاعت هذه الظاهرة وسمعت عنها لماما في أدوار بطولات كروية متنوعة ، محلية وعالمية ..

وآخر ما ورد من أخبارها أن السلطات الرياضية السعودية ، وفور خسارة منتخبها أمام المنتخب السوري ، عمدت إلى التضحية بكل من البرتغالي " بيسير " ((ومن هو هذا البيسير ، لا أعرف )) ، وكذلك بالمدرب الأجنبي للمنتخب السعودي ، وعينت بدلا من هذا مدربا وطنيا سعوديا ..

فإذا كان الأمر يتم كذلك ، وبهذه البساطة ، بحيث يُحَمَّلُ المسؤولون الإداريون والفنيون نتيجة فشل أو خسارة لاعبيهم في مباراة واحدة ، هي الأولى لهم في هذه البطولة ..

وإذا كان البديل الوطني موجودا بالأساس ، فلماذا الاستعانة بالخبرات الأجنبية ؟؟!!

أهي الموضة ؟؟ أم أن هناك أسبابا يصعب عليَّ إدراكها ؟؟!!

وفي هذه الحال ، يكون هذا الشرط سيفا مسلطا على رقاب هؤلاء المدربين .. وهم مسكونون بهذا الهاجس المرعب بشكل متواصل ..

فكيف سيكون عطاؤهم تحت هذا التهديد المستمر ؟؟!!

فهم بذلك ، كانهم في معركة حياة أو موت ..

انتصر فريقهم ، انتصروا ..

خسر فريقهم ، خسروا كل شيء ..

على كل :

تهانينا للفريق الفائز أيا يكن ، وحظا أوفر للفريق الخاسر أيا يكن ..

لكني لست مع فكرة تحميل المسؤولية لغير أصحابها الحقيقيين ..

وباعتقادي ، أنه ما دام المدرب بذل كل ما لديه بعناية وحرص ، فلماذا يتحمل مسؤولية من هذا النوع ؟؟

وإذا لم يبذل ذلك ، فلماذا تركتموه حتى الآن ولم تستغنوا عن خدماته ؟؟!!

هل العقود التي يوقعها هؤلاء المدربون ، هي حسب التكييف الفقهي لها من " عقود الإذعان " ؟؟

أي : هي من العقود التي يوافقون عليها جملة أو يرفضونها جملة ، كعقود الاشتراك في خدمات الماء والكهرباء والهاتف مثلا التي تكون جاهزة ، ويوقعها العميل دون قراءة أي بند منها ..

بمعنى : هل هناك في تلك العقود شرط دائم يقضي بفسخ عقد الإداري أو المدرب إذا خسر ناديه أو لاعبوه مباراة واحدة ؟؟!!

أنا لا أعرف .. ويبدو أنه من الأفضل ألا أعرف ..

أفيدونا ، رعاكم الله ..

الإثنين ـ 10/01/2011

الأحد، 9 يناير 2011

مهدي عبد الجليل نصر الله ـ المرثية الأغلى في الإجازة الأنحس ـ 2

مرة أخرى ، اختلفت الدنيا من حولي ..

وعلى البعد القاهر ، بدأ يتجمع حزن دفين ، يقض علي مضجعي ، وأنا أحاول أن أستجمع قواي وذاكرتي ، مستبعدا سيلا جارفا من العواطف التي اقتلعت كثيرا من جذوري ، حتى هزمتني تحت وطأتها ..

فلذت بالأرشيف ، لعلي أجد فيه السلوان والهدوء اللذين يمكن أن يساعداني على بعض البوح ، استخراجا لزفرات حبيسة حرّى ، ما كان يجب أن تخرج قبل الآن ..

فالمعذرة صديقي الغالي .. على تقصيري تجاهك أولا ، وعلى بَوْحي المتواضع ، ثانيا ..

فأنا لا أحسَدُ اليوم على ما أنا فيه ..

☼☼☼

أيها الغالي : أتذكر ؟؟

وأنا لا أذكر أيضا .. لكن الصورة أعادت لي ذاكرتي إلى 28/11/1968 ..

يوم كنا نرتدي لباس الفتوة ، والتقينا أمام القنصلية السوفييتية آنذاك ، وكان معك زملاء لا أعرفهم ، تمشينا معا قبيل المساء ، والتقطنا هذه الصورة ، إنها ما تزال محتفظة بذلك العبق المتناثر من أزهار سياج القنصلية التي وقفنا أمامها نقرأ في لوحاتها ، مقالات وإعلانات ..

ربما لم تر عيناك تلك الصورة فيما بعد ..

وها هي كذلك ، آخر صورة ، كانت في يوم الجمعة 20/08/2010 .. وبعدها لم نجتمع تحت سقف واحد ..

كم مرّ من الزمن بين الصورتين ؟؟

وأنا لم أنسَ ، أنه ، وفي هذا التاريخ ، كان لقاؤنا قبل الأخير ، وكان قبيل الإفطار بساعة تقريبا ، توقفتُ أمام باب بيت الأخ أبو هلال ، وكنتما للتو ملتقيان ، يجهز أبو هلال منصة الجلوس أمام بيته .. فطلب من أحد أبنائه أن يرش ماء باردا من الجب ، حول المكان ليخفف حر " آب اللهاب " ، في مساء رمضاني حارق ..

كنتُ في شوق كبير لمجالستكما ، لكن حرارة طقس رمضان نالت من عزيمتي ، فلم أستطع المكوث طويلا ، فاستأذنتكما ، على أن أوافيَكما جلستكما اليومية هذه في وقت لاحق .. لكن ، مع الأسف الشديد ، لم أفِ بوعدي ..

أما اللقاء الأخير ، أتذكـُر يا صديقي العزيز ، كيف كان طارئا وسريعا ، عند بوابة مطعم القيصر بحلب ، وكنا من جملة المدعوين لإفطار خيري هناك ؟؟ ..

