الاثنين، 7 يونيو 2010

الظلم لا يُنسى ـ قصة قصيرة

1 ـ
لا أذكر تماما متى عرفتكِ ، وكيف ؟ ..
لكني أذكر أني حلمت فيكِ أيام حروب الردة ، عندما انتفض الأشهب معلنا بداية رحلة الانتحار عبر شقوق الجدران وثقوبها .. وفي سراديب أمراء البر والبحر .. وحتمتُ أنْ يطولكِ فارسي قبل هروب الشمس إلى مخدعها ، لترتميَ في أحضان عاشق يجهل فنون العشق الحديث ، وقبل أن تُسفحَ مياهُ البحار في جوفِ حوتٍ يحمل همومي ، وكلَّ أسفاري ..

2 ـ
قمر .. خِلتُ أن وجهكِ مُضاء ، إلا أني وجدته مضيئا في ساحات الظلم والقسوة ، يكشف عن سرِّ مسحوق بقدم الجهل وعنجهيته ..

3 ـ
حلمتُ فيكِ أحجية غير عسيرة الحل ، وتراءت لي براءةٌ خِلتُها زيفًا .. وتعانقت الكريات في دمي ، فانبثقت من شفاه الطفلة أغنية أحيَتْ ما تعفن من جذور اليأس في حِلكة القبور ..
فلقد أيقظتِ جروحَ الألم والندم ، دون أن تطفئي في صدري شموعَ ذكرياتي ، ووضعتِ إصبعا تتلمسين مواطنَ القروح ، فغابت الإصبعُ ، فيدُكِ ، فذراعُكِ ، فجسمُكِ كله .. لكنّا لم ننصهر ..

4 ـ
كان قمري يعبث في شعر رأسي باحثا عن مسلكٍ يتسلل فيه إليّ .. وحينما احتضَنَ القنديلُ ظِله ، وتسارعتْ أمواجُ الريح لا تعبأ بمخلفاتها ، طرقتُ أبوابَ الصدر في أماسي شتاءٍ دافئ ، فلم تتحرك السواكن ، رغم وجود الباعث ..

5 ـ
في متاهات زرقة بحر العيون ، تاه مركبي بعدما ضلّ الرُّبانُ طريقه ، وعاش فترة في دوران بحري قاس ، كان خلالها يجوب أطرافَ المركب ، ويتطاولُ على أصابع قدميه ليرى أبعد مسافة ، علّه يستطلعُ سبيلا للنجاة ..
وحينما صار الهمسُ منجاة من عذاب الذات ، وتشاجرتُ مع الموتِ والعينين في خِدرهما ، استُبيحَت شؤونُ الحب ضمن أزقة السماء ، وتبخّرت الغيوم آنذاك ، وظلت الراية مرفرفة في مكانها تهيمُ في شواطئ ثنايا القلب ، وعاد الوطنُ قبلة على جبين طفلةٍ شرعيةٍ لمّا تتعرّف أباها ..

6 ـ
قمر .. أتساءل عجِبا : كيف يقتتلُ الحبيبان بعد خروجهما من كبوة الألم ؟؟!!
أتساءل : منْ علّمَ السكارى آهاتِ الألم وهمَّ الغياب ؟؟!!

7 ـ
أيتها المبحرةُ في همومي ، قد لا أكونُ أكثرَ منكِ همًّا ..
لكني أبعدُ منكِ عمقا .. فلا بدَّ أن يطولَ إبحارُكِ .. فهل أنتِ مستعدة ؟؟..

8 ـ
وتغيب ذكرياتُ الطفولة خجلى مما ترى .. وتهتز الرؤى بفعل أشجار خياليةٍ هزّتْها أنفاسُ طفل دِيسَ على صدره بحذاءٍ أسطوري ، ونزفت الحربة من دمه على عينيه ، فأغمضتا ..

9 ـ
اعتراض : لا تملّ سيدي القمر .. ما عدنا صغارًا ولا ضعفاء ..
قمر : عدتُ أتساءل : متى أنجو ؟؟

10 ـ
وأقتاتُ بقايا زوّادتي ، وللمرة السادسة تجرّعتُ ثمالة الكأس ، ثم نهضتُ غيرَ آبه ، أحملُ الأرض ، وأبحث في كل أقطابها .. ولمّا أجد شيئا .. وسنونُ العمر تجرفني إلى هاوية معلومة القرار ، حتمية النهاية .. فأتشبّثُ بعيدان القمح اليابسة ، وبجدائل طفلة ، قالوا : إنها لقيطة .. فأجدُ لقدميّ مكانا ، وأتلفتُ حولي ، فلا أرى سواكَ قمري .. وأظلُّ أشعر أننا غريبان حتى عن بعضنا ، حتى عن الشمس التي منها ضوءُكِ ودفئي ..

11 ـ
وتأكل الغربةُ جسديْنا .. ولأول مرة ، لا نلبث أن ننصهرَ في جوفها ..

12 ـ
ويتسامى الحبُّ ، فترتحلُ العيونُ مخترقة دوائرَ الصمت المتحجر ، وتتأطر المسافاتُ ، فنرى الجانبيْن ، والبداية ، ورأسَ تمثال إلهٍ إغريقي ..


12/12/1975

يوسف رشيد

الأحد، 6 يونيو 2010

الحرية لأسطول الحرية

ما فعله الصهاينة بسفن أسطول الحرية سيبقى وصمة عار أبدية أخرى ، تُضاف إلى السجل الصهيوني ، الذي امتلأت صفحاته بالمجازر والقتل والتدمير ، حتى صار هذا السجلُّ مثقلا بأشلاء الأطفال ودماء الأبرياء ، عبر أكثر من ستين عامًا من الإجرام المنظم ، الذي طالَ كلَّ شيءٍ ابتداء من فلسطين المحتلة ، وليس انتهاء بتونس والعراق والأردن وسوريا ومصر ولبنان والإمارات والسودان والصومال ، وأمكنة أخرى من العالم ، ارتكبَ فيها كثيرًا من أعمال الاغتيال والخطف و التجسس وغير ذلك ..
والدولة الصهيونية تفعل كلَّ ما تفعله ، على مرأى ومسمع من العالم كله .. بل ، وتلقى الدعم والتأييد قبل الفعل ، وتلقى التسويغ والحنوَّ ، والحماية من المجتمع الدولي والأمم المتحدة بعد الفعل ، ولا يهتز ضميرُ العالم " المتحضّر " لكل تلك الممارسات الإجرامية العدوانية اللا إنسانية ..

