الأحد، 4 يوليو 2010

قصة قصيرة جدا

قال العصفور لأمه : أنا لا أحب الطيران ، ولا أريد أن أطير بعد اليوم ..
قالت الأم : كيف ستأكل وتشرب؟
قال : ألا تريدين مساعدتي؟
قالت : ولكني قد لا أستطيع أن أجلب لك الماء..
قال: لا أريد ماء ..
قالت : لن تعيش بدونه ..
ظلت الأم تأتي لعصفورها الوحيد بالطعام والشراب أياما ، وحين اصطادها طير جارح ، انتظرها طويلا ..
فلما تأخرت ، وكاد يموت عطشا ، حاول أن يطير ، فسقط من العش .. وحاول ، وحاول .. فلم تحمله جناحاه .. وصار طعاما للزواحف ..

24/06/2010

في ربوع الذاكرة ـ قصة قصيرة

ـ الضَّياع :
لم أشك لحظة في حبها لي ، لكني مع ذلك ، كنتُ موقنا أن حبنا هذا لن يعصِمَنا عن مخاطرَ جمَّة ، لا بد أنها ستعترضنا شئنا أم أبينا ..
لماذا لم تصرّحْ لي بحبها حتى هذه اللحظة ؟
رحم الله جدّتي ، كانت تقول لي : في العتمة تستوي كل النسوة ..
بقيتُ في الغرفة وحيدًا مع دمعة لا أعرف لماذا سقطتْ ..
قلبتُ شفتي ، قد تكون ترحّمًا على جدتي .. قلت ذلك وأنا أسحق عقب السيجارة ..
أيام تمطر السماءُ حزنا ، يقولون : ها هي السماء غضبى ..
ويقولون : إننا أشرار ونستحق ذلك ..
ويقولون : ما يزال في العمر متسع ، وسنكون .....

ـ التمرُّد :
في صغري ، كان حلمي الأوحد ، أن أكبرَ بسرعة ، لئلا يحاسبَني أبي فيما لو تأخرتُ قليلا ، أو بتُّ خارج البيت دون إذن مسبق .. لكن حلمي لم يكنْ يكتمل إلا حين أكون في الأزقة والشوارع والحقول التي نزحْتُ عنها مبكرا مع الأسرة .. فإذا ذهبتُ إلى القرية ، تضيق أمامي الحقولُ الفسيحة ، وتشردُ بي الأفكارُ بعيدا ، يغمرني فرحٌ باللهو وبالمحبة البريئة ، وبالعشق الذي لم أذقه ..
كنتُ أنا وهادي نتمشى عبر الحقول الشمالية ، حين نظر إليّ ضاحكا عن أسنان متباعدة متسخة ، كأنه فرغ للتو من أكل حفنة تراب ، ثم ضيَّق عينيْه ، وسألني بلهجة رجل متزن : أراكَ تفكر فيها ؟!
استغربتُ سؤاله ، وقلتُ بسرعة : منْ هي ؟؟
قال ، فيما تكاد عيناه تغمضان : حبيبتك ..
صمتُّ طويلا ، لفحتْنا هبّاتُ هواء محمّلة بالغبار المُثار من غنمتيْن تتناطحان على نبتة خضراء ..
قال هادي : عدْتَ إليها ؟؟
كنتُ أبحثُ عن الجواب : أأكذّبُ تخميناته ، أم أحكي له مزاعمَ مختلقة ؟؟
لم يطلْ تفكيري ، فقلتُ له : أحبها كثيرا .. وأتخيلها قادمة من الشفق الذي يعتلي الأفق ، وأكادُ أسارعُ لاستقبالها ..
نظرَ إلي والدهشة باعدََتْ أجفانه ، فبدتْ عيناه في أقصى اتساع لهما .. لكني تابعتُ متجاهلا :
منذ أيام غافلتها عندما كانت عندنا ، وسرقتُ قبلة من خدها ، فغضبتْ ، وحزنتُ كثيرا ، لكني تنفستُ الصعداء حين رمقتني بنظرة رضى وهي تغادر بيتنا ..
توقفتُ عن الكلام ، كان هادي ينتظر مني المزيد ، وعندما طال صمتي ، لكزني بعدما أشعل سيجارته وقال :
أنسيتَ البقية ؟؟ ما بك ؟ تكلم ..
بدأ الظلام يخيّم علينا ، وبدأنا نستجمعُ أنفسنا للعودة ، فقال بلا مقدمات : أنا أعشق أغنامي .. وأنت تعشق جارتك .. أتبادلني ؟؟!!
من العجيب في ذلك اليوم ، أن العصافيرَ والطيورَ غابت عن السماء .. والأعجب ، أني صدّقتُ نفسي فيما رويْتُ ، حتى ظننتُ أن طريق العودة ، صار أقصر بكثير ..

على طاولتي ، تنهدْتُ ، وبين أصابعي سيجارة لم أشعلها :
ترى !! لماذا يفقدُ المُحِبُّ الجرأة على لمْس حبيبته بعدما يكبران ؟؟!!

ـ الممارسة :
كنتُ مسافرًا إلى دمشق ، حين صعدَتْ إلى باص الهوب هوب امرأةٌ تغطي وجهَهَا بغطاء أسود ، يشفُّ عن مساحيق فاقعة ، وترتدي في يديْها قفازيْن أسوديْن ، وفي ذراعها محفظة نسائية كبيرة نسبيا ..
خيّرَها المعاونُ في مكان جلوسها ، فطلبَتْ مني بصوتٍ أجشَّ أن تجلسَ بجانب النافذة ..
وبعد حديث طويل ابتدأتْه باعتراضها على موقف المجتمع من تدخين المرأة في مكان عام .. مرورًا بموجز عن قصة حياتها ، وطريقة عيشها ، ومقصدها الذاهبة إليه ، ثم عن جيرانها الذين نصّبُوا من أنفسهم أوصياءَ عليها ، وانتهاءً بالجنس في أبشع صوره وأنواعه وممارساته .. أخذت المرأة راحتها بجانبي ، واسترْسَلتْ :
تحبُّني النساءُ أكثر من حبّهن للرجال ، لآني أتحسّسُ خلجاتهن ، وأتفهَّم مطاليبهن ، وأساعدُهن على تحقيق كل رغباتهن ..
كأنْ أصْحَبَ فتاة إلى بيت عشيقها ، أو أنفردَ بأخرى لنتداعبَ ، فترتمي بين يديَّ كقطعة قماش بالية ، فترجوني وتستزيدني وهي تقبّلُ قدمي ..
وكثيرًا ما يأتينني بالهدايا النفيسة ، لتحصلَ واحدتهن على موعدٍ تزورني فيه أو أزورُها .. وقد ننامُ ليلتنا في سرير واحد ..
ولي صديقة تنتظرُ غيابَ زوجها بفارغ الصبر ، لنقضيَ الليل معًا ، فلا يُغمَضُ لنا جفنٌ ، حتى إذا ما طلعَ الصبحُ ترانا متهالِكتيْن لا قدرة لنا على الحراك ..
وتابعتْ وهي تقرأ ملامحَ وجهي من تحت النقاب :
أعرفُ اثنتيْن طلقتا زوجيْهما وتعيشان الآن معًا كما يعيش أي زوجين ..
وعندما شاهدتْ في وجهي استهجانا ، قالتْ وهي تدفعُ بساقها تحت ساقي :
هنّ مجنوناتٌ ، وقليلاتُ العدد ، ولا يشكلنَ قاعدة ، ولا يعرفنَ ملذاتِ الدنيا الحقيقية ..
كان غطاءُ وجهها يُخفي تحته سنواتِها الخمسين ـ ربما ـ
وقد خلعَتْ قفازيْها ، لتأكلَ من علبة الحلوى التي قدّمَها لها المعاونُ ، بعد توقفنا في استراحة النبك ، فناولتني شيئا منها وسألتني بخبثٍ ماكر : متى ستعود إلى حلب ؟؟

ـ المُنطـَلـَق :
لماذا يستهوي الأولادَ عَدُّ النجوم ؟؟ ولماذا يُصِرّون على ذلك إذا مَنعَهم أحدٌ ؟؟
حين نكون نائمِين على دكة بيتنا في الضيعة ، كانت أمي تخيفني من عَدّها ، كي لا تنتشر الثآليلُ في جسمي ، فسألتها مرة : إذا كانت كلُّ نجمةٍ بثؤلولة واحدة ، فكم واحدة يساوي القمرُ يا أمي ؟؟