كنتَ نشيطا جدًا أكثر من أي وقت مضى ، وربما كنتَ تقوم بمهمةٍ تطوعيةٍ ما ، فيما بدت على محياك علائمُ فرحة وسعادة لِما تقوم به ، جعلت الضحكة تنفر من عينيك نحونا قبل التحية ..

وكذلك ، لم يسمح مقام اللقاء لنا إلا بلحظات معدودات ..

لكني أحمد الله أنني رأيتكَ ـ آخر ما رأيتك ـ في أسعد حالاتك وأحسنها همة ونشاطا .. وكأن صورتك الآن مائلة أمامي ، فجبَّتْ كلَّ ما سبقها من صور المعاناة والآلام ، واستقرتْ مكانها نظرة عينيك الضاحكتين وابتسامتك الهادئة وجسمك النحيل ، وهي آخر صورة يتعذر على أرشيفي أن يحتفظ بها شفويا ، لكني أختزنها لك في ذاكرتي وعقلي وقلبي ووجداني .. وستبقى إن شاء الله ..

أما حديثنا الأخير يا صديقي العزيز ، فكان في عيد الأضحى الماضي ، أتذكـُر حين هاتفتني مهنئا ، وكعادتك في ختام كل اتصال ، قلت لي : " ما حاج بقا ؟؟ لا تتأخر .. نحنا بانتظارك " ..

وإن تكن هذه ليست المرة الأولى التي تتخلف فيها عن وعدك لي ، وذلك مُرٌّ .. لكن هذه المرة هي الأكثر مرارة على الإطلاق ..

إذ لم يكن ، ولن يكون بعدها موعد آخر ، ولا أمل آخر باللقاء ..

" حاولتُ ـ يا صديقي الحبيب ـ ألا أتأخر عنك ، وطالما انتظرتَ تأخري طيلة تسعة عشر عاما ، وغفرتـَهُ لي عند أول نظرة تلتقي فيها عيوننا .. فينفتح صدرُكَ ، بحرًا واسعًا ، يحتضن عذاباتِ الفؤاد وجراحَه ..

" نعم .. أنا تأخرت ، واستنفذتُ صبرَكَ على تأخري .. فكانت إرادة الله ..

كان اللقاء ، في كل مرة ، عناقا قويا ، يتحد فيه جسدانا .. وكان الوداع ، هذه المرة ، ككل وداع ..

في كل وداع ، كنا نتجنـَّبُ المصافحة ، ونخافها ، لنحافظ على آلامنا سليمة قدر المستطاع ، بعدما خـَلقـَتْ لنا حالاتٍ ، يَصْعبُ لي الآن وَصفُ مشاعرها ، فكنا نرفع أيديَنا ملوِّحين بالوداع من بعيد ، ونتوارى عن بعضنا سريعا كي يحافظ كل منا على وقار دمعته ..

لقد سبقتني إليكَ الإرادة ُالعليا ، فاختارتكَ إلى جوارها قبيل أن تحط الطائرة في المطار .. وكنتُ أراقب من نافذتها كيف تسبح الغيوم ، وكيف يمكن للأرواح أن تحلق فوقها ، لكني لم أشم رائحة الموت ، ولم أتحسّسْ رحيلا مفاجئا يصادر عليَّ الرعشة الأولى للذة الوصول ..

كان مستقبلِيَِّ في المطارعلى علم ، لكن لهفتي حجبتْ عني ما يغلـّف وجوهَهُم من حزن ، ولم تتركْ لي فرصة قراءة معالمها جيدا ، فتبين أنهم اتفقوا على كتم الأمر عني ..

☼☼☼

لا أعرف ، يا صديقي ، سببا حقيقيا وراء تعاملنا بخصوصية مميزة تتعلق بالمواعيد بيننا ..

أتذكـُر ؟؟!!

ذلك ليس جديدا ، بل هو منذ أن زرتك في بيتك في الأشرفية لأول مرة ، أواخر السبعينيات .. لكنني أعرف أن خصوصية كهذه لا تكون إلا في مرحلة متأخرة ومميزة من العلاقة بين صديقين .. من هنا تأتي أهمية انتظارنا .. ومن هنا أجد لزاما علي أن أعتذر منك لتأخري عن موعدٍ قاس مرير ، ليس له ضفاف ..

في تلك الزيارة الأولى ، شدتني عناوين الكتب في مكتبتك ، وطريقة التنسيق والترتيب .. كما شدتني صورة معبرة أنيقة للسيدة فيروز ، معلقة جانب المكتبة ، فكانت المكتبة والصورة قاسما مشتركا بيننا ، اكتمَلَ بحصولي على نسخة من الصورة ، علقتها جانب مكتبتي أيضا ..

وحين غادرتنا إلى الجزائر عام 1977 ، كان البريد واسطة اتصال وحيدة ، لم تنقطع طيلة تلك السنوات .. تبادلنا عددا من الرسائل ، وما زلت أحتفظ برسائلك إلي ..

أتذكـُر ؟؟

في صيفٍ سابق قريبٍ ، قرأتُ لكَ من إحدى رسائلكَ المؤرخة في :

18/02/1978

وكنت َ دائما تخاطبني هكذا :

(( أخي يوسف : محبتي :

أرجو أن تصادف كلماتي لديكم بقية دفء في شتاء أيامنا ، التي ترضِعُ المستقبلَ برودة ُالفناء .. حين شاءت النفس المكابرة أن تدركه رقصًا على جراحها ..

...........................................

أخي يوسف :

إن بدتْ على رسائلي ملامحُ تفكك في أفكارها ، أو صُنعتْ بأسلوبِ قوس قزح ، فإن أدلَّ ما يدلُّ عليه ذلك ، أنها تحتوي على صورةٍ حياتيةٍ صادقةٍ أحياها .. وما أرجوه ، هو أن أتعلم كيف يَذبحُ الإنسانُ الحياةَ دون أن يشعرَ بذنبِ الجريمة ، لعلي أستطيع ـ بعد ذلك ـ أن أنفذَ إلى داخلي بشكل صحيح ، فأرى الحقيقة ولو للحظة ، وقد سقطتْ عنها جميعُ الأقنعة ..