إن ما فعلته الدولة الصهيونية ، في عرض البحر الأبيض المتوسط ، وما تزال تفعله مع سفينة راشيل كوري ، لم أجدْ له وصفًا قذِرا وشنيعًا يليق به .. ولا يوجد في كل معاجم اللغات العالمية كلماتٌ توَصِّفُ حجمَ الجريمة التي ارتكبتها العصاباتُ الصهيونية الغادرة ..
وككل مرة ، وقبل أن يصحوَ ضميرُ العالم على هول المجزرة ، خرجتْ علينا الإدارة الأمريكية ، بكل " إنسانيتها " تعلن : أنَّ من حق "إسرائيل" أن تفعلَ ذلك لتدافعَ عن نفسها ..
فما كان من الحكومة الصهيونية إلا أنْ كرّمَت المجرمَ الذي قتلَ ستة من شهداء أسطول الحرية ..

كيف فعلتْ دماءُ الحرية فِعلها ؟؟

لقد انقلب السحر على الساحر، وانتصر السيف على الجلاد ,, ومع كل تلك الوحشية ، فقد حقق المتضامنون وأسطولهم ، أكبرَ النتائج التي لم يتوقعْها أحدٌ ..
وجاء مهرجانُ حزب الله في بيروت ، تأييدًا ودعمًا وشكرًا للموقف التركي من قضايانا ، لما قدَّمه أسطولُ الحرية وشهداؤه من عِبر ونتائج إيجابية ، انعكستْ على مجمل الوضع السياسي للقضية الفلسطينية ككل ، وعلى جريمة حصار غزة وشعبها بشكل خاص ..
وقد أفاضَ ، وأبدعَ سماحة السيد حسن نصر الله ، في إبراز تلك النتائج الإيجابية والعبر المستفادة ، وما يجب علينا أن نفعلَ من أجل استثمار ما حققه الشهداء بدمائهم الطاهرة ..

الأردوغانية : انتقام القراصنة :

إن القراصنة الصهاينة ، بهجومهم الإجرامي على سفينة مرمرة التركية ، وبقية سفن الأسطول ، إنما كانوا ينتقمون من تركيا وحكومتها وشعبها وأسطولها وأردوغانها ، وهم يهاجمون ـ بكل هذه الوحشية ـ أشخاصا عزّلا متضامنين من 32 دولة ، عقابا لتركيا وقيادتها ، جرّاء المواقف التركية الداعمة للمقاومة الفلسطينية واللبنانية ..
كما جاء هذا العدوان السافر ، انتقاما آخر من شخص رجب طيب أردوغان ، الذي هزّأ " شيمون بيريز" بأشد العبارات في مؤتمر دافوس عام 2009 ..

وليس هذا الانتقامُ بعيدًا عن مجمل المواقف السياسية الأخيرة للحكومة التركية ، في محيطيْها العربي والإسلامي .. بدءًا من العلاقات المتميزة مع سوريا ولبنان ، وانتهاء باتفاق طهران ، حول البرنامج النووي الإيراني ، والذي كان لأردوغان دورٌ كبيرٌ في إنجازه ، لتخفيف التوتر في المنطقة وتجنيبها المزيد من ويلات العدوان والحرب ..
وكل ما يفعله أردوغان ، وكل وما يقوله ، يصب في خانة العداء للدولة الصهيونية ، بعد سنين من العلاقات الممتازة بين الدولتين ، وهذا ما لا يمكن للدولة الصهيونية أن تفهمَه أو تهضمَه أو تقبلَ به ..
لذلك كان ردُّ الفعل الصهيوني قويًا جدًا ، بانتقام موجَّهٍ خصيصًا للدولة التركية " الأردوغانية " ، والتي اختلفتْ كثيرا جدًا عن الدولة التركية " الأتاتوركية " ، بكل مكوناتها ..
ولم يتوقف الشعبُ التركي والحكومة التركية عن وصف الجريمة والمجرمين الصهاينة بأبشع الأوصاف التي يستحقونها بجدارة ، وهذا ما جعل المحللين الصهاينة يتوقعون من تركيا قطعَ علاقاتها الدبلوماسية بهم في أقرب فرصة ..

(( لقد خسرَ الكيانُ الصهيوني ، إيرانَ الشاه ، فعوّضَها بمصر السادات وما تلاه .. وها هو الآن يخسر تركيا أيضًا .. أو في طريق شديد الانحدار نحو خسارةٍ نهائيةٍ لتركيا ..

بالمقابل ، بنى الرئيس الراحل حافظ الأسد تحالفا استراتيجيا ، ما زال مستمرا وفعالا وبأفضل أحواله ، مع إيران الثورة الإسلامية المعادية للصهيونية ودولتها المجرمة ، مضافا إليه التحالف السوري التركي الحالي ، وما نتج عنه من تحولات جذرية ، أهمها ، ربما ، الموقف السياسي التركي من الكيان الصهيوني وعدوانيته )) ..