الجمعة / 02ـ30/ كانون الثاني/1976

على ذمّة الرّاوي ـ قصة قصيرة

كنتُ أعرفُ كلَّ شيءٍ ، لكنّي لم أقلْ أيَّ شيءٍ .. لم أجد المناسبة التي أضمنُ فيها تقبّلكَ لما أريدُ قوله .. كنتُ أضيقُ أحيانا من نفسي ، ومن ثقل ما يحملهُ رأسي المُتعَب ..
لكنَّ حبّي لكَ ، وإشفاقي عليكَ ، جعلاني أؤثرُ شيئا من العذاب في نفسي ، على أن أبوحَ لكَ بكلام ، أرى أنكَ لستَ مستعدًا لتقبُّله ، واستيعابه .. فبقيتُ صامتا طيلة الوقت الذي مضى من عمر العلاقة بينكما ..
ولم يكنْ صمتي ، صمتَ الغافل الذي لا يرى ما يجري حوله ، أو صمتَ الماكر الذي يفركُ يديْه فرحًا وشماتة ..
كنتُ أحزنُ حينا ، وتهزّني قشعريرة فرح حينا آخر ..
حيث إن المعركة التي قُدِّرَ لي مراقبتُها عن قربٍ ، لم يكنْ فيها سواكما ، وأنتما عندي في منزلةٍ أعز عليّ من أعز إنسان آخر في الوجود .. فآثرْتُ الصمتَ ، والتزمتُ به ، ورعيْتُ علاقتكما رعاية أبٍ لطفلهِ الوحيد ، يحاولُ أن يؤمّنَ له كلَّ أسبابِ السعادة والراحة .. يفرح ُ لفرحِه ، ويتألمُ لألمِه ..
كنتُ أحسُّ بكلّ خلجةٍ تختلجُ في صدريْكما .. كانتْ تبدو على الوجهيْن بأدلةٍ قاطعةٍ لا تقبلُ الشكَّ ولا التأويل ..
أحاولُ رأبَ الصدْع حيثما رأيته .. أجمعُ الشمْلَ .. أصلحُ ما أراه فاسدًا بينكما .. أشنُّ هجومًا على كل فردٍ منكما منفردًا عن الآخر .. ألومُه ، وأؤنبُه ، حتى يتسارعَ كلٌّ إلى الاعتذار ..
وظلَّ تصاعُدُ العلاقة بينكما ونموُّها ماثلا أمام عينيّ .. كذّبْتُ نفسي بادئ ذي بدء ، وقلتُ : إني أحَمِّلُ الأمورَ أكثرَ مما تحتملُ .. لعلهما لا يقصدان شيئا غيرَ توطيدِ عُرَى الصداقة ، والحفاظ على معانيها ..
أسمعُ همساتٍ من الأطراف ، فأسرعُ إلى تكذيبها وتفنيدها ..
ومن دافِع الحبِّ الذي أكنُّهُ لكما ، والصداقةِ التي تربطنا ، لم أحاولْ قط ، إثارة أمر أرى فيه إزعاجًا لكَ خاصة ، لأني ضعيفٌ أمام تهكمكَ في مثل هذه الأحوال ..
أما الآن ، فلقد قرّرْتُ أن لا أتركَ شيئا دونما النظر فيه ..

إنكَ أخطأتَ كثيرًا ..
آنذاك ، لم أجد الشجاعة الكافية لأقولَ لكَ : إنكَ مخطئ ..
لقد كنتَ في نظري إنسانا آخر .. أسوِّغ لكَ أخطاءَك ، وأصوغها مصبوغة بألفِ لون ولون .. وأقلبُها على كافة الوجوه ، حيث يرضيني أقلُّ الوجوه جمالا .. لا يهمّني في ذلك أيُّ شيء ، سوى أنْ تكون بعيدًا عن الخطأ ولو في نظري على الأقل ..
وهكذا بقيتُ معكَ طيلة أكثر من سنة ، هي عمرُ العلاقة بينكما ، إذا صحّت التسمية ، لأني مع ذلك ، أشكّ في أنها علاقة حقيقية ..
إنّ جزئياتٍ كثيرةً ، يتوهّمُ معظمُ الناس ، فيظنونها حقائقَ .. لكنها لا تلبثُ أن تتبدّى لهم وهْمًا وسَرابًا ، لا تختلفُ في شيءٍ عن الأوهام التي تسيطرُ على عقولهم ..
حتى إن ثقتي المطلقة بتصرّفاتك ، وبكَ شخصيا ، جعلتْني أكذّبُ فيكَ ما تراه عيناي ، إذا لم تقله لي أنتَ بلسانك ..
ومع كل هذا ، كان لا بد أن تصِلا إلى ما وصلتما إليه ..
ولعلي إذا أردتُ أن أحدّدَ المسؤولية ، لقلتُ بلا تردد : إنكَ أنتَ المسؤولُ عن كل ما جرى .. وعليكَ المضيُّ إلى الأمام ، وفي نفس الاتجاه والطريق ، لأنكَ قطعتَ شوطا طويلا ، ولم تحدّدْ له نقطة الوصول منذ البداية ..
أكرّر : إنكَ أنتَ المسؤول أولا وأخيرا ، لأنكَ لو أذبْتَ جسدَها ، وجعلتَه عجينة ليّنة ، وجعلتَ فيه قوّة التخلق بهيئةٍ له حرية اختيارها ، لوجدْتَه ، بعد لحظاتٍ ، قلبًا يحتوي الجسدَ ، لا جسدًا يحتوي القلب ..
وبعبارة موجزة :
إنها كتلة من العواطف والأحاسيس المرهَفة .. إنها قلبٌ كبيرٌ بصورة جسدٍ كامل ..
لقد كنتَ لها مزرعة خصبة ، انزرعَتْ فيكَ شجرةَ زيتون ، ونَمَتْ ، وأزهرَتْ ، وأثمَرَتْ .. فما بالك اليوم تتأفّفُ وتتضجّرُ سأمًا لغيرتِها من تصرفاتك ؟؟!!
إنكَ تجرحُها في الصميم ، تقتلعُها من جذورها التي رعيْتَها أنتَ بذاتك ، وتحرقها ، ثم تذروها رمادًا في عاصفة هوجاء ..
إنها لم تتوانَ في لحظةٍ من اللحظات ، عن التضحية بكل غالٍ ورخيص من أجلك .. إنها تحزنُ وتضحكُ من خلالك .. تعيشُ معكَ ، حاضرًا كنتَ أو غائبًا .. لسانها يلهَجُ بذِكركَ ، كلسان متصوف ..
أنسيتَ ؟!
إني لم أنسَ يوم قلتَ لي كذا وكذا وكذا ....
هل تذكرُ كيف كانت إجابتي آنذاك ؟؟ حسنا ، سأذكّرُك ،
قلتُ لك : إنها محسوبة علينا ، والأفضلُ أن تبقى علاقتنا كما هي .. إنكَ لسْتَ بحاجةٍ إليها الآن ، وها نحن سعداءُ وقانعون بهذه العلاقة ..
إني أعرفُ أنكَ لم تقتنعْ بكلامي ، وبقيتُ بيني وبين نفسي ، خائفا من المصير المرتقب ، لأنك عنيدٌ ، وعمليٌّ ، ولا يمكن أن تمرَّ فكرةٌ برأسكَ دون أن تسعى بدأبٍ لبلوغها ..
وثمة تصرفاتٌ كثيرة لك ، أكّدتْ لي هواجسي ، وجعلتْني متيقنا من نواياكَ تجاهها ..
إني أراها تتهَرَّبُ منكَ ، تهرُّبَ الراغبِ الخائفِ .. إنها بمقدار ما ترغب بتلبية ما يروق لك ، تتهرّبُ خوفا من الوقوع في هاويةٍ يصعبُ الخروجُ منها ، ولئلا تتلوثان بما يسيءُ إليكما ، الأمر الذي سيؤدي إلى إشكالات ، أنتما في غِنى عنها .. وهي ترى وراءَ الأكمة ما لا تريد الوقوع فيه ..
إني أقولُ نيابة عنها : إنها تفضّلُ أن تظلَّ قريبًا منها طيلة العمر ، على أن تقضيَ معكَ لحظاتِ هيام وشوق وغرام ، ثم ينتهي ذلك سريعًا ..
إنها لا تريدُ لذةً مؤقتة .. إنها وَلهَى بكَ ، مأسورةٌ لك .. ترغبُك دومًا وأبدًا .. إنكَ ملاكٌ في عينيْها ، حتى لقد جعلتكَ ملاكا في أعين الذين عرَفوكَ من خلالها .. وعَرَفَ القاصي والداني أنها واقعة في حبائلك ، وغارقة في لجَّتك .. فرحماك ..
لماذا بقيتَ أنتَ بعيدًا ؟؟ بقيْتَ في برج عنادِكَ الذي قلما تزحزحتَ عنه .. لا أعرفُ لجهلٍ ، أم لتجاهل ؟!
حقيقة .. كان أمرًا محيرًا ..
لكن الذي يزيدُ حيرتي قوةً ، أنكَ فجأة ، فتحْتَ لها بابَ قلبكَ على مصراعيْه ، فأخافَها الولوجُ خشية الضياع والانتهاء .. لكنّ إصرارَكَ وإلحاحَكَ عليها بالولوج ، جعلاها تنساقُ وراءَ عاطفتها التي طالما أرّقها بُعدُها عنكَ .
إنكَ لم تكنْ مقتنعًا بهذا الموقف .. لكن مجرَّدَ التفكير فيه ، ثم انفتاح السيرة ، دفعاكَ لتنفيذه دون أن تحسبَ حسابَ النتائج ، أو لخطأ في تقديرها ..
لكنها هي لم تكن لتصدِّقَ أنها بين ذراعيك ، فطارتْ على جناحيْ نسر خرافي وهمي ، ظنتْهُما بساط الريح ، تسيّرُهُ بأمرها إلى حيثُ تشاء ، ووقتما تشاء ، تصحبُ فارسَها ، مزهوّةً به ، سعيدةً إلى درجة الجنون ..
وكان لا بد أن ينالَ أحدُكما من الآخر .. فرويْتَ ظمأكَ المعهود .. وأطفأتَ قلبَها الملتاع ، فأصابكَ شيءٌ من الذي يصيبُ آكلَ العسل ..
وازدادتْ هي التصاقا وولوعًا ..
وهذا ما لم ولن أسوِّغَه لكَ ما حييتُ ..
لقد كفرْتَ بكل القيم ، حتى صارَ الغفران ُ مستحيلا .. هدّمْتَ بيديكَ كلَّ صَرْح ، وتركتَها بين الأنقاض ، دون أن تمدَّ لها يدَكَ لتساعدَها ، ولو بدافع الصداقة على الأقل ، إذا افترضنا عدم قدرتكَ على إنقاذها .. وهذا ما أشكُّ فيه ..