أخي يوسف .. سامحني على هذه الرسالة )) ..

لم أسامحْك وقتذاك ..

أما الآن ، وبعد أن ارتقينا بعلاقتنا ـ منذ زمن طويل ـ إلى مرتبة الصداقة ، وأنتَ ، يا صديقي العزيز (( وقد امتلأتَ بكل أسباب الرحيل )) ، أقول : سامحك الله ، وسامحك الله ..

وفي رسالة أخرى منك ، قرأتها لك ، كتبتَ لي بتاريخ :

22/10/1977

(( أخي يوسف : محبتي :

لا أستطيع أن أوضحَ الدافعَ الذي حمَلني على الكتابة إليك ..غير أنني أعزو ذلك إلى غصن صفصافة ، تعطِفه نـُسَيْماتُ الصباح العليلة فتمسحُ وُرَيقاتـُه في وُدٍّ ، أطرافَ نافذتي ، فترسمُ في تعَطـُّفِها أطيافا شدّ ما أحببْتـُها .. فغدَت ذكرياتٍ .. ويا لها من ذكريات ..

كثيرًا ما يحسب المرءُ أنه يستطيعُ أن ينسى ، وأن البُعدَ والزمن كفيلان بذلك .. فيغيّرُ ملابسَه ، يغيّرُ طريقة حياته ، يغيّرُ معالمَ وجهه ، وأصدقاءَه .. يغيّر موطنه ، لكنه يغرب عن ذهنه أنه عاجز عن تغيير قلبه ..

أخي يوسف .. جمعتُ بعضي وطرتُ إلى الجزائر ، وكلي ثقة أنني لم أنسَ شيئا ، لكني عندما حطـَّت بي عصا الترحال ، وتفقدْتُ كلَّ ما معي ، فكان كما رتبته في سوريا .. ولكني بعد فترةٍ تذكرْتُ أنني نسيتُ قلبي هناك ...

سقى الله أرضا كنتُ فيها هناك )) ..

وفي 08/12/1977

كتبتَ رادًّا عليَّ بعضَ الهواجس التي كتبتـُها إليك :

(( إن ذلك ليؤكد لي صدقَ العلاقة ومدى الالتزام بها ، وإنه يمكن لي أن أقول : ما زلتُ بخير ، وإن رصيدي من الأحبة يسعفني في ساعاتِ عثرتي ..

وأضفتَ في ختام الرسالة :

أخي يوسف : لا أقول وداعًا ، لكن إلى لقاء ، ولو على الورق ..

أحلى الأمنيات لمَن تجمَعُك بهم أواصرُ المحبة ..

وسلام كلما عزت الذكرى وعزَّ اللقاء )) ..

إذ ذاك ، كنتَ مصغيا لصوتي المتهدج باهتمام كبير وبدهشة ، وكنتُ أزدرد بالكاد ريقي الذي غص في حلقي مرات ومرات وأنا أقرأ لك .. فترقرقت عيناك الزرقاوان ، ثم انتفضتَ ، وصرختَ بي : يلعن أبو الغربة و ... و.... و ....

وحين وجدتني أكثرَ منكَ ضيقا بها وشجَنا ، حتى تفجَّرَا من عيني رغما عني ، هدأتَ ، ولملمتَ عن وجهي آثارَ كلامكَ ، وحزني ..

أتذكـُر ؟؟

لقد افترقنا كثيرا ، وطويلا في بعض المرات ، لكننا لم نفترق إلا بمقدار المسافة بين البؤبؤين أو البوّابين ..

☼☼☼

كنتَ ريحانة جمعيتنا ، وقرنفلتها الأنيقة العطرة ..

وكنتَ البسمة واللطف والهدوء والتعقل والأناة والحلم الذي نهلنا جميعُنا منه ، ولم ينقص مقداره عندك شعرة ..

وكنتَ الصوتَ الذي لا يجرح ، واللسانَ الذي لا يقدح ..

وكنتَ الحريصَ علينا جميعا كما لو كنتَ مسؤولا عنا ..

وكنتَ السبَّاق لما لا يُطلب منك ، ولِما لا تـُكلـَّفُ به ، إعزازا لك وتقديرا ..

لم نكن نطرب لنغمات وآهات " أبو عزيز " ، إلا على تمايلك وذوبانك بين الجميع وفيهم ..

ولم تكن تأكل لقمة إلا تخيّرْتَ أحسَنها ، فقدَّمْتـَها بأصابعك لمجاوريك ..

أنا أعرف ، أن الياسمين لا يُبكى في بلادي ..

فكيف أبكيك ؟؟!!

أعرف أن الياسمين خـُلق لينشرَ عبيرَه على المحبين ، منذ بزوغ أول خيوط الولادة ، حتى غياب الحياة ، في سرير الموت .. وقد فعلتَ ..

فشكرًا لكل الذين رفـّعوني إلى رتبة " صديقك " كرمى لك ..

شكرًا لكل الذين منحوني وسام الصداقة ، في خيمة عزائنا ، كرمى لك ..

شكرًا لكل مَن واسى " الصداقة " بنا ، وعزّاها ، واعترف برابطها المقدس ، كرمى لك ..

شكرًا لكَ ، صديقي ، فبفضلكَ ، رفـّعني محبّوكَ لهذه المرتبة الغالية المباركة ..

شكرًا لك ، أخي وصديقي مهدي ، فلقد كنتَ إنسانا يعمر الإيمانُ قلبَه وعقله .. فاقتبسنا منك ما ملأنا به عقولنا أنسًا ومحبة وتسامحًا ، ورصّعْنا به صدورَنا قلائدَ عزّ وفرح ..