انكسارات الصهاينة في القرن الجديد :

بدأ القرن الواحدُ والعشرون في منطقتنا العربية ، بانسحاب جيش الاحتلال الصهيوني ، بلا قيد ولا شرط ، من معظم أراضي جنوب لبنان ، تحت ضربات المقاومة ، فخرج مُرغمًا منهزمًا خائبًا ذليلا في 24/05/2000 ..
وكانت هذه بداية انكسارات الكيان الصهيوني في مطلع القرن ..
ثم اجتاحتْ أمريكا العراقَ عام 2003 ، في محاولةٍ منها لسحق الأنظمة العربية المعارضة لها ، ومحاصرة سوريا بين فكيْ الجيش الأمريكي في العراق ، والعصابات الصهيونية .. ومحاصرة إيران ، بين فكيْ القوات الأمريكية في أفغانستان شرقا والعراق غربا ، تمهيدًا لفرض تسوية تنهي الصراعَ العربي ـ الصهيوني لصالح العدو ، وتهيئ للشرق الأوسط الجديد المزعوم ..
ثم شنَّ هذا الكيانُ حربًا على المقاومة اللبنانية عام 2006 ، فمرّغته وأذاقته مرَّ الهزيمة والهوان من جديد ، وخرجت المقاومة أشدَّ وأقوى وأصلبَ ، وهذا ما لم يكنْ يرتجيه ويتمناه بعضُ الأشقاء العرب ، الذين دفعَ بعضُهم نفقاتِ الحرب الصهيونية على حزب الله من حسابهم الخاص ، كي يُنهيَ الجيشُ الصهيوني الذي " لا يُقهر " شيئا اسمه حزب الله ..
ثم تجرّعَ " بوش " حذاءَ الزيدي ، قبلَ أنْ ينتقمَ منه الشعبُ الأمريكي في انتخابات 2008 ..
لكن باراك أوباما الرئيس الأمريكي الجديد ـ آنذاك ـ بارَكَ عدوانَ الصهاينة على غزة ، باعتبارها الحلقة الأضعف في جدار الممانعة العربية ، فخيَّبَتْ غزّةُ أملهم ، وأملَ المراهنين من الأشقاء ، وصمدتْ صمودًا أسطوريا ، بشعبها وحكومتها ومقاوميها ، رغم الحصار والتآمر، وما تزال صامدة بعد أربع سنوات من الحصار الخانق والسور الفولاذي ..

الطيب طيب أردوغان :

في مقال سابق لي بعنوان "القمة العربية الثانية والعشرون 2010" أسهبتُ فيه مطولا بالحديث عن شخصية هذا الرجل ، ومواقفه من قضايانا العربية ، في المرحلة التي تلت الاتفاق الاستراتيجي السوري ـ التركي ..
وقد تابعناه ، وتابع العالم كله ، سلسلة مواقفه التي جاءت ردًّا على عملية القرصنة الصهيونية على أسطول الحرية ، والتي لولاها لمَا أسرع الصهاينة بالإفراج عن جميع المتضامنين الذين كانوا على متن الأسطول ...
ولكل ذلك ، وكلما رأيتُ هذا الرجلَ أو سمعته أقول :
لا بارك الله في حق لا تؤيده قوة ..

هذا الموقف ، لاقى صدًى طيبًا في العالم كله ، وفي الدول العربية والإسلامية ، تجلى في مسيرات التأييد والاحتجاج في مختلف عواصم العالم .. وكان أقواها وأكبرها في المدن التركية المحتقنة غضبًا منذ عدوان الصهاينة على عزة المحاصرة ..
تحية للشعب التركي وزعاماته ..
الخزي والهزيمة للصهاينة ومنْ وراءهم ..
المجد والخلود لجميع الشهداء ..

06/06/2010
يوسف رشيد

سَوا ربينا


29/05/1983
تحتبس في المآقي دموعٌ ، سرعانَ ما تنفرُ عند أوَّل هبة ريح ..
هل توقِفُ الريحُ دموعًا ؟؟
كم أحبُّ السفر عبر مراكبِ الريح ..
لماذا لا نسافر ؟؟
تغني فيروز :
" سوا ربينا ، سوا مشينا ، وسوا قضينا ليالينا ..
معقول الفراق يمحي أسامينا ، ونحنا سوا سوا ربينا ؟؟..
قولك بعد الرفقة والعمر العتيق ..
نوقع متل ورقة ، كل مين ع طريق ؟؟
وينسانا السّهَر .. بليالي السهر ..
ويسألوا عنا أهالينا .."
***

لماذا يلجأ الإنسانُ أحيانا إلى طيِّ أشرعة المراكب ، والاستسلام لمشيئةِ الريح ، تقذف به إلى جهاتٍ يجهلها ؟؟ ..
ما دام البحّارُ قادرًا على أن يُحدِّدَ وجهته ، وطريقه .. فلِمَ الجبن ؟؟!! ولِمَ الخوف ؟؟!!
لِمَ يتمزقُ المرءُ بين إشراقةٍ وضَّاءةٍ ، وغيابٍ لا يُنذرُ إلا بظلمةٍ دامسةٍ ؟؟ ..

***

18/07/1983
ماذا ينفعُ ، لو ربحْنا العالمَ ، وخسِرْنا أنفسَنا ؟؟
لا أريدُ أن يخسرَ أحدُنا الآخرَ ..
ولا أريدُ أن نجمّدَ أنفسَنا في نقطة .. مهما كانت هذه النقطة ..
إن " ثلاجة " التاريخ غيرُ قادرةٍ على أنْ تحتفظ بالعلاقات الإنسانية ، برونقها وبهائها ..
فلنعملْ على أن نبقى في دائرةِ ديمومةِ الطموح والمستقبل الذي لا تشرق فيه الشمس إلا من أجلنا ..
وإلا .. فإلى الجحيم أيُّها الغولُ المفترس ..
إنَّ الطوفانَ ، لا بدَّ ، قادمٌ .. فاحملْ أنيابَك ، وارْحلْ عنا ..
إننا ما نزالُ نحبُّ أنْ نعيشَ ..