اعذرني على قلة أدبي معك ، لأول مرة في علاقتنا ، لكني ما زلتُ أحترمُكَ كلَّ الاحترام ، وأقدِّرُكَ كلَّ التقدير .. إلا أنّ الحقيقة تستدعي مني توضيحَ دقائق الأمور حسبما كنتُ أرى وأسمع ..
صدّقني : ما عرفتُكَ جبّارًا إلا لأيام قليلةٍ مضَتْ ..
لكنّ الجوادَ الذي حَمَلك وتحَمّلكَ فترةً طويلة ، آنَ وقتُ كبوته ، فكبا ..
كنتُ أتمنى أن لا أراكَ في هذه الحال ، في نفس الوقت الذي لم أكنْ فيه راضيًا عن دموعِها ، المنهمرةِ بسخاءِ دِيَم الشتاء ..
لقد عزَّ عليَّ ما أنتما فيه من ألم ، وحيرةٍ ، وضيق .. فلم يكنْ لي بدّ من مواساتِها ، لأنكَ أنتَ المجرمُ بحقها .. ومع ذلك ، لم أحاولْ تعميق الشرخ بينكما ، وجاهدْتُ أنْ أخففَ وقْعَ المصيبة عليها ، وأصوِّرَ الأمرَ بأنه طبيعي وعادي .. لكنه في حقيقته أكبرُ من جريمةٍ بحق إنسانةٍ تعَبّدَتْ في محرابكَ ..
اعذرْني ثانية .. فلقد صار جُبْنًا صمتي عمّا أرى ، وخيانة بحق الصداقة التي نستظلُّ بظلها ..

لا أدري إذا كان في صدركَ شيءٌ تريدُ البوحَ به .. ها إني منتظرٌ كلامك ..
.......................................................................

حسنا .. سأكملُ إذن ما دمتَ لا تريدُ الكلام ..
إني لا أعيبُ ، الآنَ ، عليكَ صمتَكَ .. بل لعله يساعدني ، ويشجّعني .. والعتمة تخفي عن عينيّ ما يعتلي وجهَكَ من قسماتٍ وغضبٍ .. لذا ، لن أجدَ وقتا أفضلَ من الآن ، لأنفثَ كلَّ ما تراكمَ في صدري وعقلي وقلبي ..
صحيحٌ أنكَ كالشاطئ الذي تنتهي على رماله وصخوره أعتى الأمواج .. لكني موجة تمتطي قاربًا فولاذيًا ، فاستعصى على رمالكَ وصخوركَ ..
هبْني ما شئتَ .. إني صديقكَ فُرضْتُ عليْكَ ، وفُرضتَ عليَّ .. وأصْدَرَ القدرُ حكمَهُ القطعيّ علينا بذلك .. فسواءٌ تكلمْتَ أم لم تتكلمْ .. الأمرُ سيّان عندي .. حتى إنه لا يهمُّني رأيُكَ في كل الكلام السابق ، لأني واثقٌ من صحة كل ما قلتُ ، وواثقٌ أنكَ أولُ منْ يُؤيدُني فيه ..
فهلاّ رغبْتَ في الكلام ؟؟ أم ما زلتَ راغبًا عنه ؟؟
قلْ أيَّ شيءٍ .. قلْ لي إنكَ مخطئٌ ، إنكَ مجنونٌ ، العنّي ، اشتمني ، اضربني .. افعل بي ما شئتَ .. أسْمِعْني صوتَكَ ، رأيَكَ ، قل .. تكلمْ .. لا تتركني في لجّة الحيرة ..

لكني ـ وحقِّ السماء ـ لسْتُ مخطئًا .. إنما مكابرتكَ أولا وآخرًا هي التي قادتْك في ذاك الطريق ، وهي التي تمنعكَ عن الكلام الآن ..
كنْ جريئًا كما عهدتُكَ .. أهي الحقيقة المُرّة تكمُّ الأفواهَ ، وتقطعُ الألسنَ ؟؟!!
إني لأخشى أن تثورَ ثائرتكَ عليَّ لوقاحةِ ما أقولُ ..
إني أعرفُ ذلك .. لكنْ .. أقسمُ لكَ ، إنها ليستْ بإرادتي .. ولستُ أقصدُ إغاظتك ، إنما طبيعة الصدق وضرورتها في علاقتنا ، تستوجبُ كلَّ هذه القسوة .
ثم ، مُرْني لأصمت ، إن لم تكن راغبًا في سماعي ..

لله ما أفظعَك !!.. الخنجرُ في صدرها ينزُّ دمًا ، وتأتي صارخا بأعلى صوتكَ ، محتجًّا على معاملتها لك .. وتلومنا على مجاراتها !!
هل كنتَ ترضى أن نتركها تنصرفُ وحيدة ، وهي في هذه الحال ؟؟
أم نأتي بها إليكَ ، وأنتَ بين جليساتكَ ، ليسخرْنَ من دموعها ؟؟!!
أم نترككَ ، ونمشي معها ، لنخففَ عنها ألمَ طعناتك ؟؟
تُرى ؟؟ هل كنتَ أنتَ مقتنعًا بذلك ؟؟ أم جأرْتَ علينا بصوتكَ استباقا للحوادث ، على مبدأ " ضربَني وبكى ، وسبقني واشتكى " ..
كنتُ آملُ أنْ تضعَ نفسَكَ مكانها أولا ، ثم مكاننا ثانيا .. بعدها ، قل ما شئت ، وافعل ما شئت ..
ثم إن معلوماتي تؤكد أنكَ ما تزالُ تعيشُ قصة غرام ، جذورُها في أعمق أعماقك .. فكم من الأسى والمرارة كنتَ ستتجرَّعُ ، فيما لو جافتْكَ حبيبتُكَ مقدارَ طرفةِ عين ؟؟..
منذ متى سيطرَتْ عليكَ كلُّ هذه الأنانية المقيتة ؟؟!!
أليس الحبُّ تضحية ؟؟!! فمن هم الضحايا ؟؟
......................................................................................................................................................
مازال صمتُكَ يشجّعني .. ليتني فاتحْتُك من زمن ،، هل كنت ستلزمَ صمتَ أبي الهول هذا ؟؟ أم إنك فقدْتَ كلَّ أسلحتكَ الدفاعية ، أمام شموس من الحقائق تبهرُ العيون ؟؟!!
ليس بأكثر من خمس كلمات ، وينتهي كل شيءٍ على ما يُرام .. انفضْ من رأسِكَ العنادَ والمكابرة ، وكنْ فوق الأنانيات .. ولستَ بحاجةٍ إلى مثلي ليعرضَ عليكَ حلولا استقاها منكَ خلالَ مِحَنِهِ ..
لكنه في رأيي ، إذا كان الحظ السيئُ حليفَ السبّاح الماهر ، فلا بد له من يدٍ تنقذه إلى برِّ الأمان ..
أعِدْ صياغة العلاقة بينكما ، واجعلها في إطار محدّدٍ ، له أبعادٌ ومقاساتٌ ثابتة .. واشرحْ لها ما يجولُ في رأسكَ ، وما يعتملُ في صدركَ ، بصراحة ووضوح .. عندها ، يتبيَنُ الخيط الأبيضُ من الخيط الأسودِ .. وهذا هو طريقك للخلاص والنجاة ..

الجمعة ـ 17/12/1976

أمْراسُ العنكبوت ـ قصة طويلة

كسحابة صيف ، مرَّ العمر ..
ملأت الأرضَ برقا ورعدًا .. شخصت الأبصارُ إليها .. ارتفعت الأكفُّ بالدُّعاء ، وتحشرجَتْ أصواتُ العوانس والأرامل ..
" أنا التي نهش الدودُ أحشائي ، فجعلني جوفاءَ كطبل زنجي .. بقيتُ هيكلا هشًّا .. اختنقتُ في الهواء المنعش ..
" أيكون ثمة ضيق طبيعي في حنجرتي ؟؟
" حولي بساتين ملأى بكل أنواع الثمار والأزاهير ، وأنا أسرابُ جرادٍ أنهَكها مدًى شاسعٌ من البوادي ..
" كنتُ فرَسًا حرونا ، تتملكني عزةُ نفس متعجرفة .. تحلق بي أجنحة الغرور .. تهوّمُ في رأسي أفكارٌ أخجلُ أنْ أفصحَ عنها الآن ..
" لِمَ الأسف ؟؟ لن يعودَ شيءٌ مما مضى ..
" كيف اجتمع النقيضان في رأسي ؟! ..
" أحببْتُ الحياة ، وكرهتُها ..
" صفعتْني الشمسُ بأشعتها ، ولم أنبهر ..
" نسجْتُ شرنقة حول جسدي الناحل ، ثم قطعتها ..
" هممْتُ أقفزُ في الفضاء ، تكللني السعادةُ ، والنشوةُ تبني في داخلي أعشاشًا وقصورًا من الحلم والزنابق ..
" فراغٌ .. صمْتٌ .. كآبةٌ .. ظلمةٌ .. وحدةٌ ..