وكنتَ مواطنا صالحًا ، ومناضلا عنيدًا صبورًا ، تحت كل الظروف والضغوط والمنعرجات ..

وكنتَ صديقا وفيًّا كما يليق بالوفاء وأهله .. ونقيا كالزلال الطهور ، شغوفا أكثر من شِغافك ، ومحبًّا من أخمصك ، حتى أجمل شعرة شقراء ، داعبتها نسماتُ " قلعة سمعان " ذات مساء .. أتذكـُر ؟؟

قدَرُكَ ، أخي وصديقي مهدي ، أن تنتظرني هناك ، كما انتظرتني هنا ..

وبالتأكيد ، لا أعرف إن كنتُ سأتأخر عليك كعادتي ، أم لا ..

تلك إرادة العلي القدير ..

الآن .. عزّت الذكرى ، وعزّ اللقاء أيها الصديق الفقيد ..

(( يا أيتها النفس المطمئنة ، ارجعي إلى ربك راضية مرضية ، فادخلي في عبادي ، وادخلي جنتي )) ..

تغمدك الله بواسع رحمته ، وعظيم مغفرته ..

لك الرحمة ، ولنا ولجميع ذويك ومحبيك العزاء والصبر والسلوان ..

(( إنا لله وإنا إليه راجعون )) ..

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ..

☼☼☼

(( لقد سميتها الإجازة الأنحس ، لسببين :

الأول : فقدان الصديق المرحوم مهدي ، في أول يوم منها ..

والثاني : فقدان الأخ المرحوم حج عباس حنيف طبرة في نهايتها ..

وكنت أجريت لقاء مطولا معه في 08/09/2010 ، وسافرت ، حتى كان مساء 15/12/2010 ، حين كنا في خيمة العزاء الأول ، حضر معزيا ، فحيَّا صديقي أبا محمد ، ومَن على يمينه ، وجلس دون أن ينتبه لوجودي في زحمة المعزين .. وعندما همّ بالمغادرة ، خطا نحوي ، فتعانقنا ، وعزاني ، واعتذر عن عدم انتباهه لحضوري غير المتوقع .. ومضى .. ولم نلتق بعدها حتى انتقل إلى جوار ربه ، في 29/12/2010 ..

تغمده الله بواسع رحمته ، وألهم أهله وذويه ومحبيه الصبر والسلوان )) ..

وظلَّ الموت مستمرا .. لم يتوقف طيلة أيام الإجازة ، رغم وعورة الطرق وأوحالها ومخاضاتها في البلدة ، وكثرة الحفر ، والخنادق ، وفوضى وازدحام المرور ..

ورغم توقف الاتصالات السلكية مع كل هطول مطري ..

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

الأحد ـ 09/01/2011

السبت، 8 يناير 2011

مهدي عبد الجليل نصر الله ـ المرثية الأغلى في الإجازة الأنحس ـ 1

الزمان : الحادية عشرة صباحا من يوم الأربعاء ـ 15/12/2010 ..

المكان : حلب ـ شارع المحلق الغربي ، في الطريق إلى نبل ..

كان صديقي يقود سيارته فينا ببطء شديد ، وكنت أعهد فيه تلك العادة حين نكون معا ، لكن ليس إلى هذه الدرجة .. ولم أستفسر حتى رن جواله ونحن في شارع المحلق ، ولما عرف الطالب اعتقد أنه سيسأل عن وصولي ، فناولني الجوال لأرد ..

هنأني أبو إبراهيم بسلامة الوصول وطلب بإلحاح ، أن نصل بسرعة لنشارك في مراسم الدفن ..

ذهلت ، وانعقد لساني ، واختنقتُ بغصة تحجرتْ في حنجرتي ، كما جرى قبل سنوات ، يوم وصلت حلب ، فاتصل بي من الرقة ، صديقي أبو محمد ، يهنئني بالسلامة ويعزيني بوالدتي التي رحلت قبل أسبوع من وصولي ظانا أني عارف بوفاتها ..

وحين لاحظ أبو إبراهيم تهدج صوتي مستفسِرا ، سألني : ألم يقولوا لك ؟؟!!

في الحقيقة كنت على موعد مع موت آخر بادَرَ إليه عقلي مباشرة ، ولم يكن الصديق الغالي " مهدي " مُدرَجا على جدول المودِّعين أبدا ، بل كدت أسأل أبا محمد عن أحواله ، اطمئنانا عنه ، ولرغبتي بإجراء حديث مطول معه ، يتناول سيرة حياته وعطائه وتجربته الحياتية والعملية ، كونه من جيل الرواد .. وقد سبق لي أن أخبرت الصديق أبا حسام عن ذلك ، ونحن نستعرض معا أهم الشخصيات الرائدة في مدينتنا ، خلال زيارته الأخيرة قبل شهر ونيف ..

اختلفت الدنيا من حولي ..

كان الطقس باردا جدا ، وقد هطلت أمطار غزيرة خلال الأيام السابقة بعد جفاف وطول انحباس ..

للحظة ظننت أن وصولي لم يكن إلى الجهة الأثيرة التي أهوى ، لولا وجودي في سيارة صديقي وإلى جانبه .. وكأنما الزمان غير الزمان ، والمكان غير المكان .. لكن ، ها هو المحلق ، ودوار بلليرمون ، وشارع عنتاب ، والشهباء مول ، ومعمل الزيوت ، وقبر الإنكليزي ..

لا شيء تغير منذ مغادرتي سوى انتهاء أعمال الصيانة في الشارع الأخير ..

" فلماذا يبقى كل شيء على حاله ، بينما يجب أن نسرع لنمشي في الجنازة ؟؟

" أستغفر الله .. إنه ليس اعتراضًا .. لكن مهدي وعدني أن ينتظرني ..

" أتأخرتُ أنا ؟؟ ..

" أم عجلتَ إليه ـ يا صديقي ـ ليرضى ؟؟!!