***

عشُّ الطائر

14/10/1983

قال دوستويفسكي :
" ويلٌ للطائر الذي يَحتقِرُُ عشَّه .. "

***
أيكونُ للإنسان ، ثمة ، أكثرُ من عش ؟؟!!
صيغة السؤال تحملُ معنى الاستنكار .. إلا أنَّ الوقائعَ تنبئُ ، وتدلُّ قطعيًّا ، بأنَّ ثمة أكثرَ من عشٍّ للإنسان يحلو له أن يلوذ إليه كلما ضاقتْ به سبلُ الحياة ..
لكني أرى أنْ تكونَ صيغة السؤال على الشكل التالي :
أيُّ الأعشاش أكثرُ هدوءًا وطمأنينة للإنسان ؟؟
إذ تتمُّ الإجابة على هذا السؤال ، تتحدَّد المعالمُ التي توضِّحُ خطوط وسُبُلَ النهج المستقبلي ..
كم وددْتُ لو ألوذ إلى عشي .. ليس هَرَبًا من الواقع أو غيره ، إنما وُلوجٌ في عالم جديد ، نحوَ مزيدٍ من الكشف .. مزيد من المعرفة .. مزيد من استشراف بوارق المستقبل التي ، عوّدتْنا ، أن تجيء هكذا ، كحتميةٍ أزليةٍ ..
أوقاتا جميلة ..

***

إذا كانَ ذنبي أنَّ حبَّكِ سيدي فكلُّ ليالي العاشقينَ ذنوبُ
أتوبُ إلى ربي ، وإني لمَرةٍ يُسامحُني ربي ، إليكِ أتوبُ

***

يا شقيقَ الرُّوح من جسدي
أهوىً بي منكَ ، أمْ ألمُ ؟؟
أيّها الظبْيُ الذي شرَدا
تركتْنِي مقلتاكَ سُدى
زعَموا أني أرَاكَ غدا
وأظنُّ الموتَ دونَ غدي
أينَ مني اليوم ما زعَمُوا
آآآآآآه

تنويعات من البث المباشر ـ صوت الهدوء

" خايف أقول اللي في قلبي تتأل وتعاند وإياي
ولو داريت عنك حبي تفضحني عيني بهواي
أنا زارني طيفك بمنامي قبل ما أحبك
طمّعني بالوصل وزادني وأنا مشغول بك " ..

صوت الهدوء ، وأنتَ ، والليل ، وفيروز ..
أخافُ إدمانكَ .. وأخافُ على شراييني من حبكَ .. تخترقني بقوة وسرعة أخافها كثيرًا ..
لِمَ كل هذا الحب ؟ ومن أنتَ لأحبك هكذا ؟؟
لستَ أكثر من رجل كباقي الرجال !!!
أتساءل : بماذا تتميز عن باقي الرجال ؟؟
إجابات كثيرة تتزاحم في ذهني .. قد لا تختلف .. إنما مشاعري اختارتك أنت ، ولن ألحَّ في السؤال ..
المهم .. إنني معك ..

" تحكي عني يا حبيبي لنبعة المي .. ولما بيدور السهر تحت قناديل المسا ، بيحكوا عنك يا حبيبي وأنا بنتسى ..
وهديتني وردة فرجيتا لصحابي خبيتا بكتابي زرعتا ع المخدة
هديتك مزهرية ، لا كنت تداريها ولا تعتني فيها تا ضاعت الهدية ..
وبتقلي بتحبني ، ما بتعرف إديش .. ما زالك بتحبني ليش دخلك ليش ؟؟؟
بكتب اسمك يا حبيبي ع الحور العتيق .. بتكتب اسمي يا حبيبي ع رمل الطريق ..
بكرا بتشتي الدني ع القصص المجرحة .. بيبقى اسمك يا حبيبي واسمي بينمحا "...

حبيبي .. أنا جالسة الآن على سريري وأمامي خزانة ثيابي وأشيائي ..
إلى يميني شوفينيرة ، فوقها أدوات زينتي .. بارفاناتي .. إكسسواراتي ..
وبجانبي كومدينتي ، وعليها مسجلتي الكبيرة .. وفيروزك معي دائما :
" وقلك أنا بحبك أنا بحبك .. ياه ياه ياه ياه ياه ياه ياه " ..
باب البلكون على يساري .. ستائري بلون البيج .. صور كثيرة على جدران غرفتي ، وصورتك بعيوني ترى كل شيء فيه أنت .. الساعة الآن الحادية عشرة إلا عشر دقائق ..
تعشيتُ قبل قليل .. وكانت وجبة دسمة .. " أي : فشيْت خلقي بالأكل .. بسببك طبعا .."
فالتهمت شطيرتين من الهمبرغر ، مع كأس من عصير المانجا .. والآن ، أشرب قهوتي الباردة ، اللذيذة .. بفنجان رائع .. أبيض كبير ..

***

تمنيت لو شاركتني هذا العشاء ، فقد تناولته على الشرفة ، مما جعلني أهدئ من روعي ..
حبيبي .. أتصورك الآن وأنت منهمك في الدراسة ، وتصورت أني زوجتك ، وأنتَ تجلس على شرفة بيتي ، وأنا أجلس معك ، وأدرس معك ، وأمتحن معلوماتك .. أعمل لك فنجان قهوة .. ألهو قليلا بمجلة .. أو أتصفح كتابا من كتبي .. المهم .. لا أجعلك تشعر بأنني مشتاقة إليك ، حتى لا ألهيَك عن امتحانك .. مع أنني مشتاقة إليك ، مشتاقة أن أضمك إلى صدري ، وأن أختبئ بين غابات صدرك ، وأروح بعيدا عن هذا العالم ..
لكن .. ما العمل ؟؟
فدراستك أهم من أي شيء .. ومستقبلك أهم ..
غدا عندما ينتهي فحصُك ، سوف تأخذ إجازة ، نقضيها بعيدا عن العمل .. بعيدا عن هموم الدنيا ..
لن نكون زوجين .. بل حبيبان ، يجلسان بعيدا عن أنظار الناس ..
هكذا يا حبيبي أعشّم نفسي .. فأدعكَ تذاكر دروسَكَ بسلام ، حتى ننجحَ سويا ..
" ويحلو الليل ، حين أجفانه بالشعر تكتحل .." .