تلتمع في الأفق بروق .. يأسرني منْ لم أستطع مقاومته .. حطم جدران الوهم ..
بادلني الحبَّ خالد ..
بوسامته .. بجرأته .. بعنفوانه وهدوئه ..
ما صدّقتُ أن ألتقيَ بمنْ يزلزلني ، ليقتلعني ويصهرني ..
غمَرَ حقولي بسنابلَ ذهبية مكتنزة .. غفرَ هفواتي .. حمّلتُه مشاقَّ ما أطلب .. لم يتوانَ .. وقف بكل إبائه أمامي ، عبدًا لإشارتي ..
حقا .. تسرَّبَتْ حرارةُ حبِّه إلى نخاعي ..
أنا جبلٌ صخريٌّ معمَّمٌ بالثلج المتجمد ، وبأشجار البلوط والبطم والسنديان ..
وهو أرضٌ سهلة خيِّرةٌ ، تعجُّ بالخصوبة والنضار ..
" صعودُه إلى قمّتي محفوفٌ بالخطر .. ونزولي إلى مروجه ، أمرٌ مستحيل ..
خلال صعوده ، تسلّحَ بصبْر النملةِ ودأبها ..
راهنْتُ على وصوله إلى القمة .. هل خسرْتُ ؟؟
بدأ الصداع يتنامى في رأسي سرطانا قاتلا .. يطرحني ساعاتٍ في شبه إغماءة .. وقفَ بصلابة .. تخرّجَ مهندسًا .. انقطعْتُ عن الدراسة .. بدأت ساعاتُ الإغماءةِ تتطاول ..
تحوَّلَ عمله إلى جبل آخر ، يحاذيني وينافسني ..
نسّقَ في تسلق الجبليْن ، لكنّ جبلا واحدًا مثلي كفيلٌ باستنزافٍ للقِوى لا يُحَدُّ ..
استقطبه العمل .. لم أعد أجدُهُ وقت صحوتي .. أشار الأطباء بمِصَحٍّ في دولة أجنبية بعدما أغرقوني بمسكناتٍ ، أفقدتْها مناعة جسمي فاعليتها ..
صار يُمنّيني بمستقبل أزهى .. كفرْتُ بالمستقبل .. أريد الحاضر ..
أحسسْتُ أنني حبيسة شرنقة فولاذية الخيوط .. انكفأتُ داخلها كضفدع باغته شتاءٌ قارسٌ .. أكلت الهواجسُ رأسي ، واشتدّت النوباتُ الهذيانية التي تفجِّرُها دموعُ أمي ، وحيرة أبي ..
أحرقتْني الغيرة في الأيام والليالي الطويلة التي يقضيها خالدٌ مسافرًا ..
اشتدَّ اعتراضي ، واشتدّتْ معه نوباتُ الغيبوبة والهذيان .. ضجرْتُ مما أنا فيه .. كنتُ أهبط بالمظلة من مجرّةٍ أخرى تجاه الأرض .. تقطعَتْ بي الحبال ، تشبثتُ بما بقي منها في يدي .. لكن السقوط المفجع كان خاتمة منطقية ..
غاب طويلا .. انتظرْتُه لأكفّرَ عن ذنوبي ، فأرسَلَ لي صورةً تضمُّهُ مع زوجةٍ شقراءَ جميلة .. حزنْتُ .. تشرنقْتُ أجترُّ البقايا .. نمتُ كأهل الكهف .. وغمرني أهلي بأكوام الأغطية لئلا تتسرَّبَ رائحة الجيفة النتنة ..
استعانوا بالأطباء والسَّحَرَة والمشعوذين والمشعوذات ..
كنتُ مجنونة تارةً ، وأخرى عاقلة ، وثالثة صماء بكماء ..
في الحركة ، تسبقني سلحفاة هرمة .. وتضيعُ في أذنيَّ معاني الكلمات بين الطنين الصاخب .. وعينايَ لا ترَيان إلا ظلالا باهتة ، وأشباحًا شفافة ..
أُهْمِلتُ بعدما يئسوا من حالي .. قلَّ عُوَّدي ، وعُزلتُ في غرفة مظلمة .. تجيءُ أمي بصحن الطعام ، وتعود به دون أن ينقص ..
لم أكن أحسّ بالديدان تقرض أمعائي ، وتفتته ..
ذابَ جسدي كشمعة في ضريح مقدس ..
أصبحْتُ هيكلا ساكنا ؟، شبه محطم ..
لم أدرِ كم هجعْتُ في الكهف !..
لكني رأيتُ بعدئذٍ ، طرقاتٍ ، وأحياءً ، وأزقةً جديدة ، وأبنية أزيلتْ وشيِّدَ على أنقاضها ..
معالمُ اندثرَتْ ، وأخرى انبثقتْ من عَدَم ..
شمخَتْ أشجار الحديقة المجاورة لبيتنا .. بلغَتْ حدودَ نافذتي ، استأنسْتُ بها .. أحسست بألمها ، وبدموعها تنسكبُ على الجذع ، حين تتغلغل سهام الريح بين الأغصان ، فتئنُّ ، وتتمايل واقفة عنيدة ..
تغيّرَتْ خرائط العالم السياسية والجغرافية بأسهل مما تغيّرتْ به أزياءُ النسوة ..
خرجتُ من كهفي الضيق .. العالمُ ، غدا كهفًا قميئًا نتنا ..
فَقَدَ الوجودُ معناه .. واستحالت الأشياءُ إلى عَدَم ، يجبُ أن تُرمى في مزابل التاريخ ..
يتحرّك الناس ، ويتناسلون كحيتان برية ضارية ..

تهْتُ في المعالم والمظاهر الجديدة التي تتزيّا بها شوارع المدينة .. ثمة شيء تغيَر .. يريكَ نفسَه رغمًا عنك ، تلهث وراء معرفته ، بعدئذ ، فتصطدم بوجوهٍ لا تعرفها .. بعيون منبهرةٍ ، تحملق فيكَ ، ثم تزوَرُّ هاربة ، توّاقة إلى جديد .. جديد ..
" هكذا خُيِّلَ إليّ .. "
فتى أحولُ ، تتأبّط ذراعَه صبية جميلة الوجه ، عرجاءُ ، ذات شعر فاحم أجعد ..
امرأة تهرولُ خلف رجل ، اعتقدْتُ أنه زوجها ..
آخر ، يحملُ صندوقا فيه زجاجات ملونة ، وفرشاة جديدة ..
صِبية يحملون أشياء صغيرة للبيع ..
شباب لا ترى عيونَهم إلا معلقة في وجه امرأة أو قفاها ..
وفتياتٌ تميسُ أجسادُهنّ ، وتضجُّ أنوثة وعنفوانا وغنجا ..
الشبق والشهوة يسيران مع الناس ، تلمحهما في العيون والوجوه المصبوغة بكل ألوان الطيف وقوس قزح ..
سياراتٌ .. مبانٍ .. حدائق .. أسواق .. أضواء .. ملاهٍ ..
لِمَ لمْ تلسعْني كلمةُ إعجابٍ ؟؟!!
لقد سمعتُ كثيرًا منها ، موجَّهًا لفتياتٍ لا يزدْنَ جمالا عني ..
تباطأتُ .. التفتُّ لعلّ أحدًا يقتفي خطايَ مغمغمًا برغبة ما ..
متى كانت العقاربُ أمينة بريئة إلى هذه الدرجة ؟؟!!
هل تخلت العقاربُ عن غريزتها ؟؟!!
استكشفْتُ وجهي عبر مرآةٍ في محل ضخم يبيع ألبسة نسائية .. ثمة تعابيرُ مُبهَمَة ، لا توحي ولا تغري ، ويصعب على القارئ تفسيرها .. أعترفُ بهذا ..
" تعبْتُ .. لِمَ السرعة ؟؟
ما يزال الوقت متسعًا كي آوي إلى الكهف الضيق .. "
كل اللواتي عرفتُهنّ ، صرْنَ زوجاتٍ وأمهاتٍ ..
كذلك تزوج أخي الأكبر ، وأختاي الصغيرتان ..
ازدادت تضاريسُ وجهِ أمي بروزًا .. شحب لونُها .. صارتْ تدبُّ كالبطة المهيضة ..
وضعُف بصرُ أبي .. بَانَ عليه ثقلُ الهمّ الذي يكابدُه من أجلي .. أمي دائمة الشكوى من قوته .. صوته لم يتغيّرْ .. تعلق بالنرجيلة أكثر ، واتسمتْ حركاته بالتأني والهدوء ..