سبحان الله ، كأني كنت متجهزا للتشييع .. كان كل ما أرتديه أسود اللون ، ما عدا القميص ..

كان المشيعون ينتظروننا ، ويتحضرون لحمل الجنازة إلى مثواها الأخير حين مررنا في شارع ال 16 الجنوبي ..

وصلنا إلى البيت ..

قال صديقي : سأعود إليك بعد أن أتأكد من تحرك موكب الجنازة ، ريثما ترى أهلك ..

وبينما عاد ، استبدلتُ قميصي ، وتخلصت من أنشوطة العنق ، ولبست معطفا جلديا أتقي بردًا قارسًا لم يمهلني الوقت للتكيف معه بعد ..

" ولم أكن أتخيل لنفسي يوما كهذا ..

" كيف سأتلقى العزاء والتهنئة بالوصول معا ؟؟!!

" لا أقبل أن يتساوى وصولي سالما مع فقدانك أخي العزيز ..

" بل ، لا قيمة لوصولي سالما إذا ارتهن بفقدانك أخي العزيز ..

جلست في السيارة جانب صديقي .. كنت مضطربا كالمفزوع ، ولم تكد السيارة تبتعد كثيرا بنا ، حتى طلبت من صديقي أن يعيدني إلى البيت .. وبدون نقاش أعادني ، ومضى ..

" كيف سأشارك في مواراتك الثرى النبلي يا مهدي ، ونحن حبتان صغيرتان منه ، مجبولتان منذ فتحنا عيوننا على طيور الشعير أيام البيدر ، والميل القبلي ، وأحجار الكروزة ، والجزمة المطاطية الملطخة بالطين الأحمر ؟؟!!

" كيف سأسير وراء نعش يضم جسدك النحيل ، وعينيك الضاحكتين اللتين كانتا آخر وأجمل ما رأيتك فيه ؟؟!!

" كيف سيكون وصولي سالما سليما ، وأنت جسد بارد منمنم ، كصورة أناملك حين كنت تجمعها على شفتيك وترمي لي بها قبلتك الدافئة الولهى ، مودِّعًا بلا مصافحة ولا عناق ؟؟!!

" لو عرفتُ أنك ستتركني وتمضي هناك ، جنوبا ، لأجبرتك على معانقتي في آخر لقاء .. ألم تكن تعلم أن عناقنا زوادة أثيرة لي ؟؟!!

" لكن ، لماذا ألومك الآن وأنا أكثر منك كرها لعناق الوداع ؟؟!!

" كيف طاوعك قلبك ، فمضيتَ دون أن تودعني حتى بقبلة شفهية معتادة ..

" كيف مضيتَ ، ولم تفِ بوعدك لي ؟؟!! ..

" ألم تقل : إنك بانتظاري ؟؟!!

" لقد سبق أن انتظرتني طويلا طويلا .. أضاقت عليك الأرض والدنيا بما رحبت ، ومضيت لا تأبه بوعدك لي ؟؟!!

" ألم يحتملك الزمان سويعات قليلة ؟؟!!

(( " كيف سكنتنا عشرين عامًا ، واختفيت ،

وظلَّ وجهُكَ واضحًا مثلَ الظهيرة ؟؟!! )) .. كيف ؟؟

(( إنا لله وإنا إليه راجعون )) ..

السبت ـ 08/01/2011

يوسف رشيد

مدينة حلب ـ حلبي .. 31/12/2010 ـ 01/01/2011




Posted by Picasa

الأربعاء، 5 يناير 2011

ماذا يعني أن تكون ...... في بلاد .....

ماذا يعني أن تكون ...... في بلاد .....

قرأت عنوانا استفزازيا لمقال في إحدى المدونات ، وهو قابل للعكس ، لكني لا أريد أن أصوغ ما يتعاكس ويتقاطع مع ذلك العنوان الذي اختاره الأخ المدون ..

وإن كنت أتفهم القليل مما جاء في مقاله الذي يحمل في طياته شعورا ممضا من الألم والمعاناة التي يلاقيها ـ ربما ـ المدون المهاجر المذكور وغيره .. إلا أنه يوجه اتهامات ظالمة وباطلة للعرب " عامة " ، ( بتحقير قوميات أخرى ـ حسب قوله ـ " كالأتراك والكرد والبربر والأمازيق وكل الأعاجم والهنود " ) ..

وقد ظهر من مقاله مقدار تلك المعاناة التي يعيشها في بلد المهجر (( وأظنه متشاطئا مع بلده )) ، متحدثا عن اتهامات متنوعة تـُوَجَّه " للفرس " ، لا أعرف من قِبل منْ ..

فقد وقع المدون في " التعميم " من خلال سوقه التهم التي ذكرها ووجهها للعرب عموما ، وهذا ما لا يمكن أن يكون صحيحا أبدا ..

فإذا كان ما ذكره " صحيحا " ، ويحدث في مكان ما ، وعلى نطاق ضيق جدا جدا ، فإن ذلك ليس موجودا في سائر البلدان العربية الأخرى ..

فلو " هاجرتَ " ، أخي المهاجر ، إلى أي بلد عربي آخر بعيد عن الذي أنت فيه الآن ، لتأكدتَ من وجود واقع آخر مغاير تماما ، ولتغير رأيك الظالم القاسي هذا .. ويمكنك أن تسأل غيرك ممن هاجروا إلى أماكن عربية أخرى أو زاروها لمدة طويلة : هل يعانون شيئا مما ذكرته ؟؟ ..

فأنا لا أنفي وقوع ذلك بالمطلق ، وهي أقوال وممارسات مرفوضة أساسا وجملة وتفصيلا ، وإن تكن نتجت عن طول الاحتكاك والتأثيرات الإعلامية السياسية والدينية التحريضية المغرضة التي تستهدف زرع الفتنة في صدور جميع المسلمين ..