***

الخميس، 3 يونيو 2010

السقوط .. رسائل غير شفوية ـ قصة قصيرة

قلتُ في رسالتي إلى ماري :
" أحدُ أيام أيلول الماضي ، كان يومًا رائعًا ..لم تكنْ إشراقة الشمس كما كانت قبله .. الفرحة طاغية على كل ما حولنا .. احتوتْنا أشجار الغوطة .. صفّقتْ لنا .. غرّدتْ عصافيرها .. صار خريرُ مائها أجمل ..
لماذا لم يتوقف الزمن آنذاك " ؟!
صار خوفي من حسد الآخرين واقعا ، جعل ماري تتوارى في غيبة متعمدة .. لم أكن أدرك سببا مباشرا .. كل ما أعرفه ، أنها وعدتني ، وأخلفَتْ ..
طار صوابي ، إذ ليس صعبا على ماري أن تعتذر صراحة .. ولستُ ممن لا يتقبلون الحقائق رغم مرارتها .. وليس ثمة ما يدعو إلى عدم الوفاء بالوعد ، خاصة ، إذا كانت صاحبته فتاة مثل ماري .. بشخصيتها ، وكيانها ، وعقلها ، وجرأتها ..
لقد كنا صريحيْن منذ أن التقت عيوننا في ممرات فندق تشرين ، وكنا صريحين وصادقين في التعبير عما في داخلنا أثناء مراسلاتنا ..
وكنا في غاية الشوق واللهفة حين التقينا .. وخلاله ، كنا متفقين تقريبا على كل ما تناقشنا فيه ..

" ألم تكوني راغبة في معرفتي تماما ؟!
" ألم أكنْ لكِ كتابًا مفتوحًا ؟!
" هل أجدُ عند ماري أسبابا مقنعة ، تسوِّغ بها جفاءَها ؟!

إنني أرمي بآخر سهم في جعبتي ، لأني أدركُ مصيري تماما .. وأدرك أن الهلاك محتم ..

قالت ماري في رسالتها إلي :

لا أدري الآن مع من أتكلم !!
أمعَ الذي راسلني ؟ أم مع الذي قابلني ؟
إن كنتَ الأولَ ، فعليَّ أن أعتذرَ منك مسبقا .. لأن كلماتي ستكون قاسية ..
أما إذا كنتَ الثاني ، فلا أدري مدى تأثير هذا عليك !!
لن أتكلمَ بالألغاز ، لذا دعني أوضح :
" كان الظرف الذي احتوانا منذ عامين ، مناسبة لتعارفنا ..
فماذا رأيتُ ؟
كنتَ إنسانًا فيّاضا بالحساسية ، ذا حسّ مرهفٍ ، وشفافية رائعة ..
أحببْتُ فيكَ الصديقَ الذي يعيش واقعه بصراحة وجرأة .. أستأنسُ بحديثه وكلماته ..
كان البريق الذي في عينيه معبرا عما في رأسه ..
شدّ انتباهي بحيوية ونشاط متميزيْن بين جميع أعضاء الوفود الأخرى .. لمناقشاته وقعٌ في الآذان وقوة في الإقناع ..
أحسست به قريبا من نفسي وأفكاري ، حتى كاد يلازمني ، وكأننا روحان في جسد واحد .. كأنني أعرفه منذ آلاف السنين ..
احترمْتُه أولا .. ثم أعجبت به ، فارتقى إلى مكانة لم يصل إليها أحدٌ غيره ..
تمنيت أن يظل هناك .. نتناجى .. أحلم بالوصول إليه .. فلا أستطيع .. أحث الخطى .. فلا أستطيع أيضا ..
لكن الحلم تحقق .. ورأيته أمامي على طاولة واحدة .. كانت فرحتي باللقاء أكبر من أن أصفها .. استبدّتْ بي نشوة عارمة .. صارت النسمات الرقيقة تنقلني على أجنحتها إلى عالم ذابت فيه القيود ، وانداحت الحواجز ..
كان الجو لطيفا ، وكل ما حولنا يوحي بالهدوء والطمأنينة .. استمتعت بالنظر إليه دقائق قليلة .. تبدّتْ لي لوحة الطبيعة في أبهى كمال وجمال ..بدأنا نتكلم .. بل الأصح ، أخذ هو يتكلم .. ويتكلم .. ويتكلم ..
كان كمن يحاول أن يبوح بكل ما في رأسه قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة ..
أصغيْت .. لم أرغب في الاعتراض .. لكني لم أستطع أن أحتمل المزيد .. تمنيت أن أصرخ بوجهه ليسكت ..ليكف عن الهدير .. ليخلد إلى برهة صمت تصل ما انقطع من نظراتنا الرقيقة ..
لا أدري لماذا شعرت بالارتياح عندما افترقنا .. أحسست بالندم .. لكني فرحت لأن الطريق التي قطعتها ، قصيرة ولا تستحق الندم ..
فكرْتُ فيما عساه أن يحتمل الخطأ والصواب في تقديري ن شككت في أني أعرف هذا الذي قابلته اليوم ..
إني أعرف إنسانا آخر .. نقيضا ..
كنت أستبعد أي خيال يقودني إلى تصوره في حالة خطأ ..
فكيف وقد لمسْت فيه جملة منها ..
هل يكون الإنسان متناقضا إلى هذا الحد الفاضح ؟!
هل يعيش مثاليته في واد ، وماديته في واد آخر ؟!
أشفقت عليه .. حتمْتُ أن فصامًا حادًّا يقسم كيانه ..
لكن هذه الحتمية أرعبتني .. فقررت أن أعترف بأن شخصا آخر كنت أعرفه ، وكان يراسلني .. وكان يحتل مكانته تلك من نفسي وعقلي ومشاعري .. حتى بدأت أهرب من الحلم المرعب الذي تحقق ..