فرحُوا ليقظتي .. عمَّتِ البيتَ حيويةٌ جديدةٌ ..
نظفتُه .. رتبته .. استقبلتُ الجيرانَ .. حدّثتهم بانطلاق ..
ترمقني النسوة بنظراتٍ لم ألهثْ وراءَ تفسير محددٍ لها .. في وجوههن غبطة حينا ، ودهشة أحيانا أخرى ..
كأنني عرفتُ أختيَّ وزوجيْهما من جديد .. كما لمحْتُ بريقَ دمع صافٍ في عينيْ أخي ، وهو يعانقني ..
جُبْنا بسيارته الحكومية شوارعَ وأحياءَ المدينة ، قديمها وحديثها .. وفي الحديقة العامة نتجوّلُ أو نتفيّأ ياسميَنها ، أو نأوي إلى المقصف .. يحكي لنا عن كل شيء ، كدليل سياحي يريدُ أن يعطيَ صورة مشرقة عن بلاده ، لضيوفٍ مُهمِّين .. ثم توّجَ لي فرحتي " بقرار " أخرجَني نهائيًا من شرنقتي ، وعيّنني موظفة في شركةٍ إنتاجيةٍ ..
أخذتُ وقتي جيدا قبل أن أباشرَ في عملي الوظيفي ..
استبدَلتُ كلَّ ثيابي القديمة .. استعنْتُ بصالونات التجميل وأدواته ، وساعدتني زوجة أخي في استعمال ما يلزم لترميم وجهٍ أنثوي ، أضَرّتْ به عواملُ ألحَتِّ ، وحفرَتْ فيه المصائبُ دروبًا وأخاديدَ واسعة ..
وقفتُ طويلا أمام المرآة ، أتأمّلُ وجهي وشعري .. أدور حول نفسي ، أرنو إلى انسدال الشعر فوق خصر تحدّدُهُ تكوّراتٌ ناعمة لدنة ، فترتسمُ على محيّايَ ملامحُ تفاؤل آنيٍّ لا تحملني على حصان أبيض موعود ..
" هل حقا سأقعدُ وراء طاولة ؟!
" سيكون معنا رجالٌ حتما .. كيف سيعاملونني ؟؟
" هل سيكون حضوري مؤثرًا فيهم ؟؟
" هل سيهتمون بي ؟؟
" هل سيتهامسون حين أمرُّ بجانبهم ؟؟
" أيمكنُ أن لا تسترقَ عيونهم نظراتٍ إليّ من كل الجهات ؟!
" أأردّ تحيتهم بمثلها ؟ أم بأحسن منها ؟؟
" أي الثياب يفضّل أولئك الخبثاء ؟؟
" لن أدَعَ لهم ثغرة ينتقدونني بها .. سأنفقُ كلَّ راتبي لأكونَ أكثر أناقة وسعادة من جميع منْ حولي ...
" سأجعلهم يلهثون خلفي ككلابٍ ضالةٍ عطشى ..
" لن أمَكنَ أحدَهم من نهشي ، قبل أن أمرّغه ..
" إن أشدّهم إخلاصًا ، أكثرُهم دناءة وغدرًا ..


غرفة المكتب فيها ثلاثة موظفين آخرين .. أوكِلَ إليَّ عملٌ إداريٌّ بسيط ..
" ألا يرون فيني الكفاءة اللازمة لتكليفي بعمل آخر ذي أهمية ؟؟!!
" لا يهمني هذا الآن .. سأثبت لهم أني أملك من القدرات فوق ما كانوا يتصورون ..
أصغرُ الموظفين الثلاثة تجاوز الأربعين .. أيامٌ قليلة مضت ، أدركتُ أنهم يعرفون كلَّ شيء عني ..
ومضى رئيسُ الشعبة للقاء وجه ربه ، بعدما فتكتْ بجسمه الأمراض ..
ظلتْ طاولته بيننا وفاءً لذكراه ، وتيمَّنَ الآخران بقدومي خيرًا ..
كنتُ قد قطعتُ أمراسَ الشرنقة ، وغادرْتُها ، وقررتُ ، بإصرار ، أنْ لا رجوع إليها أبدا ..
لم أتأثرْ بما جرى .. أحرقتُ خيوط الشرنقة بماء النار ، فذابتْ وتلاشتْ ..
صمّمْتُ أن لا أستسلمَ لنعومتها ، وألا تُقطعَ بي حبالُ المظلة ثانية .. تعلقتُ بأهداب فرح لا يعرفُ السأم .. رغبْتُ في التمتع بما لم تسلبْه سنواتُ الكهف مني ..

آنسَني العملُ .. بدّدَ وحدتي .. أحببته ..التزمْتُ بنظامه ، واستمتعتُ بكل أوقاته ..
تجوًلتُ في أقسام الشركة .. عرفتُ كثيرين من الزملاء ..
بات الماضي طيفا مُبَدَّدًا .. ذكرياتٍ مبهمة ، كأحلام الغسق المغلفة بغشاوة الحلم وشفافيته .. يولدُ فجأة ، وينطفئ كشهبٍ اضمحَلَّ على بوَابة غيمةٍ دكناء ، منتحرًا على بللوراتِ أسوارها الملونة ..
توَجَّس أهلي من انكفاءٍ أو انتكاس يحطم البقية الباقية ..
تماديْتُ .. فلم أترددْ ، ولم أتراجعْ ، ولم أحْجِمْ مرة ، بعد أن أقرّرَ الإقدامَ ..لكني لم أقدِمْ إلا بعد رَويَّةٍ وتفكير ..
ما عادتْ عظامي هشة ، ولا سهلة الكسر ..
وحياتي تخصّني وحدي .. كفاني ما تجرّعْتُ من علقمها ..
حِلكة الليالي أضاءتْ في شعري مناراتٍ وشهُبًا .. أوجدْتُ قنواتٍ ينسكبُ عبرَها دمعٌ ، يحاولُ عبثا ، أن يروَيَ خدّيْن ظامئيْن لأنفاس حَرّى ، تتهدّجُ ، لتنعشَ عروقهما الذاوية الكسيرة ..

نشيدٌ أول :
" أيها الطوفان ..
خذ لونَ دم الشرايين ..
امتزجْ به .. اندفعْ ..املأ الجوف ..
واسقِ زنبقاتٍ تحبُّ الحياة ..

عبور :

تتسلل الأماني إلى الصدر ، مع هواء الشهيق .. وتتوهّجُ في القلب شموعُ فرح طفولي .. تنامُ بين الجفنيْن رُؤًى سرابية ، تخالها أفراسَ النصر .. تمخرُ عُبابًا أو صحارى ..


قلتُ في نفسي : لا بأس .. فلأركبْ هذا القاربَ ، لعله يوصلني إلى الضفة الأخرى ..
بقيةٌ من التوجّس ، أرجعتني خطوتيْن إلى الوراء ، بعدما تقدمتُ خطوة إلى الأمام ..
يجبُ التأكدُ من سلامة المركب أولا .. لأن المسافة بين الضفتيْن أمرٌ يجبُ حسابه جيدًا .. وماءُ النهر دفّاقٌ قويٌّ .. جاءَني مندفعًا مثله .. تقرَّبَ مني .. قدّمَ نفسَه :
تزوّجَ منذ ست سنواتٍ ، ولم ينجبْ .. رفضتْ زوجتُه أن تندفنَ معه دون أولاد .. صيّرَتْ حياتَه جحيمًا ـ كما قال ـ حتى فرضتْ عليه شروطها في الخلاص منه ..
عاشَ سنتيْن ، بعدها ، وحيدًا ..
خرجْتُ معه .. جلسْنا في مقصف الحديقة .. حاولَ إدخالَ البهجة إلى قلبي .. ملأ الطاولةَ أصنافًا من الطعام .. بدَا طيِّبَ القلب .. مهذبًا ..وبانت السعادة في عينيه .. أحسسْتُ بالفرح يغمرُه حتى قمة رأسه ..
صارحني بما لديه :
هو على ثقةٍ تامة ، بأننا سنكون زوجيْن سعيديْن ، ولو لم ننجبْ .. لا يمنعُنا شيءٌ من أنْ نعيشَ كلَّ دقائق الحياة ، كما يحلو لنا .. ولتذهبْ كلُّ المُنغّصاتِ إلى جحيم ناءٍ ..
حكى ، يومَها ، عن المستقبل ، والسعادة ، ودفءِ الحب ..
قال : إن الحبَّ عظيمٌ .. ولا يتصوَّرُ حياةً لا يزيّنها حبٌّ ومحبّون ..
أنعشتْني حرارةُ كلماته .. وبريق النشوة الأخاذة يتدفق من عينيَّ .. يمتدُّ جسرًا ، أعبرُ فوقه إلى فضائه ، بعيدًا عن قسوة الكهوف وظلمتها ..