ومن الخطأ الجسيم ، أن تحكم على العرب جميعا من خلال حفنة صغيرة منهم أو ممن التحقوا بهم ، يمارسون شيئا من تعاليهم الأجوف ، وتفاخرهم الأخرق ، وربما يكون كثير من هؤلاء " مجنسين " من أصول مختلفة متنوعة ، وربما من أصول فارسية أيضا ، ففرحوا بلون جواز السفر ، ولو كان يحمل صفتهم الواقعية الحقيقية ، من خلال الإشارة إلى طريقة اكتساب الجنسية " بالتجنيس " ، فتراهم يتبخترون كالطواويس ليغطوا علة دفينة في نفوسهم المريضة أصلا ..

وليس جميع المجنسين كهؤلاء القلة ، بكل تأكيد ، ونحن نحمل للكثرة الكثيرة منهم كل الاحترام والتقدير ، لأنهم امتازوا بكل الصفات الخلقية والإنسانية ، وساهموا بشكل حضاري في إغناء وتمتين عرى التواصل والإخاء ..

وهذه التصرفات الحمقاء ليست موجهة ضد الفرس فحسب .. بل هي تطال العرب الآخرين أيضا ، ممن لا يحملون نفس جنسية هؤلاء الطواويس ، كما تطال جنسيات أخرى بنفس المقدار والرعونة ..

فالعيب متعلق بهؤلاء وبنفوسهم المتعجرفة التي لم يهذبها سلوك الكثرة الكثيرة من سواهم ، وليس العيب بالجنسيات التي يمارسون فوقياتهم المريضة العفنة عليها ..

وهنا يتولد العنوان المتعاكس مع عنوان مقالك ، لكني لن أكتبه ، بل سأسألك :

هل سألتَ نفسكَ ذاتَ سؤالك معكوسًا ؟؟

هل تعرف إجابته ؟؟

سأفترض فيك حسن النية ، وأقول :

أنا أعرفها تماما ، وأعرف أن هناك ممارسات تشبه إلى حد كبير ما تحدثت عنه في مقالك ، ولو كانت أقل ممارسة وشيوعا ووضوحا ، وأكثر هدوءا ، لكنها موجودة بكل تأكيد ..

ولو كان الوافدون العرب عمالا في إيران كما هو حال أكثر الإيرانيين في الدول العربية المجاورة ، لكان في الأمر قول آخر لا يطرب له الأخ المدون العزيز ..

فكم هي نسبة الإيرانيين العاملين في الدول العربية المجاورة مقارنة بعدد سكانها ؟؟

وكم هي نسبة العرب العاملين في إيران مقارنة بعدد سكانها ؟

لا بأس ..

إن الخلل السكاني القائم له تأثيرات سلبية كثيرة ، ليس ههنا مجال بحثها .. لكن لا بد من الإشارة إليها على أنها أحد الأسباب التي يستند إليها بعض المتعجرفين لإظهار تذمرهم من الوافدين المنتمين لهذه الجنسية أو تلك ، والتي أيضا ، لا يسلم منها العرب عمومًا ، من بعض العرب ، حتى صارت كلمة " وافد " سُبَّة يستوي فيها العربي والهندي والفارسي والبلوشي ... إلخ .. باستثناء أبناء العم سام ، ـ"" تغمده الله بواسع رحمته "" ـ وكأن المهاجرين الوافدين يعيشون في قمة الهناءة والسرور على حساب المواطنين .. إلا أن الوقائع الحقيقية تنفي ذلك نفيا مطلقا ..

ولا أريد الدخول في مماحكات لا يستفيد منها سوى المتربصين شرًّا ، بنا جميعا ..

وإن كنت أستهجن كل ما يصدر عن الطرفين من إساءات تجاه الآخر ، وألفظه وآمل عدم وجوده ، وأدعوهم إلى التزام مبادئ الإسلام السمحة التي لا ترى فرقا بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى .. وأن يتواضع لله أولئك الذين يمارسون عنصرية مقيتة على العمالة الوافدة ، والتي لولاها لماتوا جوعا وعطشا ..

بقي أن أذكرك بأنك وقعت بشيء مما تشتكي منه : فأخذت تعيب أو تستهجن أو تستنكر على العرب حمل رسالة الإسلام وكأنك تجهل أو تتجاهل أن الله سبحانه وتعالى هو الذي اختار حَمَلة رسالته العظيمة ومكانها ولغتها ، وهو العليم الأعلم بما ستؤول إليه تلك الدعوة .. أليس كذلك أخي العزيز ؟؟!! وعليه ، فلا يستوي كلامك مع هذا الاختيار الإلهي ..

ثم إن الإسلام دين للعالمين وليس للعرب وحدهم .. والجميع مأمور بتمثل مبادئ الرسالة وحملها والدفاع عنها .. فإذا قصّر البعض في ذلك ، كان على الآخرين أن يملؤوا الفراغ ..

وأيضا ، هل يجوز أن نحرق البيدر كله لنتخلص من عقرب تسلل إلى أحشائه ؟؟!!

الأربعاء ـ 05/01/2010

الاثنين، 3 يناير 2011

الانتقام من دماء الشعب المصري ـ المجرم والمستفيد واحد

الانتقام من دماء الشعب المصري

المجرم والمستفيد واحد

إن أهم مبدأ من مبادئ القانون الخاصة بالجريمة ومرتكبيها ، يتمثل في معرفة المستفيد من الجريمة ـ أي جريمة ـ ، على أساس أن الضحية ومن يلوذ بها ، هم المتضررون منها حكما ..

وفي التحقيقات الأولية والمباشرة ، تلجأ السلطات القضائية ـ عادة ـ إلى توجيه الاتهام لشخص المستفيد من وقوع الجريمة ، على أنه متهم بها ، حتى يثبت العكس ..

وهذا المبدأ ، يمكن إعماله في كل الجرائم ، على اختلافها ، وتنوعها ، وتعدد مرتكبيها ، سواء كانوا أشخاصا عاديين ، أو منظمات ، أو دولا ..