قلت في رسالة ثانية لها :
" أذكر ، أننا كنا متفقيْن بُعَيْدَ اللحظات القليلة التي تلتْ بداية اللقاء ..
وأذكر أنني كنت كمن يحاول أن يلفظ كل ما في رأسه ، في لحظاتِ ما قبل النهاية .. ولأنني إنسان ، بل إنسان عادي أيضا ، فأنا أحب وأكره .. أجوع وأشبع ..
لكن الحياة فرضت أطرًا وقيودًا .. بحيث كنت أتصرف بما لا أشك في صحته ..بينما كنتِ ترَيْنَ العكس فيه ..
" لم تكن الأيام قد عركتْكِ .. كان الصراع حادًّا داخل رأسكِ ، حتى بات مسرحا ، يعجُّ بممثلين ، يتصايحون ، ويتحركون بشكل آلي مضحك ..
لذلك ، ستشقيْنَ كثيرًا قبل أن تجدي لكِ مكانا على هذه البسيطة ، التي لا ترحم ضعيفا أو مهزوزا ..

قالت في رسالة ثانية إلي :
لا يسبح إنسانٌ في نهر مرتين .. هكذا أنا ..
أرّقني الأمر شهورًا ॥ نظرت إليه بعقلانية أكبر ، بمنظار حقيقي طبيعي .. لا يصغّر ولا يجسّم .. اقتربْت من النار حتى لسعتني .. وابتعدت عنها حتى لسعني البرد .. أدركت أنني أجور عليكَ إذ أضعكَ في مكان ، معتقدة أنكَ إنسانٌ ليس كمثله إنسان ..

تشرين الأول / 1981

يوسف رشيد

الثلاثاء، 1 يونيو 2010

القرار ـ قصة قصيرة

كثيرًا ما سبّبَ لي سوءُ فهم تصرفاتي ، شيئًا من الإرباك ، حتى بتّ أشعر أنني مراقَبٌ ممن حولي في كل حركاتي وسكناتي ..
فإذا حملقت في وجهٍ ما ، فسّروا ذلك اهتماما أو تطفلا ، إو إعجابًا أحيانا ..
وإذا شُدّتْ أصابعي على يدٍ طريةٍ أثناء المصافحة ، جعلوا لها ألف تفسير وتفسير ..
وإذا طلبْتُ صاحبَ أو صاحبة العلاقة ـ وهذا حق لي ـ لا أنجو أيضًا من ألسنتهم التي تمتد وتتطاول عليّ كأفعى ..
وإذا حاولتُ المطابقة بين الأوصاف المثبتة على الوجه الخلفي للهوية ، وبين صاحبها ، تذمّرَ صاحب أو صاحبة العلاقة ، والتململُ بادٍ على محيّاه ، فيما أرى عينيه تنظران إليّ بعبثية حينا ، وبازدراء أو تضجّر وتذمر أحيانا أخرى ..
وكثيرًا ما ألمحُ في الوجوه التي تقف أمامي كالأصنام ، وفي العيون المندهشة والخابية ، انزعاجًا يصل إلى حدّ القرفِ المقيت .. ولستُ أدري هل القرف من شكلي ـ وأنا لا أكتمكم أنه في أحسن الأحوال ليس على ما يرام ـ أم القرف من روتينية العمل ؟؟!!
المهم .. هذا بعض ما حدث ، ويحدث معي باستمرار ..
وسأحاول أن أسردَ لكم جزءًا من خصوصياتي ، لعلكم ترشدونني إلى منفذٍ أجدُ متنفّسًا فيه ..
منذ أيام ، أنهيْتُ مرحلة هامة من حياتي .. إذْ تجاوزْتُ سنَّ الأربعين على خير ما يرام ..وقد وطِئتْ قدمي العام الأول من مرحلة حياتي الثانية ، ولا شك أنكم تعلمون مدى الخطورة التي تحيق بمنْ يتجاوز هذه السن ..
وبهذه المناسبة ، لن أحدّثكم عن مظهري الخارجي ، وحسن هندامي .. فأنا ممن يحبذون ارتداءَ اللباس الرسمي كاملا ، ابتداءً من الحذاء والجورب ، وانتهاءً بربطة العنق وتسريحة ما تبقى من شعري الأسود الجميل ، دون أن أنسى عطري المفضل ..
أمَّا بَشَرَتي ، فتميل إلى السُّمرة الداكنة ، لكني لسْتُ أسودَ ، كما يحرص منْ حولي على تسميتي ، فهم يظلمونني حتى في مثل هذه المسألة ..
وفي وجهي طولٌ ظاهرٌ ، على عكس قامتي النحيفة ..
وعيناي صغيرتان ، تقبعان خلف نظارة سميكة غامقة ، ذات إطار أسود ، وقد رافقتني أكثرَ من عشرين سنة ، وهي التي تساعدني على الرؤية ، لما في عينيَّ من ضعفٍ شديدٍ .. وهذا ما يفسِّر لكم سببَ حملقتي الزائدة ـ أحيانا ـ في الوجوه التي أصادفها ..
ولعلّ أسناني أجملُ ما في وجهي .. فهي بيضاءُ ، منضّدة ، قاطعة بشكل جيد ، ما تزال تحتفظ بقوّتها تمامًا ، رغم أني اضطررْتُ ـ تحت ضغط الألم ـ للاستغناء عن ثلاثة منها ، لكنها ليست ظاهرة ..
وأنا ، ككلّ المواطنين الشرفاء أمثالكم ، أمضيْتُ ستة عشر عامًا في هذه الدائرة .. دخلتُها موظفًا في قسم المحفوظات والأرشيف ، وتسلسلتُ في جميع المناصب ـ بعدئذٍ ـ حتى جلسْتُ على كرسي المدير منذ سنتين تقريبا ، بجدارةٍ تامةٍ كما ترَوْن ..
وخلال هذه الرحلة الطويلة من عمري ، فقدْتُ والديَّ ، وتزوّجَتْ أخواتي الثلاث ، وهاجرَ أخي الأصغر ، وتزوّجَ وأنجب هناك .. وبقيتُ وحيدًا في البيت الذي ورثتُه عن أبي ـ رحمه الله ـ في حارةٍ متواضعة ، تمتلئ شوارعُها بالأطفال والعربات والقاذورات نهارًا ، وبالجرذان والقطط ليلا ، وكلٌّ يبحث عن رزقه فيها ..
وتحت إلحاح نوازع الرجولة ، قبلتُ أنْ تساعدني عمّتي في مشروع الزواج ، بل اندفعْتُ متحمِّسًا في البداية ، مستعرضًا إمكانياتي وقدراتي الواسعة ، لكن إخفاقَ عمتي ، خفّفَ كثيرًا من حماسي ، حتى تلاشى بالتدريج ، فرجوْتُها أن تكفَّ عن البحث رأفة بسنوات عمرها السبعين ..
وفي الواقع ، لا أعرف سببًا وجيهًا يسوِّغُ لهنّ عزوفهن ، وإعراضهنّ عني ، حتى إنّ عمتي نقلتْ لي كلام إحداهن قائلة :
" يستحيلُ أن تقبلَ بي زوجًا ، ولو ربَطتْ شعرَها جدائلَ بيضًا " ..
وأخرى قالت : " لن تتزوّجَني ولو وُضِعْتُ في قبر معها " ..
علمًا أني ـ كما قلت ـ مقطوع من شجرة ..