نشيدٌ ثانٍ :
" يا شمس المسا ، يا الله تغيبي ..
ويا نجوم طاب السهر ..
اليوم جايي لعنا حبيبي ..
والجفا ولّى زمانه ، وعبَر .. "

ماتَ أبي .. أنجبْتُ وَلدَيْن .. تكدّرَتْ حياتُنا ببعض الشوائب ..شكا ضِيقَ الحال .. غابَ عن البيت والعمل كثيرًا .. نسّقنا معًا حتى فاز برئاسة اللجنة النقابية في الشركة .. تحسّنتْ أحوالنا المعاشية .. لم أدر كيف انصبّت النِّعمُ علينا ، ومن أين ؟؟
جدّدْنا أثاثَ البيت كله .. واستكملنا أدواته الكهربائية وغيرها .. وصار بيتنا مقصدَ الزيارات العائلية الجماعية ..
رُزقنا ببنتٍ جميلةٍ .. اشترى لي ولها ذهبًا ، وسألني :
هل نبحثُ عن بيتٍ أوسعَ ؟؟ أم نشتري سيارة ؟؟
ـ أمعكَ ما يكفي ؟؟
ـ لابأس بالتعويضات والمهمات!!!

" أيمكن أن تكونَ التعويضاتُ والمهماتُ كبيرة إلى هذا الحد ؟؟!!
" لِمَ لا يكتنز غيرُه بمقدار ما يكتنز ، رغم وحدة المصدر والمرجع ؟؟!!
انتبهْتُ إلى العيون ترمقني بحذر وخشية .. ووخزني أحدُ العاملين : لا بدَّ أنكم عثرتم على كنز قارون !! ثم استدار خارجًا وهو يقول بخبثٍ : ربّنا لا تجعلنا من الحاسدين ..

وحين سألني المحققُ عن مصدر الرصيد المصرفي المحترم ، قلت : إنها من التعويضات والمهمات ، هكذا قال لي زوجي ..
قال : ألستما زميليْن في عملٍ واحد ؟؟ فلماذا لم تحَصّلي نفس َ المبالغ ؟؟!!
قلت : هو رئيس اللجنة النقابية ..

اعتقلوهُ على ذمة التحقيق ، مع مدير الشركة ومحاسبها ، وأمين مستودعاتها ..
كانوا شركاءَ بنسبٍ متساوية كما تبيّن ..
حُجزتْ الأموالُ والممتلكاتُ ..بِيعَ كثيرٌ منها بالمزاد العلني .. حملتُ الأولادَ والأمتعة إلى بيت والدتي .. اكتأبَتْ لأجلي .. وواساني أخي .. وعادت الرتابة لتعشش رويدُا في منعرجات رأسي وتضاريسه ..
عاد ابني الأكبر إلى المدرسة .. اصطحبْتُه لزيارة أبيه بعد أن اختفى المدى المنظور لإمكانية الإفراج عنه ..
" لم تتقدّم القضية خطوة إلى الأمام .. " هكذا قال المحامي ..
مرضتْ ابنتى الجميلة بالتيفوئيد ، ثم ماتتْ ..
اقتلعَ الحزنُ جذوري .. تجَسَّدَ فراغا سرطانيًا ، تناسلتْ في رأسي عناكبُ الماضي ، وفجائعُ الحاضر .. حفرَتْ كهوفا .. وبَنَتْ شاهقاتٍ ، حتى انحجبَت الشمسُ والضياءُ ..
تكوّرَتْ في المهجة دماملُ أسًى لا ينتهي ..
خيوط الماضي ، أمراسٌ تشدُّني إلى عبور الجسر باتجاه العودة ..
نفّذنا الطلاقَ بصمتٍ .. لم تبدُ على وجهه علائمُ تأثر ..
شدّت أمي على ساعدي ، وسار أخي بجانبي ، يترقبُ ، بحذر ، لحظةً أفقدُ فيها قواي ، أو يختلُّ توازني ..
وقعْتُ صريعة ، كسَدٍّ صَدّعَهُ ثم جرَفه طوفانٌ عاتٍ ..
أمضيْتُ شهريْن في المرض .. أثبتَ ماجدٌ أنه رجلُ البيت ..
بحثَ لنفسه عن عمل في العطلة ، فوجدَهُ عند نجار قريب .. زالتْ آثارُ النضارة المؤقتة من وجهي ، وتعمّقتْ مجاري الدمع فيه .. وترَكَ الهُزالُ آثارَهُ في جسدي ، حتى بدا ظهري محدودبًا ، وصرتُ كعودٍ أخضر ، انقطعَ عنه الماءُ في صيفٍ قائظ ..
ولداي ، الأملُ الباقي ، الذي يجب أن أعيشَ من أجله ..
منحني الدهرُ فرصتيْن :
بتصَلبي ضيّعْتُ الأولى .. وبغبائي ، ضاعت الثانية ..
تسرّبَ الماءُ من قعر الزورق دون أن أدري .. كنتُ مستمتعة بأنّ الزورقَ قويٌّ ، وقادرٌ أن يوصلني إلى الضفة الأخرى بمزيد من الراحة والهناء ..

" إنَّ الأيامَ تضحكُ لبعضنا .. وتضحكُ على بعضنا الآخر ..

نشيدٌ ثالث :
" يا عدل الرب ، حكمك ليش قاسي ..
والنوايا مش حميدة ..
بعطفك .. شيل أيام التعاسة ..
وعلينا رجّع ليالي السعيدة .."

سُجن ولداي ماجد وسعد ، فقد تشاجَرا مع راكبِ دراجةٍ صدَمَهُما ، فكسِرَتْ يدُ سعد ، واعترفَ كلٌّ منهما ، على انفرادٍ ، أنه الذي شجَّ رأسَ الرجل ، فسبَّبَ له ارتجاجًا في مخه ..
حزنتْ أمي وماتتْ ..
تركتني عزلاءَ بين المحكمة والسجن .. تسَلحْتُ بما تبقى من عزيمة وأمل ..
آنسَني محمود ، ابنُ أخي ، فسَكنَ معي .. تشرّدَتْ خطاي .. وغِبْتُ أيامًا عن العمل ..
كيف أتصرّفُ بدونهما ؟! كانا عيْنيّ وساعِدَيّ ..
تجرّعْتُ ببُعدِهِما مُرَّ الشقاء ، واستوْطنَ السُّهدُ في أجفاني ..
" عودي يا ليالي الكهف .. كم كان طعمُ النوم لذيذا ..
" ألا تغفو منْ كانت في مثل محنتي ؟؟!! أم إن طعمَ الكؤوس التي أتجَرّعُها فريدٌ ؟؟!!
" متى كان النومُ يدنو من بيتي قبل أن يأويا إليه ؟!
" أغطيهما بأهدابي ، أمسحُ بكفي قريبا من وجهيْهما ، وأتمتمُ مستعيذة بالله وملائكته ..
" لم يصدّقوا أنني يمكنُ أن أموتَ إذا تركتُ " سعدًا " وحيدًا أثناء العملية الجراحية في المستشفى الذي نُقِلَ إليه ..
" قلتُ لمدير السجن :
أدفعُ لكَ كلَّ ما أملكُ إذا سجَنتَني معهما ..
قال : لا يُسجَنُ إلا المجرمون ..
قلت : أضربُكَ ! ألا أصيرُ مجرمة بذلك ؟؟ أجبْني .. أقسمُ سأضربُك .. قلْ لي : ألا تسجنني معهما ؟؟!!

هطلَ المطرُ مبكرًا .. خرجْتُ أتسكعُ بلا هدفٍ .. جُبْتُ شوارعَ وأزقةً كثيرة .. صادفني أخي .. لم أرضخْ لتوسُّلاته ، فمضى بسيارته غاضبًا ..
السماءُ في غاية الكرَم ، كانتْ ، والليلُ في أوله ..
تسرّبت البرودة إلى عظامي .. انتشيْتُ .. عادَ إليَّ أخي ..
" ما عدْتِ صبية .. ستمرضين حتما ، وسيقصفُ الزمهريرُ ظهرَكِ ، ولن تكونَ العاقبة هيّنة ..
" هل كبرْتُ ؟؟ لا بأس .. ألم يزلْ ماجد وسعد شابيْن ؟؟
صرْتُ متحصّنة ضد المصائب والأمراض ..
فلتمطر السماء ..
فلتمطر زمهريرًا ، أمراضًا ، مصائبَ ، شرورًا ..
أمطري يا سماءُ ما شئتِ ..
استوتْ كلُّ الطعوم ..

لن أخشى أيَّ شيءٍ .. لن .... لن ....