ولو أن الفاعلين دوما ، هم أشخاص عاديون ، يستوي في ذلك ، قيامهم بتنفيذ الجريمة لصالحهم ، أو لصالح تنظيماتهم أو دولهم ..

وقد يرتكب أحدٌ ما جريمة ، فيستفيد شخصٌ آخر منها ، كما قد ترتكب جماعة أو دولة جريمة ، فتستفيد منها جماعة أخرى ، أو دولة أخرى ، وهذا لا يغير من واقع الجريمة وتكييفها القانوني ، وتوصيفها ..

لكننا لا يمكن لنا أن نتهم بها ، المستفيدَ عَرَضا من وقوعها ، لأن ذلك يخفي المجرمَ الحقيقي ، ويفلت من العقاب ، بينما يُجَرَََّم البريء ، ويُتهم بما لم يرتكب ، وقد يُحكم عليه بالعقوبة القانونية المنصوص عليها ، فيكون الحكم قد جرَّمَ بريئا ..

والعدالة الحقيقية تأبى ذلك على نفسها ، وترفضه ، إعمالا لقاعدتها الشهيرة : خير للعدالة أن يفلت منها ألف مجرم ، من أن يُجَرَّمَ بريء واحد ..

فالمجرم الفارُّ من وجه العدالة ، يبقى مجرما ، طال الزمان أم قصر ، لكن البريء المحكوم ظلما ، قد يفقد حياته جرّاء ذلك ..

ولو عدنا إلى مبدأ " المستفيد " من وقوع الجريمة ، لوجدنا أمثلة لا تعدُّ ولا تحصى ، من الجرائم التي ترتكبها الدول تحت مسميات وشعارات ، اختلقوها ، كي يسوّغوا جرائمهم التي يرتكبونها ضد الأشخاص والشعوب والدول يوميا ، وفي وضح النهار ، وبقرار أممي أحيانا ، دون وازع من رحمة ، أو ضمير ، أو مبدأ ، أو دين ، أو خلق ..

كل ما في الأمر ، أنهم مجرمون ، ويرتكبون جرائمهم عن سابق تخطيط وتآمر وإصرار وتصميم ، لتحقيق أهدافهم السياسية أو العسكرية ، إرهابا للشعوب أو للدول التي لا تسير في ركاب مشاريعهم المشبوهة المجرمة ..

فمن كوبا ـ على سبيل المثال ـ إلى فييتنام وكمبوديا وتشيلي وأفغانستان والعراق ، مارست الإدارات الأمريكية المتعاقبة مختلف صنوف الجرائم ضد شعوب وحكومات تلك البلدان وغيرها ، كما ساهمت في كثير من الانقلابات التي راح ضحيتها آلاف الأبرياء ، وارتكبت كثيرا من الاغتيالات السياسية ، وحاكت المؤامرات حول العالم تنفيذا لمآربها وخططها وبرامجها العدوانية المعادية لتطلعات الشعوب ونضالها نحو التحرر والانعتاق من التبعية ، ولاسيما في مرحلة الحرب الباردة ، التي سادت بعيد الحرب العالمية الثانية ..

وقد تمثلت جريمتها المستمرة الكبرى ، في زرع وتبني الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة ، وعانى الشعب العربي عموما ، والشعب الفلسطيني خاصة ، من تلك الجريمة ما عانى ، وما يزال شعبا مطرودا من دياره ، مشتتا ، لاجئا في أصقاع الأرض ، كنتيجة حتمية لتلك الجريمة النكراء ..

ولم تتوقف الإدارات الأمريكية عن ارتكاب جرائمها ضد الشعب العربي في العراق ، فاحتلته ودمرته وقتلت أكثر من مليون مواطن من أبنائه .. لا لذنب اقترفوه ، إنما لكذبة وخديعة كبرى كذبتها إدارة بوش على العالم كله ، وبات ذلك معروفا للقاصي والداني ..

وليس السودان واليمن والصومال ببعيدين عن تلك المصالح المجرمة والمؤامرات الدنيئة ..

أما في أفغانستان وباكستان ، فحدث ولا حرج ..

وهنا يحق لي أن أتساءل السؤالين التاليين :

ـ من هم أصدقاء أمريكا في العالم ؟

ـ من هم أعداء أمريكا في العالم ؟

لا أعتقد أن الجواب يحتاج إلى كثير عناء .. لأن الأمريكيين أنفسهم لا يخفون الجواب عن أحد في العالم .. بل يصرحون به كل لحظة ، وعلى رؤوس الأشهاد ، بلا وجل ولا مواربة ..

فأصدقاء أمريكا هم أصدقاء " إسرائيل " ، وأعداؤهم هم أعداؤها ..

هل يشك أحد بهذا ؟؟!!

فإذا كان أمن العالم من أمن " إسرائيل " ، فلا شك بعد ذلك ..

وهنا لا بد من نتيجة نستنتجها ، وهي : أن أمريكا و " إسرائيل " وجهان مجرمان لعملة قذرة واحدة ..

يشهد على ذلك ، ويؤكده بما لا يقبل اللبس والغموض ، ما ترتكبه الدولتان من جرائم ضد الإنسانية والشعوب والدول والحكومات التي تختلف معها ـ مجرد اختلاف ـ في الرأي ، ليس إلا ..

والدليل هو : ما الذي اقترفته تلك الدول بحق أمريكا حتى " كافأتها " أمريكا بما كافأتها به ، من احتلال وتدمير وقتل ، منذ الهنود الحمر ، السكان الأصليين للقارة الأمريكية ، حتى فييتنام والعراق والسودان وباكستان وأفغانستان واليمن .. و .. و .. و .. والصومال بأراضيه وشعبه فقط ، وباستثناء قراصنته ، التي تبدو " عاجزة " عن استئصالهم ..