أما في الحي ، فلا أعتقد أن أحدًا له ملاحظات على سلوكي ..
فأنا بسيط في حياتي .. لا أخالط ولا أزور أحدًا ، حتى ، ولا في المناسبات .. ولا يُطرَقُ بابي إلا خطأ ..

ونظرًا لحياتي التي أعيشها منفردًا ، فقد التجأتُ إلى عدة كتبٍ ، تتحدّث عن فن الطبخ وتحضير الطعام ، فقرأتُها مرارًا ، وعملتُ بإرشاداتها ، مع شيءٍ من قلة الإسراف والتبذير الذي تشيرُ به هذه الكتب عادة ..
وحين لا يكون لديّ عمل في المطبخ ، أقوم بسقاية أحواض الحديقة ورعايتها وتقليمها ، وشتل ورودٍ جديدةٍ ..
إن ساحة الدار لا تضاهيها أجملُ حدائق المدينة ، بورودها الزاهية ، وأشجارها ودواليها .. حتى إن أهلَ الحي كتبوا بخطٍ عريض على جدرانها الخارجية : " حدائق الفردوس " ..
كما أنهم يعدّون بيتي سرًّا من الأسرار المبهمة .. فيه غموضٌ كالغموض الذي يكتنف المزاراتِ وقبورَ الصالحين .. وكثيرًا ما يتسلق الأولاد على جدرانه العالية ، بدافع الفضولُ ، ليتسللوا بأنظارهم إلى محتوياتها .. أو يقذفون بالكرة من فوق السور إلى الداخل ، عن سابق إصرار وتصميم ، كي ينسلوا إليها .. لكني أدركت مراميَهم ، فصرتُ أقذفها لهم فورًا من فوق الجدار ..
ومرة ، سقط أحد المتسلقين ، فتكسّرَتْ عظامُه ، وتهشمَ رأسُه ، وأجريَتِ التحقيقاتُ معي ، وكادوا يرمونني بالسجن ، لو لم يتدخلْ أهلُ الحي عند أبيه لإسقاط حقه الشخصي .. وكان رجلا فقيرًا حقا ، فدفعْتُ له كلفة العلاج ، رغم أني غيرُ مُلزَم بذلك .. ووضعْتُ على الجدار قطعة حديدية بيضاء ، كتبتُ عليها بخط أحمر : " لسنا مسؤولين عن الحوادث التي تقع بسبب تسلق السور " ..
وفي مكان آخر منه ، علقتُ لوحة تقول : " ممنوع التسلل خطر الموت " .. ورسمتُ عليها جمجمة ، وعظمتين متقاطعتين ..

أما عملي ـ وهنا بيت القصيد ـ فأنا مديرٌ للسجل المدني في المدينة .. أوقّعُ في اليوم مئات المعاملات ، إضافة إلى توقيعَيْ بدء الدوام وانتهائه .. وهذان أهمُّ توقيعيْن في العمل الوظيفي ..
ولي معاون مُفْرط في أناقته وزينته ، كعارضات الأزياء ، يرفض أن يوقع أيَّ معاملة ما دمتُ موجودَا .. وإذا غبْتُ قليلا ، غاب ، أو أقفلَ بابَ مكتبه بالمفتاح من الداخل ، وقبع فيه ، غير مكترث بتعطيله مصالح المواطنين ..
إنه يتهرَّبُ دومًا من مسؤولياته .. همُّه شربُ القهوة وطقُّ الحَنك ، (( وأقسم لكم بأن الفرصة لا تسمح لي بتذوقها ساخنة )) ..
ثم يخرج من مكتبه ليتجوّل بين الموظفاتِ والموظفين .. يتضاحكون ويتسهسكون بصوتٍ عال فجّ .. يضيقُ به كل الحاضرين والمراجعين .. وفوق ذلك ، يصطاد منْ يصطادُ منهن ، ويمرّرُ معاملاتِ معارفه وأصدقائه ، ولا أدري إنْ كانت لوجه الله تعالى أم لغيره .. وهو مفروض عليّ بعَجَره وبَجَره ، ومحسوبٌ معاونا لي ..
أما رؤساء الدوائر والشُّعَب ، فإنني ألمحُ في وجوههم الرياءَ والتزلفَ في تعاملهم معي .. لاعتقادهم بأن كرسيَّ المدير حقٌ لأحدهم حصرًا ، ولا يليق بشخصية مثلي .. وكأن الإدارة ـ برأيهم ـ لا تليق إلا بحِسان الوجوه والقامات ..
وهم حاقدون علي دائما ، لأن بابَ مكتبي مفتوحٌ دوما للمواطنين والمراجعين بلا حارس ولا بوّاب .. فالتقطوا لي صورة ، كنت حينها أتفرّسُ في وجه صبيةٍ جميلةٍ ، لأطابقَ بين ملامحِها الشخصية وأوصافِها في الهوية .. وطبعوا عن الصورة نسخا كثيرة ، ووزعوها على الجميع ، زاعمين بأني أهمُّ بتقبيل الفتاة .. واتهموني بالإخلال بشرف المهنة والإساءة إليها ، وأوصلوا الأمرَ إلى أعلى الجهات المسؤولة والرقابية .. وحينما حققوا معي بذلك ، تبيّنَ لهم أن نظارتي السميكة الغامقة ، هي السبب ، فوَصَلني كتابٌ رسميٌّ ممهورٌ بخاتم وتوقيع ، يتضمَّن أمرًا عاجلا ، باستبدال نظارتي بأخرى شفافة ، تسهيلا للعمل ، وإنهاءً للقضية ..