كانون الثاني 1982

اللقاء الثاني ـ قصة قصيرة

1 ـ على موائد الموت ، يتلاقى الهجرُ القاسي ، والنسيانُ الأليم ..
فلقد مات الحبُّ في عينيها ، وانقلبتْ زقزقة العصافير صفيرًا حادًّا في محطة القطار المهاجر ، المُحمّل بخيوطٍ من أشعة الشمس ، وبصيص من لآلئ الليل ..
الأشجارُ تلوّح مودِّعةً ، بعد أن عبّرت الريحُ عن أسفها ، بهيجانها ..
وسكِرَ المودّعون حزنًا ، وتوقفَ الدمُ في أوردتهم ، وتجمّدَ الموتُ في المآقي المتحجرة ..
صفيرُ العصافير ما يزالُ يصمُّ الآذانَ ، ونعيقُ الغربان أضفى على الجوِّ كآبةً مظلمة .. وعجلاتُ القطار تحرّكتْ مُحْدِثة جَلبَة ودويًّا هائليْن ..
تحرّكَ الدمُ ، فخرجَ الموتُ مع الدمع من المَحاجر ، وانتثرَ الدخانُ القاتمُ في الأرجاء معلنًا زوالَ نهار سرمدي .. وامتلأتْ أرضُ المحطة بأوراق الشجر الأخضر ..
وفي مَحَافِظِ اليد النسائية ، اختبأ الصمتُ والكبتُ ، واختبأ الدمعُ معهما في مفارقةٍ عجيبةٍ ..
ربّاه ..!! لماذا لا يكونُ الموتُ بداية البداية ، ونهاية النهاية ؟؟

2 ـ كان الحُبُّ يسيرُ في شوارع المدينة المهجورة .. والناسُ غارقون في بحور أرضية .. ومواءُ القِططِ يدلُّ على أنها تستغيث .. ومجموعة أخيلةٍ تتراقصُ على إيقاعٍ موسيقي صاخبٍ .. كلُّ الأشياء في سكون .. وكلُّ الأشياء في ديمومةٍ حركيةٍ .. الموتُ والخَلقُ في آن واحدٍ .. ونوعٌ من الجراد منتشرٌ يُحَوّمُ فوق الرؤوس .. وروائحُ غيرُ متجانسةٍ ، تنبعث من اتجاهاتٍ معينةٍ .. لكنَّ الأنوفَ مزكومة ..

3 ـ سألتُهُ : والحبُّ الذي بينكما ؟؟!!
حملقَ في وجهي من خلال عينيْن جاحظتيْن محمرّتيْن ، وهزّ برأسِه ذات اليمين وذات الشمال ، كأنه يُؤَنّبني ، ثم رفع حاجبيْه إلى منتصفِ جبينهِ ، وقالَ باستنكار :
تسألني عن الحبِّ ؟؟!! يا لكَ من مُغفّل بليدٍ !!..
وأضافَ بصوتٍ أكثر ارتفاعًا ، كأنه يصرخُ في وجهي :
ومتى كان للحبّ معنى ؟؟!!
ثم : من سنحبُّ ؟ ومنْ سيحبُّنا ، إذا كان ـ كما تشدّقتَ ـ الحبُّ موجودًا ؟؟!!

4 ـ الريحُ الشديدةُ تهزُّ كلَّ شيْءٍ .. والصمتُ ما يزالُ في جمودِهِ المعهود .. وأصواتٌ غريبة تزداد حِدّتُها ..
وضعْتُ سبّابتيّ في أذنيّ ، وفعَلَ الآخرُ مثلي ، وانطلقنا نسير في الشوارع المهجورة .. تاقتْ نفسي لرُؤية مخلوق إنساني آخر .. صارَ ذلكَ هدفا لي أجِدُّ في البحثِ عنه .. لكني ، عبثا كنتُ أحاولُ ..
قلتُ في نفسي : لعلَّ الناسَ مختبئون في منازلهم .. اقتربْتُ من أقربِ بابٍ .. طرقتُه بعنفٍ مراتٍ ومراتٍ .. لا أحدَ هناك ..
انسحبْتُ إلى غيره ، وإلى ثالثٍ فرابع فعاشر .. دون جدوى ..
سألني صاحبي : أين سكانُ المدينة ؟؟
قلبتُ شفتي ، ولم أجبْه ..
أردَفَ بصوتٍ أشدّ : الجوعُ يأكلُ معدتي ..
قلتُ : وما حيلتي ؟؟
قال : سنطرُق أبوابَ المدينةِ كلها ..
قلتُ بملل : هيّا بنا ..

5 ـ في طرَفٍ من المدينة ، فتحَ لنا شابٌّ ، طويلُ القامة ، شعرُه مُرسَلٌ وطويل .. حدّق في وجهيْنا ، وانزاحَ عن الباب ، مشيرا بيده أن ندخل ..
دخلنا في ممر طويل ، أفضى بنا إلى غرفةٍ ينبعث من خلفِ زجاجها ضوءٌ باهتٌ ، يميلُ إلى الصفرة ..
كان يسيرُ أمامَنا دونما كلام .. وكانَ نصفهُ العلوي عاريًا ..
فتحَ باب َ الغرفة ، دخلَ أمامنا ، وتبعْناه ، ثم أرتَجَ البابَ ، وأومأ إلينا بالجلوس ، وانصرفَ إلى سرير في زاويةِ الغرفةِ ، تتمدّدُ فوقه امرأةٌ شبه عارية ، وبلا غطاء ..

6 ـ إلى يمين الباب ، طاولةٌ كبيرةٌ فوقها صحونُ فاكهةٍ ، وزجاجاتُ شرابٍ متنوع ، وقِطعُ لحم مشوي ..
تجوّلتْ عينا صاحبي متنقلة بين السرير والطاولة ووجهي .. ثم جلسْنا إلى الطاولة ..

7 ـ صُفرةُ الضوءِ تزولُ رُوَيْدًا رُوَيْدًا .. وصارَ المكانُ في شبه اتساع .. همهماتٌ وتمتماتٌ ، تنبعث بين الحين والآخر من فوق السرير ، وأصواتُ القبلاتِ تنفجرُ كقنابلَ هجومية ..
سَرَتِ الحرارةُ في جسدي .. وشعرْتُ بدبيبٍ يسري مع دمي في عروقي .. أفرغَ صاحبي الزجاجة في جوفِهِ ، وجالَ بنظره حوله ، ثم رماها خلفه ، فانبعث صوتٌ قويٌّ في هَدْأة السكون .. لم يُبالِ أحدٌ بشيءٍ .. فالأمورُ تجري طبيعية في الغرفة .. ثم ما لبث أن نهضَ ، توجّهَ إلى السرير ، اقترَبَ منه ، رفعَتِ الفتاةُ يدَها معترضة .. لم يكترثْ .. اقتربَ حتى التصَقَ به .. أعادتِ الفتاةُ يدَها ، ولاحظْتُ أنَّ عينيْها تنطقان بشيءٍ .. تغيَّرَ لونُ الضوء في الغرفة .. صار سماويًا ..
التصقَ الشابُّ في الجدار مبتعدًا عن الفتاة ، ثم نهضَ على عَجَل ، واتجه إلى المائدة .. تلاقتْ عيونُنا بنظرةٍ طبيعيةٍ ، وهمَّتْ أسنانُه بالعمل النشيط ، بينما كان صاحبي يعتلي قبة السرير ..

8 ـ حملتُ زجاجة في يدي ، وخطوْتُ إلى أريكةٍ مقابلةٍ للسرير .. ارتميتُ فوقها ، ووضعتُ فوهة الزجاجة في فمي .. أفرغتُها ورميْتُها جانبًا .. لم تنكسرْ .. انتبه الآخران لصوتها في حركةٍ قسريةٍ ، لكن ، دونما اهتمام ..
اتجه الشابُّ إليّ ، وفي يدٍ كأسٌ ، وفي الأخرى كرسيٌّ صغيرٌ .. جلس قربي ، وحملق في وجهي من خلال عينيْن واسعتيْن ، ثم قال بلهجةٍ ثقيلةٍ :
من أين جئتُما ؟
ورفعَ الكأسَ ببطءٍ إلى شفتيْه ..
قلتُ بصوتٍ أجشّ : كنا نسكنُ غيمة صيفية فوق خط الاستواء ..
وضع الكأسَ بتؤدةٍ فوق طاولةٍ صغيرةٍ بجانبه ، وقال : متى؟..
قلتُ بلا اهتمام : لا أدري .. قال بعجبٍ : وكيف ؟! .. وقبلَ أنْ أجيبَ ، عَلا صوتُ الفتاة قائلة : ما شأنُكَ بهما أيُّها اللعين ؟؟
لم يلتفتْ إليها ، وكأنه لم يسمعْ شيئا .. فتابع : وكيف لا تدري ؟! قلتُ وأنا أعيدُ كلماتِ سؤالِها في ذاكرتي : الزمنُ عندي ، حضورٌ وغيبة .. ولستُ أدري ، جئناكَ في الحضور أم في الغيبة ؟ اتسعتْ عيناهُ ، وأشارَ بيدِهِ علامة استفهام ، ثم قال بحروفٍ متقطعةٍ : غ ، ي ، ب ، ة ؟؟
لم أجبْه .. ضاقتْ دائرة عينيه ، ثم نظرْنا إلى الخلف ، حيث الصراعُ ما يزالُ مستمرًا ..