ودليل الوجه الآخر : هو استمرار الكيان الصهيوني في احتلاله فلسطين ، وعدم استجابته لمتطلبات السلام " الشامل والعادل " ، وعدوانه المستمر على الشعب العربي الفلسطيني وعلى البلدان العربية المجاورة بشكل أو بآخر .. حربا ، وإبادة ، وتهجيرا ، واستيطانا ، وتدميرا ، وحصارا ، واغتيالات ، ومجازر يومية وأسبوعية وشهرية وسنوية ، وقتلا ، وأسرا ، وتجسسا .. وفتنة متنقلة على مدار الساعة والأديان والطوائف والأحزاب ، وكل ما يتصل بكل تلك ..

وهنا بيت القصيد ..

وأجدني مضطرا للتساؤل على ضوء ما تقدم :

من المستفيد الأول والأكبر من تلك الجرائم التي ترتكب يوميا ضد الدول العربية والإسلامية وشعوبهما ؟؟ كجرائم الاغتيالات السياسية وجرائم التحريض الديني ، وجرائم الفتنة المذهبية والطائفية والسياسية وغيرها ؟؟

وإذا كان الصهاينة مرتبطين بمعاهدة " سلام " مع مصر ، ومع ذلك ، ما يزالون يرتكبون جريمة التجسس عليها ، فما حجم الجرائم التي يرتكبونها بحق من لا يرتبطون معها بمثل تلك المعاهدة ؟؟!!

وإذا توقف الأمر عند هذا الحد ، فله تعليل ، كون تلك الدول " معادية " لها ..

لكن ، ما علة تجسسها على أمريكا نفسها ؟؟!!

في الواقع ، ليس هناك من علة ، لكن هناك تعليلا واحدا وواضحا أيضا :

إن الكيان الصهيوني كيان عنصري ، لا يثق بأحد في العالم ..

ولأنه كيان عدواني ، فلا تربطه المواثيق ولا المعاهدات ، ولا يحترمها ولا يقيم وزنا لأي شرعة دينية أو أخلاقية أو تعاقدية ..

ولأنه كيان مجرم ، لا يرى وجوده إلا على جثث ضحاياه ، فيحيك المؤامرات والدسائس ، ويثير النعرات والفتن ، بعملائه وجواسيسه والخونة المتآمرين معه ، لتبقى الشعوب ضحايا يقتات على دماء أبنائها الأبرياء ..

ولأنه كيان " أوهى من خيط العنكبوت " ، يظن أن تجسسه وتآمره على العالم ، سينقذه من السقوط والانهيار الحتميين ..

(( فالصهاينة ـ عبر المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ، مثلا ، ـ أسسوا لفتنة مستعرة ، بدأت بين سوريا ولبنان ، وحين استعصت عليهم تلك ، حوّلوها إلى فتنة داخلية بين أبناء الشعب اللبناني الواحد ، لتمزيقه وإشغاله عن جرائمها )) ..

وما يفعلونه بوادي النيل ، ليس أقل من جريمة أخرى تضاف إلى سجلهم الإجرامي الشنيع المليء بأبشع ما عرفته الإنسانية من جرائم ..

وبحكم توزيع الأدوار بين الصهاينة وأمريكا ، فإن جنوب السودان تتولاه السياسة الإجرامية الأمريكية ، بينما تتولى أداتها " الصهيونية " المجرمة ، افتعال الفتنة في مصر ، رغم المعاهدات والمواثيق ، في محاولة مكشوفة وسافرة ، لإنهاك الشعب العربي المصري بدمائه ، تعمية له عما ينفذه الصهاينة وعملاؤهم في الخفاء ، لتمرير المشاريع التي تخدم الطموحات الصهيونية ، سواء على الصعيد الداخلي المصري ، أو على الصعيد الفلسطيني المتعلق بالسلطة الفلسطينية ..

وقد ارتكبت محاولات إجرامية سابقة ، فلعق المصريون جراحهم ، واستطاعوا التغلب عليها وتطويق نتائجها ، لكن التفجير الإجرامي الأخير ، لا يمكن ألا أن يكون مختوما بالخاتم الصهيوني ، تخطيطا وتنفيذا وأهدافا ، شأنه شأن كل الجرائم التي ارتكبت في لبنان ، بدءا باغتيال الحريري ..

فالذي يتجسس على دولة تربطه بها معاهدة " سلام " لن يتورع عن إشعال نار الفتنة بين أبنائه ، لأن هذه نتيجة حتمية لتلك ..

إن الجريمة الصهيونية المُدانة ، قد تكون منفذة بأيد أخرى ، تماما ، كما اغتالوا المناضل الفلسطيني " محمود المبحوح " مؤخرا في دبي ، إلا أن الصهاينة هم المجرمون الحقيقيون ، وهم وراء ذلك ، وهم المستفيدون منه أولا وآخرا ، وهم المخططون والممولون والمحرضون والمنفذون ، ولو بأيدٍ أخرى ..

إن الصهاينة المجرمين ينتقمون من جميع أبناء الشعب العربي في مصر ، لأنه الشعب العصيُّ على التطبيع ..

وإنني إذ أعزي الشعب العربي المصري الشقيق ، بوقوع الضحايا الأبرياء ، أدعوه إلى التعالي على الجراح التي أصابتنا جميعا بآلامها ..

فالشعب المصري كله هو الخاسر من أية جريمة كهذه .. وإن الدماء التي سالت هي دماء عربية مصرية ..

وإن القتلة المجرمين المستفيدين هم الإرهابيون الصهاينة ، والصهاينة فقط .. فيجب ألا نمكنهم من أنفسنا ، ولا من دمائنا ، ولا من مصالحنا ، ولا من حريتنا .. ولا من مستقبل شعبنا وأمتنا ..

(( فلا حَدٌّ يُباعدنا ولا دِين يفرّقنا ))

الأثنين ـ 03/01/2010