لكن الموظفين عندي لم ييْأسوا .. فدفعوا إليّ بمنْ تصافحني .. وكانت يدُها طرية ناعمة ، بيضاءَ كالجبن الطازج ، وكان كلٌّ منا له أسبابُه الخاصة في استبقاء يد الآخر في يده .. فصافحتها بحرارةٍ وتودّدٍ ، متشجّعًأ بنظراتها الجريئة ، وبالبريق الضاحك المشعّ من عينيْها الواسعتيْن الساحرتيْن ..
لم أدرِ كمْ طالَ بنا الوقتُ ، وأنا مأخوذ بموسيقا صوتها وهي تتكلم إليّ بما لم أفهمْ منه أيَّ حرف ، ولم تحاولْ أن تسحبَ يدَها من يدي .. فيما كانت تسري في أعضائي نشوة لم أسعدْ بمثلها من قبل ، وعيناي مبهورتان وهما تتجولان في مفاتن الوجه وتضاريس الجسد .. وفجأة أصحو من حلمي الواقعي ، على أصواتٍ تتعالى بالتصفيق والضحك الهازئ والصفير ، فارتميْتُ على الكرسي ، وغارت الفتاة ، كأن الأرضَ ابتلعتها .. ولستُ أبالغُ إذا قلتُ لكم : إنني مازلتُ أتفرّسُ بعضَ الوجوه بحثا عنها ، ويشهدُ الله أن نيّتي سليمة ، وقصدي شريف ..

ولم يتوقفوا عند هذا الحد .. بل حاولوا توريطي في عمليات تزوير مقصودة ، يقبضون ثمنها ، ويرسلون بالمعاملة إلي خالية من توقيعهم .. فإذا وقعْتها بلا انتباه ، صارت وثيقة إدانة لي بالتزوير ..
في البدء ، أخذتُ الأمرَ بحُسْن نيّة ، لزحمة العمل وكثافته .. لكن محاضرَ التحقيق ولجانَ التفتيش والرقابة ، جعلتني أشك حتى في نفسي ..
وحين نجوْتُ من كل مكائدهم ، صاروا يعاملون المواطنين بجفاء وقسوة ، ويربكونهم ويعقدون أمورهم ، بإجراءات وطلبات ما أنزل الله بها من سلطان ، مما أضجَرَ المراجعين وأرهقهم ، فجاؤوا يشتكون تعقيداتِ الموظفين وسوء معاملتهم ، فنبّهْتهم أولا ، ثم أنذرْتهم ، ثم حسمْتُ من رواتبهم .. ولم يتغير أي شيء .. وكأنني أحرثُ في البحر ..
يتأخرون في الصباح ، ويخرجون قبل نهاية الدوام الرسمي ، ويحتالون في التوقيع عمن يغيب بلا استئذان ..
حاولت أن أستقطب بعضا منهم إلى جانبي بوسائل الترغيب تارة ، وبالترهيب تارة أخرى .. فلم أفلح ..
اجتمعْتُ بهم ، وسألتهم عن رغباتهم ، فلم يطلبوا أي مطلب .. بل أثنَوْا على حُسْن الإدارة ، وسير العمل ، وانتظام الدوام ، وتسهيل أمور المواطنين ، وكادوا يقولون في ذلك شعرا ..

كتبْتُ إلى المدير العام ، فأرسل لجنة تحقيق ، بقيَتْ أسبوعًا بيننا ، أحسنْتُ لها الضيافة ، وبالغْتُ في الإكرام ، حتى اختلتْ ميزانيتي، وودّعتُهم بكثير من الفرح والهدايا .. وها قد مضت شهور خمسة ، ولم يتغيرْ شيءٌ ..
ماذا أفعل ؟؟
وكيف سأستأصل هذا السرطان المستفحل ؟؟
كلهم يريدون إزاحتي والحلول مكاني .. حتى تناسوْا كل خلافاتهم ، واتحدوا في مواجهتي والتآمر عليّ ..
ثم إني لست متشبثا بهذه الإدارة المهلهلة المرهقة ..
لكني لا أرغبُ أن أسقط فريسة لأنيابهم ومخالبهم المسمومة ، وخدعِهم ومؤامراتِهم التي ـ كموج البحر ـ لا تنتهي ..
وهم ليسوا بأكفأ مني .. وليسوا عارفين بأمور الإدارة وإجراءاتها وقوانينها ، قدر ما أعرف ..
وأنا أقدمهم وظيفيا ، ويمتلئ ملفّي الشخصي بالثناءات وكتب الشكر التي وصلتني من المدراء السابقين والوزراء المتعاقبين ..

فهل ، بعد كل هذا وذاك ، أكون مقصّرًا ؟؟!!

أنتم احكموا ، أيها السادة ..
لكن أرجوكم أن تسمعوا أولا ما سأتلوه عليكم :

قرار رقم 94696
إن المدير العام :
وبناء على ضرورات المصلحة العامة :
يقرر ما يلي :
المادة (1) : يُنهى مفعولُ قرارنا رقم 7485 تاريخ الأمس
ويُنقل عمل السيد عبد السلام محمد رمضان إلى قسم المحفوظات والأرشيف في المديرية العامة للأحوال المدنية .
المادة (2) : يُنقل السيد فهمي القصير من وظيفة معاون مدير السجل المدني ، إلى وظيفة مدير السجل المدني ، اعتبارًا من تاريخه .
المادة (3) : يُنشر هذا القرار في الجريدة الرسمية ، ويبلغ من يلزم ، لتنفيذ مضمونه .

الخاتم والتوقيع
المدير العام للأحوال المدنية

آذار / 1981

يوسف رشيد