9 ـ صارَ ضوءُ الغرفةِ ورديًّا قاتمًا ، وأعدادٌ هائلةٌ من الذبابِ تملأ النصفَ العلويَ من فضاءِ الغرفة ..اعتدلتُ في جلستي ، وسألتُ الشابَّ : ما اسمك ؟ قال : جليل ..
ما مهنتك ؟ قال : الصمت ..
قطعَ صاحبي حديثنا ، قادمًا من فوق السرير ، وقال لي مشيرًا بإبهامه الأيسر إلى الخلف : تستدعيك ..
تبادلتُ نظرة مع الشاب ، ونهضتُ ، وجلسَ صاحبي مكاني ..
اقتربْتُ من السرير بخطواتٍ وئيدةٍ وهي تستعجلني .. وقفتُ جانبَ السرير ، أمسكتُ بذراعِها ، وتلاقتْ عيوننا ، فوجدْتُ فيهما صورة محاربٍ جاهلي ، امتزجَ ضوءُ الغرفة بلون آخر ، واختفتْ أسرابُ الذباب ، وانبعث صوتٌ هادئٌ سَرَى في عروقي مع حرارة جسدي ..
كنتُ ما أزالُ مُمْسِكًا بذراع الفتاة ، مالتْ على جنبها ، وتقلّبَتْ .. ثم قالتْ : أطلتَ الوقوف .. قلتُ : النومُ لا يجدي .. قالت : إلا إذا أسفَرَ عن شيءٍ .. قلتُ متسائلا : وهل سيُسفِرُ نومُنا ؟؟
اتسعتْ ابتسامتها ، ولحظتُ قوةً وكبرياءً في عينيْها ، فقفزتُ فوق السرير ، وغبْنا معًا تحت الغطاء ..

10 ـ توقفَ القطارُ في المحطة الأخيرة ، وأعلنَ مذيعٌ للركاب : وصلنا إلى الأرض التي تزهر في الخريف .. وقوفنا هنا لن يطول .. سنتابعُ الرحلة بعد ساعتين ..

11 ـ لاحَ الخيطُ الأولُ من الصباح في عيْنيَّ عبرَ نوافذ الغرفة ، وكانوا ما يزالون في سُباتهم .. لم أدرِ كمْ بتْنا في هذا السُّبَات .. أيقظْتُهم ..
وعند الوداع قالا : لنذهبْ معا .. قلت : لا بأس ، هيا بنا ..


01/03/1975

أحاديث على مستوى سطح البحر

احتضنَ البحرُ الشمسَ وأحزانه ، وأسبلَ جفنيْه ، وغفا ..
وجلسَتْ تغتسلُ بالرّؤى ، وتقطف الأزهار المتدلية من السماء ، تداعب بأوراقها وجوهَ البحارة ، والمجاديفَ الخشبية ، وهي تومِئ للأسماك لحضور حفل زفاف ابن سلطان البَرّ ..
" ملوحة البحر تزيلُ تهدُّلَ الوجوه .."
وتلك الخصلات تصنعُ خيامًا يبيتُ تحتها آلافٌ ممن يعشقون خضرة الليل ، ورطوبته ، وشقاءَ شجيرات الأرصفة ..

قال النورسُ الأول للثاني :
ـ استعِدَّ للرحيل ، لقد مات ـ ههنا ـ الشاطئ ..
ينبري الثالث : لن نرحلَ قبل مجيء أمي ..
يثور الثاني غضبا ، ثم يصافحُ ماءَ البحر ، ويرتفع مع موجة تعاني آلامَ المخاض ، ثم يقول بأعلى صوته كأنه يريد إيقاظ الشمس :
لن نرحلَ .. ولن تأتيَ أمُّكَ ..ولن يموتَ الشاطئ .. ولن ...

***
كان ثمة فجرٌ يلوح باسمًا .. وهمهمات كثيرة تنبعث من هنا وهناك .. وغابت النوارس في زوايا البحر ، تزمجر من هدوئه المقيت ..
سأل النورسُ الثالث أمَّه :
" من الذي يُحتمُ على البحر هدوءَه ؟؟!!
قلبَتْ شفتها ، ونهضتْ تغتسل من آثار الليلة السابقة ، فانتفض البحر مرتعشا ، وبكى .. فتجمّعَتْ دموعُه سدّا في وجه موجة معاكسة ، فاصطدمَتا ، وظل البحرُ يبكي ، فغامت السماء ، وجلجلتْ بالرعد ، فتواردت النوارس من مخابئها فرحة ، تزغرد وترقص ، وتغني أغنياتٍ حفرَتْ أخاديدَ على شفاه البحّارة ..

***
سأل النورسُ الأول :
ـ سنبقى طويلا هنا ؟؟
لم يكلفْ أحدٌ نفسَه عناءَ الردّ .. كانوا يردّدون المقطعَ الأخيرَ من أغنية شعبية :
سكابا يا دموع العين سكابا
تعيْ وحدك ولا تجيبي حدابا
وإن جيتي وجبتي حدا معاك
لأهد الدار واجعلها خرابا

انتظرَ قليلا ثم أعادَ سؤاله ، فأجابت أم النورس الثالث :
ستأتي الريح هذا اليوم .. إننا ننتظرها ، وقد وعدتني بالأمس أن تأتي قبيل الغروب ..
قال ابنها : ما شأننا بالريح مادامت رائحة البحر تزكم أنوفنا ؟؟
لم يسمع أحدٌ كلامه .. كانوا مشغولين بالنظر إلى الزاوية الغربية الشمالية ، حيث لاح لأنظارهم نورسٌ يقتربُ مسرعًا ، اختفى قليلا وراء سفينة ، ثم ظهر بعدها .. توقف قريبا من النوارس ، حملق في وجوهها ، رفرف بجناحيه دون أن يتحرك .. تهاوت الموجة تحت قدميه ، فظل معلقا .. جاءت موجة أخرى احتلتْ مكانها .. أنصتتْ النوارسُ وهي تتبادل النظرات .. ولا شيء يوحي بأن أحدًا يريد أن يتكلم ، رغم امتلاء رؤوسهم بالكثير الكثير ، غير أن النورسَ القادمَ من الزاوية الغربية الشمالية للبحر ، هَمْهَمَ ، وتجوّلتْ عيناه ، ثم قال بهدوء :
تناهى إلى أذنيّ أنكم تودّون مغادرة هذا المكان من البحر ، هل لي أن أعرف السبب ؟؟
صار العَجَبُ موجة عاتية ، أغرقت الجميعَ في حناياها ..

***
يتهامس النورسان :
ـ أكلَ الجوعُ معدتي ..
قال الثاني مشيرُا إلى البحر : أشياءُ كثيرة يمكن أن تُؤكل ..
قال الأول بقرفٍ ، وهو يلوي رقبته بعيدُا : ألا ترى أن البحرَ جيفة ضخمة ؟؟!! ثم أضاف بعد صمتٍ قصير :
انظر إلى تلك العاهرة كيف ترتمي هناك .. " ويشير إلى مكان غروب الشمس " ..
يزفر الثاني ، ويقول قبل أن يحلق : تحدثني دوما عن أمور لستُ مسؤولا عن كينونة حياتها أو مسارها ..

***

17/نيسان/1977

الخميس، 1 يوليو 2010

الملحق رقم 1 لما سبق

بطاقة دعوة في مطلع العام الجديد
" في نهاية العالم ، تتوحّد المآسي " ..
وأحلمُ بعينيكِ سرًّا عن أعين الرقباء ، يا امرأةً مزروعة في كل الدروب ، تحاذين الأسوارَ والأشجارَ والأعمدة .. تلهثين .. آه ، صرْتِ كباقي النسوة تلهثين !!
صوتكِ ، حملني بعيدًا ، نحو الشمس التي انتحرَتْ حيال الرؤيا ، فذبلَ القمرُ بين يدي ، وتاهتْ ابتسامة حزن على شفتيْه ، والعالمُ يصخبُ ، ويصخب ..
ها قد أتى عامٌ جديدٌ ..
لا تحزني يا امرأةً تأبَيْنَ العودة إلى نفسكِ .. هيا اخرجي مني .. ما عدْتُ أطيقُ الاحتمالَ .. ما عدْتُ أصبرُ على مضغ لحمي .. فإلامَ المَطاف ؟؟..
إلامَ المطاف يا امرأة الآلام ، والعالم يكبر ؟، ونحن نكبر ، والأقزام تكبر .. فهل بعد الحياة حياة ؟؟!!
يا امرأة الآمال ، عودي ، نحلمْ معًا .. عودي ، نجلسْ معًا ..
نحكي ، نضحك ، أموت ، تموتين ، نتهادى موجةً ربيعيةً على شاطئ خريفِ الزمن ، قادمةً من أقاصي القيعان ، وعلى شفتيْها كلماتٌ محفورة لا يفهمُها سوانا .. نعيش فيها ، ولها ..
يا امرأةً لا أعرف أين تسكنين ، لكني أعرف أين وُجدْتِ ، وأعرف متى، ولماذا وُجدْتِ .. وأعرف .. وأعرف ..

آه يا امرأة .. ما عدْتُ أعرفُ شيئا ..
آه يا امرأة القسوة .. منْ علّمَكِ إيّاها ؟؟!!
تقولين : أنتَ ..
وأقول : أنتِ ..
ونقول : هم ..
فتعاليْ نقلْها ، يا ساكنةً أقاصيَ فروعِ الشجر .. بُحَّ صوتي ، فهيّا انزلي ..
إنّ الصعودَ إليكِ مشقةٌ ، والبقاءُ مستحيل ..
يعتصرُ الألمُ ضوءَ العينين مني ، ويتراجعُ دمي في أغنية احتجاج من أجل الولادة ..
مَضغني الدهرُ ، يا امرأة يعيش صداعُ العالم في قلبها ..
فهيا يا امرأة العشق ، سئمْتُ الانتظارَ ..


الأحد ـ 02/01/1977